رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الفوائض المالية .. الفصل بين الملكية وبين الإدارة

[email protected]

طالعتنا جريدة "الشرق الأوسط" بتاريخ 14/11/1428هـ بخبر عن عزم الحكومة السعودية تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة وإدارته "بأسلوب تجاري استثماري بحت يستطيع أن يتعامل مع مئات المليارات من الريالات وفقاً للفرص المتاحة لتعظيم موارده لتكون مفيدة للوطن والمواطن وللأجيال المقبلة .. وأن من بين المقترحات تأسيس شركة مملوكة للصندوق على أن يتم نقل جميع أصوله لتلك الشركة". وقد تأكدت صحة ذلك الخبر في أقل من أسبوعين بشكل رسمي عندما أعلن وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف في منتدى الرياض الاقتصادي الثالث بتاريخ 23/11/1428هـ عن موافقة مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة على تأسيس شركة مملوكة للصندوق برأس مال يصل إلى 20 مليار ريال، وأن تلك الخطوة تأتي امتداداً لتفكير الدولة الجدي في اتباع أساليب "تضمن تحقيق الاستقرار في الإيرادات العامة وتعزيز ربط بعض القطاعات المحلية بمثيلاتها الدولية والمساعدة على نقل التقنية".
إن تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة أمر كنت قد دعوت إليه قبل نحو عامين في مقال نشرته "الاقتصادية" بتاريخ 21/2/1427هـ تحت عنوان "لا تعبثوا بأجيالنا القادمة" بمناسبة الطروحات التي كانت قد برزت يومئذ على ساحة الرأي العام من قبل بعض المحللين والكتاب الذين طالبوا وزارة المالية بالمبادرة إلى بيع حصص الصندوق في الشركات المساهمة بحجة توسعة السوق ! وقد سقت في ذلك المقال العديد من البراهين لكشف اللبس الذي وقع فيه أصحاب تلك الطروحات، كما بينت أن بيع حصص الصندوق في الشركات المساهمة لن يضيف سعة للسوق أو يمنحها استقراراً، بل إنه قد يلحق ضرراً بتلك الشركات ومساهميها إذ ستخسر شيئاً من الدعم الذي تحظى به والرعاية التي تُظلها إن غابت الدولة عن قائمة المُلاك.
تلك الأصوات التي دعت إلى تصفية استثمارات الدولة في السوق المالية لم تصمد طويلاً أمام مجريات السوق وخبت تدريجياً مع الانكماش المتواصل للسيولة الذي ألّم بها، وفوجئنا بأن غيرّ أولئك "قناعاتهم" على عجل وأصبحوا ينادون بنقيض ما كانوا ينادون به بالأمس! بمعنى آخر أنهم لم يكتفوا بالتخلي عن المطالبة بخروج الدولة من السوق، بل أضحوا يطالبون صناديق الدولة ومؤسساتها المالية بالتدخل في السوق وانتشالها بشراء كميات كبيرة من أسهم الشركات المدرجة لإعادة التوازن بين العرض والطلب. بالطبع كلا الموقفين لتلك الأصوات لم يكونا معتدلين أو إن شئت عادلين، إذ ليس من الحكمة أن تدار سياسات المال العام وفق انفعالات آنية وردود فعل متعجلة لأحداث مالية عابرة دون التمعن في تبعات تلك السياسات على المدى الطويل.
لذا كان من الواجب ألا يُترك البحث عند ذلك الحد، فدعوت إلى الحفاظ على أصول صندوق الاستثمارات العامة وأطلقت عليه مسمى "صندوق الأجيال"، كما دعوت في ذات المقال إلى "تفعيل دور الصندوق كصانع سوق لما يمتلكه من مقومات يتطلبها مثل هذا الدور وأهمها حيازته على حصص مؤثرة في معظم الشركات المدرجة، ملاءة مالية لا نظير لها، وملكية عامة تنأى بنفسها عن المصالح الضيقة أو قصيرة الأجل، على أن يسبق ذلك الدور عمل مؤسسي منظم يقوده فريق خبراء على درجة عالية من المهنية".
وإذ نشيد بالخطوة التي أعلن عنها وزير المالية في منتدى الرياض الاقتصادي الثالث لتفعيل دور الصندوق، فإننا نتطلع أن تبقى أصول الصندوق في حيازته وأن يقتصر دور الشركة الجديدة على إدارة تلك الأصول. بمعنى آخر قد يكون من المصلحة الفصل بين الملكية والإدارة لضبط الرقابة والمتابعة ومن ثم المحاسبة لاسيما وأننا بصدد مبالغ فلكية تدار لصالح الأجيال المقبلة. كما أننا نتطلع إلى إنشاء أكثر من شركة لإدارة تلك الأصول في الداخل، وشركات أخرى لإدارة الفوائض المالية في الخارج، إذ إن المنافسة ستمنحنا مؤشرات تساعد على تقويم أداء إدارة الأصول والفوائض.
لكن الأهم من ذلك كله أن نُلزم تلك الشركات بمعايير عالية من الشفافية لدرء الفساد الذي ذهبت ضحيته صناديق سيادية في بعض الدول المجاورة، كما ينبغي التوكيد على تطبيق مبدأ الجدارة في اختيار القيادات التي ستدير تلك الشركات وإن كانت من جنسيات أجنبية، وفي كل الأحوال علينا البحث عن خبرات وطاقات جديدة بدلاً من الأسماء التي أصبحت مكررة وموضع انتقاد الكثير من المراقبين.
لقد وهبنا الله تعالى نعماً لا تحصى، فعلينا شكرها بتوخي الحكمة في إدارتها والتعامل معها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي