نحن الوهابيون - 2
.. فقط لو أعرفُ هذا الزرَّ الذي ضغطته فأثار كل هذه الردود في المقال الأول، لكنت تحكمت فيه بشكل ما، لأن الردود كانت فوق التوقع، رسائل إلكترونية غص بها بريدي، ورسائل هاتفية، واطلعت على ردود المقال في موقع الجريدة، حيث اعتلى قائمة التفاعل .. ولم يبق إلا أن تدس الرسائل تحت فتحات أبواب المنزل .. ولو أن صندوق "واصل" المعلق على جدار المنزل يعمل كصناديق الدنيا لربما أصابته تخمة..
وسأعكفُ هنا على استعراض الرسائل، مع أنها أخذتنا عن نهر الموضوع، وهو ما أملتُ أن نفكر به جميعا بعد العيد حول كيف نزيل الخرافة التي ذاعت في العالم عن الوهابية، وهل هي في تفهيم العالم، أم البدء في إعادة فهم أنفسنا وتقديمنا بالشكل الصحيح للعالم؟
ولكني وجدت، مثل كل شيء في منطق التغيير، هو أن تبدأ في الأصل. لم أغفل موضوع النظرة للوهابية داخل الكيان الوطني، بل إني أرجأته لحين كي أتفرغ لمناقشة هذا الصيت عن الوهابية عالميا، لأنه، في رأيي، الذي يصل إلى الاعتقاد، قد حُرّف عما جاء به الرجلُ الموصولُ له هذا "الفكر" من قرنين من الزمان.. وقلنا لو قام ذاك الذي أراد إصلاحا من قبره لما عرف هذه الوهابية التي يتحدث عنها العالم. ولكني أخطئ من جديد وأقول العالم.. والحقيقة هل العالم فقط؟ يا ليت.. بل هنا في داخل البيت..
الوهابية في داخل بلادنا، التي وسمها العالمُ أجمع بالدولة الوهابية، من أبنائِها مَن يشاطرون العالمَ الخارجي نفسَ الرأي.. بل هناك مَن هم أكثرُ في المغالاة.. وهنا ليس مجالاً للغضبِ ولكن للفهم، كتبتُ في المقال السابق عن جدار "التراص" الوطني وطبعه منضِّدُ "الاقتصادية" بجدار "التراضي" الوطني، ولأول مرّة فرحتُ بخطأٍ طباعيٍّ تقومُ به جريدةٌ في مقالٍ لي.. إذن القصد هو ليس التغاضب، بل التراضي.. أمنية الأمنيات!
معظم الرسائل صبت ولله الحمد في قناة الثناءِ والتشجيع، وأعفيكم منها، وسأركز فقط على أهم الرسائل التي جاءت ناقدة أو غاضبة "بعض الشيء" أو عاتبة "جدا"، وهنا يصدق المفكرُ البحريني الأنصاري الذي قال في موقع الجريدة إن علي أن أبدأ بالفهم تجاه الوهابية من السعوديين أنفسهم.. ولن تكون هذه المقالات قاطعة أو نهائية، ولكنها معالجة من رأس قمة جبل الجليد.. فقط!
رسالة جاءت فجر خروج المقال من كاتبٍ ومفكرٍ كبير: "نحن لسنا كلنا وهابيين"، وهذا صحيحٌ حين نفهم أن الوهابية مذهب مستقل، ولكن الوهابية ليست كذلك، ولم يكن هناك تجزيئ وهـّابي، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب منظِّرا أو داعية لفكرٍ مستقل، أو آلية منفصلة، إنه نوع من الفكر الإحيائي، وهو فكر يحث الوجدان، وليس منوطا به أن يضج بالمكان والكيان .. على أن هذا حصل فعلا، لأن أفكارا طرأت، وغلوا زاد، وفهما مختلطا امتزج بغلاظة في الرافد الأصل، وصار يُقدم للناس بأنه الوهابية.. وبالتالي، ليس هناك سعودي واحد في الحقيقة يعتنق مذهبا اسمه الوهابية، ببساطة، لأن لا مذهب يحمل ذاك الاسم.. كل ما في الأمر أن تيارا فكريا تعارف الناسُ عليه خارج (وداخل المملكة أنه وهابية) ولن ألوم صاحبي إن رأى نفسه في حلٍّ منه!
ورسالة مثل العرائض موقعة من 11 كاتبا سموا أنفسهم بالكتاب الطليعيين نختصر إلى طلبها: ".. وبإيماننا بمدى تأثيرك على العامة، وقدرتك على لمس عواطف البسيطين من الناس، ومعرفتنا الشخصية بك كمفكر نحترمه، نرجو أن تعود عما كتبتَ في الدفاع عن الوهابية، فمهما راوغت فأنت لا تراوغ العقول المثقفة ولا يكفي أن تكف عن الحديث في الموضوع، بل أن تعود عنه وتوضح كيف أن الوهابية هي التي قادتنا للمآزق التي نعاني كلنا منها.. وأنت منـّا.. وهل يحتاج أن نذكرك؟!" وأقول لأصحابي الطليعيين إنهم لا يحتاجون أبدا إلى أن يذكروني فليطمئنوا، فهذه الذكرى بالذات هي التي دفعتني إلى كتابة المقال، وإن كانوا قد فهموا أني أدافع عن الوهابية التي أصر على تسميتها (الوهابية الخرافية) أي التي لا تترك أحدا إلا وتكفره وتحاربه وتكرَهُ كل من على الأرض سواهم وترسلهم جميعا إلى جهنم، فهذا ما أنا أقف جادا لتوضيح مدى خرافته، وخطأه طبعا، وإن فهموا أني أقول إني وهابي وإنكم كلكم، ما عداي، ستـُقادون إلى جهنم، فهذا خطأٌ شاهقٌ، وتعدٍّ ماحقٌ، فألومُ إما سوءَ فهمهم، وإما إعاقةً عندي تمنع حسن التعبير!
ألقاكم الإثنين القادم لنكمل الموضوع، تحت شعار أعيد التذكير به، وهو أمنية الأمنيات: التراضي.. التراضي!