نحن الوهـّابيون؟!
.. الذي أثار وأوحى بهذه المقالة فيلم هوليودي، حرصت على حضوره لأن نقاده قالوا إنه ينبئ عن قدوم غزاة للأرض، وهم ليسوا المريخيين، ولكنهم الوهابيون، وهم قادمون لغزو الحضارة الغربية ممثلة بالرمز الأمريكي.. وكدت أعطي عنوانا آخر للمقال وهو "الوهابون قادمون"..
أشهر اسم في هذه السنين قاطبة هو اسم عبد الوهاب، وأكبر مصطلح يدور الأرض ويلفها كل يوم بل كل لحظة من أقصاها إلى أقصاها هو مصطلح الوهابية..
ومن هم الوهابيون؟ انظر، هناك ملايين التفاسير، وملايين الكلمات، وآلاف الكتب، وعشرات آلاف المقالات، خرجت عن الموضوع، حتى إن هناك من أحصى عشرة آلاف استخدام للمصطلح في جريدة واحدة هي نيويورك تايمز في شهر واحد، وقس على كل جريدة في الأرض من أساهي في اليابان إلى اللوموند الفرنسية والجارديان البريطانية والجلوب آند ميل الكندية، وحتى في صحف في أطراف الأرض مثل مقال ضاف خرج في تقرير من المالديف يبين أثر الأصولية الوهابية على أهالي الجزر الغافية.. أقول لك ببساطة مباشرة: الوهابيون هم نحن.. السعوديون. على أن هذا أيضا في نظر العالم، ولكن في نظر السعوديين فهذه قصة أخرى أتركها حين تحين المناسبة!
من هم الوهابيون في نظر العالم؟ أستطيع أن أعدد لك عشرات الكتب والأفلام سواء التي تصنف حقيقية أم خيالية Non fiction، مثل كتاب "إرهابيو الله" God's Terrorists لتشارلز ألين، ووجها الإسلام The Two Faces of Islam لستيفن شوارتز.. والحبل لا ينتهي، ولكن التفسير الأكثر شهرة في الغرب هو لكاتب الواشنطن بوست "توم كارتر" الذي يضعُ وصفا للوهابية كالتالي:" الوهابية Wahhabism، هو شكلٌ(!) تطهيري من الإسلام، الذي يعلم أتباعه عدم قبول أي رأي لا يوافق تعليماته ونظرته للعالم سواء أكان مسلما أم غير مسلم". وهذا الشرح هو الذي يطبقه ويفهمه العالم، هو كما ترى، ولو أعدت القراءة رغم قصره إلا أنه تفسيرٌ ملغومٌ لما شاع في العالم أنه الوهابية!
هذا المقال يجب أن يقرأ بعناية، لأن ما يربطنا بالعالم من خلل كبير هو ليس لأننا مخطئون بالضرورة، ولكن لأن العالم قرأنا وفهمنا خطأ، ولا يمكن أن أجيب عن ذلك في هذه العجالة المقتضبة، وأرجو أن يكون كافيا لإثارة أكثر من سؤال في عقلنا، وأن يكبر تصوره في مخيلاتنا كلنا، وأن ندرسه ونفهمه بعناية، لأنه لا يمكن أبدا أن نقول هذا نحن ومن يفهمنا فليفهم، ومن لم يفهمنا فليبلط البحر.. للأسف إن بُلط بحرٌ فلن يبلط إلا بحرنا نحن، وأخشى أن يكونوا بدأوا..
لو قام الشيخ محمد عبد الوهاب الآن لما عرف هذه الوهابية التي يتكلم عنها العالم، وينسبونها لهذا الرجل الذي أراد طريقا صافيا واضحا لنهل العقيدة، ونام لقرنين بهدوء حتى قررت "السياسة" أن تقلق هذا الفكر الذي جاء رحيقا سائغا، ليقدم للعالم الآن بارودا فالتا متفجرا.. إذن ابحث أيضا عن السياسة، لن أحدد من المُلام، ولكني أسالك يا قارئي وكثير منكم أفهم مني: من لم يغمس يدَه في السياسة؟! ولقد أعجبتني مقولة الباحث في الشأن الإسلامي الفرنسي "أوليفييه روي": عندما تحاول أن تدمج الدين مع السياسة، فالسياسة لا تتدين، ولكن الدين يتسيّس!"، وهذا أعتقد تماما ما حصل!
كنا مرة في زيارة مركز إسلامي في دولة آسيوية، ويُقدَّم له مساعداتٍ رسمية، فحدثنا المسؤولُ وهو يستعيذ بالله، من شرور هذه المذاهب التي خرجت وهي لا صلة لها بالإسلام الصحيح، فقام يعد: "القيدانية، والبهائية، والصوفية، والوها.." ثم بلع بقية الحروف.. ولكن كان الجو قد تكهرب، ولم يفلح أن يزيل الصاعق الكهربي ذلك البلع وتغيير الموضوع. وكنت مع أخي جمال في مصر نعود مريضا، حين سألتنا مريضة مصرية كبيرة بالسن: هو أنتم سعوديين؟ يعني وهابيين؟ ولما سألناها ما معنى وهابيين؟: قالت وهي تشيح وجهها وتلوي فمها: "يعني ما بتحبوش سيدنا المصطفى عليه السلام؟".. وأسقط في أيدينا!
أعود للفيلم الهوليودي فهو باكورة شركة جديدة أنشأها الممثل الأمريكي الشهير "توم كروز"، وأراد أن يبدأ بفيلم يحلب البلايين من الدولارات، طبعا اختار أكبر أيقونتين في الصناعة السينمائية وهما روبرت ردفورد، وميريل ستريب، والموضوع ماذا؟ الغزو الأمريكي لأفغانستان، ومحاربة المد الإسلامي الذي يريد تقويض أمريكا، الفيلم ليس فيلما بالحقيقة، فهو عبارة عن محاضرةٍ طويلةٍ ومملةٍ، ولم يَحصد الفلمُ إلا الاستهجان (من النقاد الأمريكيين) .. أحلى ما في الفيلم الممل جدا هو فكرة في غاية السذاجة، ولك أن تعتبرها الطرفة الوحيدة في الفيلم، فالسناتور الصقر الذي يؤدي دوره "كروز" يقول للصحفية "ستريب" إن هناك نية للوهابيين للهجوم على الحضارة الأمريكية، وهم الآن يتحالفون مع الإيرانيين في سبيل ذلك!".. ضحكتُ وخرجت!
هناك قصد مُوارى من نشر هذا المعنى الخرافي عن الوهابية، التي نعرفها هنا كحركة تصحيحية قام بها عالـِمٌ مصلحٌ في القرن الثامن عشر وكان يجب أن يقوم بها وإلا انحرف المسلمون.. ولكن العالم لا يعرف، وقريبون منا جدا لا يعرفون، أو لا يريدون أن يعرفوا..
وسؤال: هل نلام نحن أيضا على انتشار هذه الخرافة؟
ربما فكرنا بذلك، جميعا، بعمق.. ولا بأس أن نؤجله إلى بعد العيد، وعيدكم مبارك!