55 عاماً .. على تأسيس مجلس الوزراء
يصادف هذه الأيام مرور 55 عاماً على تأسيس مجلس الوزراء السعودي الموقر، ففي عام 1953م أصدر الملك عبد العزيز طهر الله ثراه أمراً ملكياً برقم 5/19/4288 بتاريخ 1 ربيع الأول 1373 هـ بتأسيس مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد يوم ذاك الملك سعود بن عبد العزيز يرحمه الله، وللأسف فإن المجلس لم يجتمع في حياة الملك عبد العزيز، فقد عاجلته المنية وانتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يفتتح أول جلسة لمجلس الوزراء الذي تنص أولى مواده على ما يلي : يؤلف مجلس وزراء تحت رئاسة ولدنا سعود ولي عهد المملكة القائد الأعلى للقوات المسلحة يتألف من جميع وزراء الدولة المكلفين بإرادة ملكية لإدارة شؤون الوزارات المعهودة إليهم للنظر في جميع شؤون الدولة خارجية كانت أو داخلية فتقرر بشأنها ما يراه موافقاً لمصلحة البلاد لأجل عرضها علينا.
وبانعقاد الجلسة الأولى لمجلس الوزراء في عهد الملك سعود يعد مجلس الوكلاء الذي كان يدير شؤون البلاد والعباد قد انتهت صلاحياته، ليس هذا فحسب فقد امتدت صلاحيات مجلس الوزراء إلى قيامه بوضع الأنظمة والتشريعات التي كان يقوم بها مجلس الشورى.
وإذا كانت السلطات في جميع الدول تنقسم إلى ثلاث سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، فإن مجلس الوزراء السعودي هو السلطة التنفيذية والتنظيمية التي اضطلعت برسم سياسة الدولة وبناء قطاعاتها وتصميم وتنفيذ برامجها ومشاريعها التنموية التي انتقلت في المملكة من دولة تقتات على مساعدات الدول الشقيقة والصديقة إلى دولة عتية وغنية تحتل مكانة مهمة بين الدول في الساحتين الإقليمية والدولية.
وإذا كان مجلس الشورى قد نشأ قبل مجلس الوزراء وكلف بسن الأنظمة ووضع التشريعات، فإن مجلس الوزراء قام بتحديث الأنظمة والتشريعات وأسهم في وضع الكثير منها، وقام بالبحث عن الموارد وتصميم خطط التنمية ووفر للمواطن السعودي المسكن، المأكل، الدفاع، الأمن، التعليم، الصحة، الانتقالات، المواصلات، الماء، الكهرباء، وبناء المستقبل الوارف الظلال.
ولذلك إذا وضعنا مجلس الوزراء في التقييم الموضوعي بعد مرور 55 عاماً، فإننا نجد بأن مجلس الوزراء هو الذي اضطلع بتحقيق التحولات التاريخية التي يتفيأ ظلالها الشعب السعودي من أقصاه إلى أقصاه.
ومنذ البواكير الأولى لاكتشاف البترول وضع مجلس الوزراء سياسة بترولية تتسم بالموضوعية وتهدف إلى توفير المال اللازم للارتفاع بمستوى معيشة المواطن وتنفيذ برامج ومشاريع التنمية مع المحافظة على استقرار الاقتصاد العالمي دون تفريط في الحقوق المشروعة للمملكة، فضلاً عن ذلك فإن مجلس الوزراء وفر للمفاوض السعودي موقفاً قوياً للتفاوض مع جيرانه من أجل التوصل إلى تسويات عادلة انتهت بالتوقيع على اتفاقيات للحدود الدولية وكذلك التوقيع على اتفاقيات حسن الجوار مع جميع الدول التي تربطها حدود دولية مع المملكة.
ولقد اتسمت قرارات مجلس الوزراء بالحكمة حينما تعرضت المنطقتان الخليجية والعربية للأزمات العاتية ويأتي في مقدمتها موقف المملكة إزاء الحروب العربية الإسرائيلية، ثم بعد ذلك موقف المملكة إزاء الحربين الخليجيتين اللتين أشعلهما صدام حسين في موقعتين الأولى ضد إيران والثانية ضد الكويت، ثم سلسلة القرارات الحكيمة التي اتخذتها المملكة إبان الغزو الأمريكي للعراق، وأخيراً الموقف من المشروع النووي الإيراني الذي استهدف حماية المنطقة من مأزق التورط في حرب جديدة مدمرة.
ومن المشاريع اللافتة التي أقرها مجلس الوزراء وظل يتابع مراحلها المهمة طوال ما يقرب من 55 عاماً مشاريع توسعة الحرمين الشريفين وتوابعهما في المشاعر المقدسة التي تعد علامة مضيئة في جبين إنجازات الحكومة، كما أن من أهم المشاريع التي أقرها مجلس الوزراء في الألفية الثالثة مشروع الطاقة النووية للاستخدامات السلمية بمعنى أن مجلس الوزراء تحمل الجزء الأكبر من مسؤولية بناء الدولة الحديثة وتحقيق الاستقرار لها وتنفيذ مشاريعها وحماية حدودها الدولية وتحقيق إنجازاتها وتحويلها من دولة متخلفة إلى دولة تنافس على احتلال المقاعد الأولى بين الدول التي تشك أن تدخل مع الدول المتقدمة في بهو ما يسمى بمجتمع المعرفة أي المجتمع الذي يستخدم التكنولوجيا الرقمية للتعامل مع المستجدات في عصر العولمة.
إن قصة تأسيس مجلس الوزراء وإنجازاته المبهرة من أجمل القصص في تاريخنا الإداري والاقتصادي والسياسي والثقافي، لأن مجلس الوزراء موجود في يوميات كل مواطن وموجود في التفاصيل الدقيقة لكل أسرة سعودية، وكل مواطن سعودي يدين بالفضل لمجلس الوزراء، فيما وصـل إليه من مستوى معيشي متقدم، بل نستطيع القول إن مجلس الوزراء دخل ـ منذ تأسيسه ـ في تشكيل الشخصية السعودية، وما زالت بصماته واضحة في بناء الإنسان السعودي منذ الولادة وحتى الوفاة وربما منذ ما قبل الولادة وما بعد الوفاة.
إن الأمل كبير في أن هذا المجلس الموقر والمحترم سيواصل تنفيذ العديد من برامج التنمية المستدامة حتى يرتقي بالوطن والمواطن ليبلغ أعلى مستويات التقدم والرفاهية.