تقرير: 5 مزايا تمنح مركز الملك عبد الله المالي أولوية في المنطقة

تقرير: 5 مزايا تمنح مركز الملك عبد الله المالي أولوية في المنطقة

اعتبر تقرير اقتصادي حديث صادر عن مجلس الغرف السعودية، أن قرار تأسيس مركز الملك عبد الله المالي سيدخل السعودية في منافسة إقليمية في مجال المراكز المالية مدعومة بخمس مزايا تتعلق بدوره في رفع القيمة المضافة في الناتج المحلي الإجمالي، تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد، المساهمة في تحقيق معدل نمو مرتفع في الاقتصاد الوطني بتكاليف استثمارية معقولة وبأضرار أقل للبيئة، رفع القدرة التنافسية للقطاع المصرفي، خلق مصادر إيرادات للموازنة العامة للدولة، والمساهمة في توفير كوادر وطنية مدربة. وأكد التقرير أن المركز سيملك أيضا مزايا إضافية تمكنه من الصدارة في المنافسة مع المراكز المالية في المنطقة.

في مايلي مزيداً من التفاصيل:

اعتبر تقرير اقتصادي حديث صادر عن مجلس الغرف السعودية أن قرار تأسيس مركز الملك عبد الله سيدخل السعودية في منافسة إقليمية في مجال المراكز المالية مدعومة بخمس مزايا تتعلق بدوره في رفع القيمة المضافة في الناتج المحلي الإجمالي، وتنويع مصادر الدخل في الاقتصاد، المساهمة في تحقيق معدل نمو مرتفع في الاقتصاد الوطني بتكاليف استثمارية معقولة وبأضرار أقل للبيئة، رفع القدرة التنافسية للقطاع المصرفي، خلق مصادر إيرادات للموازنة العامة للدولة، والمساهمة في توفير كوادر وطنية مدربة.
لكن التقرير قال إن مثل هذه المراكز لا تخلو من محاذير من بينها وجود احتمالات لتعرض المؤسسات العاملة في المركز المالي للانهيار أو التعثر بسبب تعرضها للصدمات المالية الخارجي، وتزايد فرص إساءة بعض المؤسسات والأفراد لمناخ الحرية الواسع الذي يتمتع به المركز المالي لممارسة عمليات الاحتيال والفساد والرشا المالية للشركات الدولية، إضافة إلى عمليات غسيل الأموال، واحتمالات تعرض رأس المال البشري الذي يعتبر عصب المركز المالي للاستقطاب من قبل مراكز مالية أخرى منافسة، وهو ما يكلف الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة تتمثل في نزيف العقول والخبرات الوطنية التي تكلف الدولة مبالغ باهظة. وشدد هنا على أهمية فرض رقابة من نوع جديد من قبل الحكومات في هذه المراكز توازن بين الحرية المطلوبة وضبط الأسواق. هنا تفاصيل التقرير:

طفرة واحتياط نفطي

إن الطفرة الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد السعودي في الفترة الأخيرة كأكبر اقتصاد على مستوى منطقة الشرق الأوسط، والثالث والعشرون على مستوى العالم من حيث الحجم، إضافة إلى امتلاك المملكة لأكبر احتياطى نفطي على مستوى العالم، كلها مؤشرات تجعل من الأهمية القصوى العمل على وضع استراتيجية لتعزيز مكانة هذا الاقتصاد عالمياً وإقليمياً، وتنويع هيكله من خلال عدة محاور، أهمها دعم القطاعات الاقتصادية غير البترولية، وخلق البيئة الاستثمارية المناسبة، وتطوير الخدمات المالية من خلال تطوير القطاع المصرفي.
ويأتي قرار إنشاء مركز الملك عبد الله المالي في الرياض كخطوة نوعية على طريق تطوير القطاع المالي، وجعل المملكة علاوة على كونها عاصمة النفط العالمية عاصمة مالية للشرق الأوسط. والملاحظ أن القيام بدور المركز المالي للمنطقة أصبح محل تنافس شديد بين عدد من دول المنطقة أهمها المملكة، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت. وتدخل مع هذه الدول في مجال المنافسة ومصر، الأردن، وإسرائيل عند الحديث عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA REAGION .
وفي إطار هذه المنافسة المحتدمة تثور مجموعة من الأسئلة أهمها: ما أهمية المركز المالي للاقتصاد الوطني والدور الذي يمكن أن يقوم به، والمحاذير التي يجب أخذها في الحسبان؟ وهل المملكة مؤهلة للقيام بدور المركز المالي للمنطقة؟ وما عوامل القوة التي تؤهلها لذلك؟ وما جوانب الضعف أو النقص التي يجب الإسراع بالتغلب عليها حتى تحسم المنافسة في هذا المجال لصالح المملكة؟ وماذا عن دور القطاع الخاص في هذا المجال؟
ويتناول هذا الموضوع مركز الملك عبد الله المالي كأحد أهم المشروعات الاقتصادية الكبرى التي قام خادم الحرمين الشريفين بإعطاء إشارة البدء لإنشائها أخيراً بالتحليل، للتعرف على الدور المتوقع لهذا المركز لوضع الاقتصاد الوطني في مقدمة اقتصادات المنطقة بل والاقتصاد العالمي ككل، والفرص التي يخلقها هذا المركز للقطاع الخاص، وكيف يمكن حسم المنافسة بين دول المنطقة على القيام بدور المركز المالي الإقليمي لصالح المملكة.

أولاً: المركز المالي (الماهية، والأهمية، والمحاذير):
أـ ماهية المركز المالي

يطلق اسم المركز المالي على مدينة معينة إذا كانت مدينة متكاملة ومؤهلة للقيام بتقديم جميع الخدمات المالية على اختلافها لكل دول المنطقة المحيطة فيها، وفي الغالب يضم المركز المالي عددا كبيرا من المؤسسات المالية من بنوك وشركات استثمار وشركات تأمين وغيرها. وتتمثل الوظيفة الأساسية للمركز المالي في تقديم مختلف الخدمات المصرفية والتأمينية والخدمات المتعلقة بالبورصات، إضافة إلى مختلف عمليات الوساطة المالية على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وذلك من خلال العمل على جذب رؤوس الأموال.

ب ـ أنواع المراكز المالية

من خلال المراكز المالية الموجودة حول العالم تقسم هذه المراكز إلى الأنواع الثلاثة التالية:
1ـ المراكز المالية الدولية: وهي تلك المراكز التي تقوم بخدمة اقتصادات ضخمة (كاقتصاد الولايات المتحدة واليابان وإنجلترا)، وتمتد خدماتها إلى باقي دول العالم ولا تقتصر فقط على الدولة التي توجد فيها، كما تتعدد فيها أساليب استخدام الأموال ومصادرها بشكل كبير، ويتم فيها استخدام أحدث الأساليب لتسوية المعاملات المالية. ويعتبر أشهر وأضخم المراكز المالية الدولية مركز المدينة في لندن، ويقدم خدماته لدول الاتحاد الأوروبي، يليه مركزا نيويورك وطوكيو.
2ـ المراكز المالية الإقليمية: وهي تلك المراكز التي تقدم خدماتها لاقتصادات أقل حجماً نسبياً من حالة المراكز المالية الدولية، وتكون خدماتها موجهة لإقليم جغرافي محدد، يتمثل في الغالب وبالدرجة الأساسية في الإقليم المحيط بالدولة التي يوجد فيها المركز.
3ـ المراكز المالية الحرة المتخصصة (الأوفشور): وهى مراكز تقدم أنشطة وخدمات محددة ومتخصصة، يأتي في مقدمتها خدمات الاقتراض والإقراض، والتأمين وإعادة التأمين، والأنشطة المتعلقة بالضرائب وغيرها من الخدمات المالية. وتتطلب هذه المراكز توافر مؤسسات متعددة الجنسية ذات مهارات عالية لتقديم هذه الخدمات، وفي الغالب لا تفرق هذه المراكز في تقديم خدماتها بين المستثمرين المقيمين وغير المقيمين.

ج ـ مزايا المركز المالي والمحاذير المحيطة به

1 ـ دعم للمصرفية وتوظيف المدخرات

تقوم المراكز المالية بجذب المؤسسات المحلية والدولية للعمل فيها، وذلك من خلال إعفاء تلك المؤسسات مثل البنوك بصورة كاملة أو جزئية من بعض القيود المفروضة على المؤسسات المالية التي تعمل خارجها مثل نسب الاحتياطي القانوني أو الضرائب على المعاملات المالية أو الرقابة على النقد الأجنبي. وتقدم الحكومات هذه المزايا من خلال المراكز المالية لأن هذه المراكز تؤدى دوراً مهماً في اقتصادات الدول الموجودة فيها، بما تقدمه من دعم للقطاع المصرفي وتوسيع للسوق التي يقدم فيها خدماته، إضافة إلى دور هذه المراكز المالية في توظيف المدخرات والسيولة في الدول التي تعمل فيها والدول المحيطة بها بل وفي جميع بلدان العالم. لذلك تحظى المراكز المالية باهتمام كبير من الدول لما تمثله من أهمية كبيرة ولما تقدمه من مزايا لعل أهمها ما يلي:
* رفع القيمة المضافة في الناتج المحلى الإجمالي لدولة المركز، من خلال تقديم خدمات مالية مبتكرة. وتنويع مصادر الدخل في الاقتصاد.
* الإسهام في تحقيق معدل نمو مرتفع في الاقتصاد الوطني بتكاليف استثمارية معقولة وبأضرار أقل للبيئة من خلال الاستثمار في مجال تقديم الخدمات المالية، وذلك بعكس القطاعات السلعية التي تتطلب استثمارات ضخمة، وتؤثر في البيئة.
* العمل على رفع القدرة التنافسية لوحدات القطاع المصرفي الوطني نتيجة لتعرضه للمنافسة من قبل البنوك الأجنبية التي تعمل في المركز المالي.
* خلق مصادر إيرادات للموازنة العامة للدولة من خلال الضرائب التي تحصلها على الأنشطة في هذه المراكز، رغم أنها في الغالب تكون ضرائب محدودة.
* الإسهام بشكل كبير في توفير كوادر وطنية مدربة على أحدث الأساليب والتكنولوجيا العالمية في مجال الخدمات المالية. وخلق فرص عمل حقيقية للمواطنين.

2 ـ المحاذير

على الرغم من الأهمية الكبيرة للمزايا التي يقدمها المركز المالي والسابق الإشارة إليها، إلا أن هناك العديد من المحاذير والتخوفات التي يجب أخذها في الحسبان عند إقامة المركز المالي أهمها ما يلي:
* وجود احتمالات لتعرض المؤسسات العاملة في المركز المالي للانهيار أو التعثر بسبب تعرضها للصدمات المالية الخارجية، ومن ثم تأثر بقية الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل تواصل المركز والمؤسسات العاملة فيه مع العالم الخارجي بشكل كبير، وبسبب سرعة انتقال العوامل المؤثرة في استقرار أسواق الخدمات المالية. وتعتبر تجربة انهيار أسواق المال الآسيوية في التسعينيات مثالاً لذلك.
* تزايد فرص إساءة بعض المؤسسات والأفراد لمناخ الحرية الواسع الذي يتمتع به المركز المالي لممارسة عمليات الاحتيال والفساد والرشاوى المالية للشركات الدولية، إضافة إلى عمليات غسيل الأموال، الأمر الذي يتطلب من الحكومات رقابة من نوع جديد في هذه المراكز توازن بين الحرية المطلوبة وضبط الأسواق.
* احتمالات تعرض رأس المال البشري الذي يعتبر عصب المركز المالي للاستقطاب من قبل مراكز مالية أخرى منافسة، وهو ما يكلف الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة تتمثل في نزيف العقول والخبرات الوطنية التي تكلف الدولة مبالغ باهظة.

ثانياً: التنافس بين المراكز المالية في منطقة الشرق الأوسط

لقد أدرك عدد كبير من بلدان منطقة الشرق الأوسط ما يمثله المركز المالي من نقاط قوة، وما يؤديه من دور مهم في انتعاش الاقتصاد والإسهام في رفع معدلات النمو، وذلك من خلال قدرة هذا المركز على جذب الشركات المالية الدولية والإقليمية التي تفتح آفاقاً واسعة للاستثمار في المشاريع، وتتطلع لاستغلال الفوائض النفطية في المنطقة، علاوة على تزايد الطلب على خدمات الصرافة الإسلامية، وما نتج عنه من تعدد وتنوع المنتجات المصرفية الإسلامية، والإقبال المتزايد من المؤسسات المالية المحلية والإقليمية والدولية على تقديم هذه الخدمات لدول المنطقة. لذلك احتدم التنافس بين مجموعة من الدول منها المملكة للقيام بدور المركز المالي للمنطقة. وكل منها قامت بإرساء مشروع مركز مالي، وبدأت في الترويج له، وجذب المؤسسات المالية الدولية المعروفة للعمل فيه، من خلال إغرائها بحزمة من الحوافز المتنوعة. والملاحظ أن كل دولة من هذه الدول تعتقد أنها الأقدر على القيام بهذا الدور، وأن لديها من الإمكانيات ما يجعلها تتفوق على غيرها، ومن بينها:

مركز دبي المالي العالمي

قامت إمارة دبي بإنشاء مركز مالي دولي بتكلفة نحو ملياري دولار، وقامت بدعاية واسعة له، وتعاقدت مع العديد من المؤسسات المالية الدولية للعمل فيه، كما سعى المركز لإبرام اتفاقيات مع البورصات العالمية لتسجيل أسهمها لديه، كما يسعى لشراء حصص في بعض البورصات الدولية. وتعتقد جهات الأعمال في دبي أن هذا المركز مؤهل للقيام بدور المركز المالي للمنطقة، وتنطلق في ذلك من الترويج لهذا المركز باعتباره واجهة الخليج المالية، خاصة بعد أن افتتحت غالبية البنوك الاستثمارية العالمية فيه مقار لها. وتركز دبي في سعيها لكسب المنافسة في هذا المجال على استخدام المنطقة المعفاة من الضرائب في مركز الأعمال الدولي كنقطة انطلاق لخدمة المنطقة، ولجذب المستثمرين الخليجيين والأجانب. ورغم ترشيح الكثيرين دبي للقيام بدور المركز المالي للمنطقة، إلا أن مقارنتها بالحجم الاقتصادي الضخم الذي تستند إليه مدينة مثل الرياض، ممثلة في الاقتصاد السعودي بكل إمكانياته قد لا يكون في صالحها، وسوف تتضح حقيقة ذلك إذا بدأ مركز الملك عبد الله المالي العمل دون تأخير.

المرفأ المالي في البحرين

بدأ العمل في هذا المشروع منذ فترة، وقد تم أخيرا افتتاح المرحلة الأولى منه بالفعل، وتبلغ جملة الاستثمارات المخصصة له نحو1.5 مليار دولار، ويشمل نحو 60 ألف متر من المساحات المخصصة للمكاتب، كما يبذل البنك المركزي البحريني جهوداً حثيثة لتعديل الأنظمة والتشريعات المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية، بما يعمل على جذب الشركات المالية الاستثمارية. وتشير البيانات المتوافرة إلى أنه قد تم الترخيص لنحو 391 شركة للخدمات المالية للعمل في هذا المركز، كما تم العمل على تطوير الخدمات المالية الإسلامية، وإدخال منتجات جديدة لقطاع الخدمات المالية بصفة عامة. وتسعى البحرين إلى تأكيد قيامها بدور المركز المالي للمنطقة من خلال هذا المشروع، وتقدم مزايا إضافية لكسب المنافسة في هذا المجال، وتركز بالأساس على الإيجارات المنخفضة مقارنة بمركزي دبي وقطر. وتتمثل عناصر القوة لدى البحرين في وجود فروع لأغلب البنوك الأجنبية وخاصة بنوك الأفشور، إضافة للتوسع الذي حدث في القطاع المصرفي البحريني وفتح فروع له في معظم دول المنطقة. إلا أن نقطة الضعف الرئيسية التي تواجه المنامة للقيام بدور المركز المالي للمنطقة هي ضعف الحجم الاقتصادي التي تستند إليه المؤسسات المالية التي تعمل بها مقارنة بحالة دبي والرياض والقاهرة.

وـ مركز الأردن المالي:
في أواخر مايو 2007 قام العاهل الأردني بوضع حجر الأساس للمركز المالي الوطني بالعاصمة عمان، والذي تبلغ تكلفته نحو 70 مليون دولار. ومن المتوقع أن يتم استكمال إنشاء المركز في نوفمبر 2009م. ويهدف إلى تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي. وسوف يضم المركز سوق الأوراق المالية وعددا من البنوك وشركات الخدمات المالية. وتراهن الأردن في هذا المجال على موقعها الجغرافي، وانفتاحها على العالم الخارجي، وعلى دورها في الاستفادة من الفرص التي يخلقها التوصل إلى سلام في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل. ولكن الأردن ما زال يحتاج إلى جهود كبيرة لتحسين بيئة الأعمال وتطوير الجهاز المصرفي للحاق بالمنافسين الآخرين، إضافة إلى أن عدم الاستقرار في المنطقة لا يخدم الموقف التنافسي الأردني في هذا المجال.
ويتسع نطاق المنافسة بشأن المركز المالي للمنطقة إذا أخذنا في الاعتبار التطلعات الإسرائيلية للقيام بهذا الدور، ومراهنتها على ما يتوافر لها من إمكانيات وعلاقات مع البورصات وشركات التكنولوجيا والرأسمالية العالمية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وسعيها لقيادة المنطقة اقتصادياً بعد استقرار الأوضاع والتوصل إلى سلام عربي إسرائيلي يلعب الاقتصاد دورا محوريا في استمراره وخلق مصالح مشتركة للحفاظ عليه. ولكن يبقى هذا مجرد طموح إسرائيلي بعيد المنال في ظل موقف أغلب دول المنطقة القائم على جعل التعاون الاقتصادي مع إسرائيل مرحلة لاحقة لتحقيق السلام واستعادة الحقوق العربية، إضافة إلى دور الحاجز النفسي بين إسرائيل ودول وشعوب المنطقة الذي يضرب الحلم الإسرائيلي بشأن المركز المالي في مقتل.

مركز قطر المالي:
قامت قطر بتطوير مركز مالي، يهدف في المقام الأول إلى خلق قطاع للخدمات المالية المحلية لخدمة الاقتصاد القطري الذي ينمو به قطاع الغاز بشكل سريع، كما تم الإعلان عن إنشاء بورصة دولية للمتاجرة في منتجات النفط والغاز في إطار الدعم المقدم للقطاع المالي بها. وتروج قطر لدورها كمركز مالي للمنطقة انطلاقاً من بيئة الأعمال والمناخ العام الأكثر انفتاحاً على الاقتصاد العالمي. ولكن تبقى قضية الحجم الاقتصادي التي تسند إليه المؤسسات المالية في الاقتصاد القطري لا تصب في صالح وضعها التنافسي في هذا المجال، إذا ما قورنت بالرياض أو دبي أو القاهرة.

مركز الكويت المالي

أعلنت الكويت في خطة التنمية الخمسية لعام 2006/ 2007م ـ 2010/2011م عن هدف جعل الكويت مركزا ماليا وتجاريا إقليميا، كأحد أهداف التطوير والتنويع للهيكل الاقتصادي الكويتي. وقد تناولت الخطة حزمة من السياسات لتحقيق هذا الهدف أهمها خلق بيئة مناسبة لعمل هذا المركز، واتخاذ ما يلزم من قرارات وسياسات لرفع كفاءة الجهاز المصرفي الكويتي لمواجهة المنافسة الخارجية، وتطوير سوق الكويت للأوراق المالية. وهذا يعد إعلانا رسميا عن دخول الكويت مجال المنافسة على المركز المالي للمنطقة. وتراهن الكويت في هذا المجال على قوة اقتصادها وعملتها الوطنية، كما تراهن على كونها البوابة الذهبية للسوق العراقية للخدمات المالية التي تتطلع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية إلى دخولها عبر الكويت عندما تستقر الأوضاع في العراق. ولكن تأخير الكويت في تطوير مشروع مركزها المالي، وتزايد احتمالات تأخر حدوث استقرار في العراق واحتمال استمرار الأوضاع الراهنة لسنوات طويلة يضعف الموقف التنافسي للكويت في هذا المجال.

مركز مصر المالي الدولي

بدأت مصر منذ فترة في إقامة مركز مالي ضخم يضم فروع المؤسسات المالية والمصرفية والاستثمارية العالمية والإقليمية، إلى جانب سوق الأوراق المالية والهيئة العامة لسوق المال، وبذلت جهوداً واسعة من أجل الترويج لهذا المركز، وجذب دوائر المال والأعمال العالمية إلى القاهرة. ويرى كثير من المعنيين في قطاع الأعمال بمصر أن القاهرة مؤهلة أكثر من غيرها للقيام بدور المركز المالي للمنطقة، مستندين في ذلك إلى الخبرة والتاريخ الطويل الذي تتمتع بهما مصر في مجال الخدمات المالية المختلفة، وإلى تميز الاقتصاد المصري بالتنوع، وقدرته على جذب رؤوس الأموال الأجنبية للعمل به.

هذا ما يؤهل الرياض للمركز

مما سبق يتضح أن الإعلان عن مركز الملك عبد الله المالي قد أدخل المملكة حلبة المنافسة في هذا المجال، وتجنباً للتحيز للجانب السعودي، يفضل الاحتكام إلى الإنجازات الاقتصادية التي تدعم المركز التنافسي السعودي في هذا المجال، وكذلك المؤشرات الدولية التي تبرز نقاط القوة ونقاط الضعف للموقف التنافسي للمملكة في هذا المجال. وذلك لأن تحقيق هدف القيام بدور المركز المالي للمنطقة مرهون بمقومات وإمكانات كل دولة من الدول المتنافسة في شتى المجالات التي تميزها عن الدول الأخرى، وقدرة هذه الدولة على جذب أكبر قدر من الاستثمارات الإقليمية والعالمية، وكذلك قدرتها على استقطاب الشركات والمؤسسات الدولية للعمل في مركزها المالي. كما أن تحقيق هذا الهدف على أرض الواقع يستلزم العديد من الجهود التي توفر العديد من المقومات. وقد حققت المملكة العديد من الإنجازات في الكثير من المجالات بما يجعلها مرشحة لتكون المركز المالي للمنطقة،وأهمها ما يلي:

في مجال توفير مناخ اقتصادي مستقر

نتيجة للجهود التي بذلتها المملكة لتوفير مناخ اقتصادي مستقر احتلت الترتيب الأول في مؤشر بيئة الاقتصاد الكلى على مستوى دول المنطقة، والترتيب 33 بين دول العالم في هذا المؤشر، حيث أدت الجهود المبذولة من قبل القطاعين الحكومي والخاص في السنوات الأخيرة إلى تحقيق معدلات أداء اقتصادي قوية، نتج منها تحسن كبير في العديد من المؤشرات، من أهمها الناتج المحلى الإجمالي، والذي بلغ نحو 347 مليار دولار عام 2006م، ويصنف بأنه الأعلى على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط، هذا إلى جانب تحسن مؤشرات كل من دخل الفرد ومستويات المعيشة، كذلك تشير المؤشرات الكلية إلى تحقيق أكبر فائض في تاريخ المملكة في كل من الحساب الجاري والموازنة العامة في ظل انخفاض الدين العام.

تعديل القوانين والتشريعات

وفى مجال الاستثمار قامت المملكة بتعديل القوانين والتشريعات الخاصة بالاستثمار، وذلك للتواؤم مع متطلبات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ولتحسين بيئة الاستثمار ما أدى إلى زيادة في معدلات النمو السنوي للاستثمار الأجنبي ليصل إلى 120 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية، وقد احتلت المملكة المرتبة 30 عالمياً بين 121 دولة من حيث أفضل الأسواق في مجال تمويل المستثمرين وفقاً لتقرير معهد ميلكن الصادر في الربع الأول من عام 2007م، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى على تحسن جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة.
من ناحية أخرى وضعت المملكة عدة إجراءات من شأنها تشجيع الاستثمارات وجذبها وخلق مجالات متنوعة لها، وذلك من خلال التيسير على المستثمرين وتقديم التسهيلات والامتيازات للشركات المحلية والأجنبية الراغبة في الاستثمار في جميع المجالات والقطاعات الاقتصادية، ويعتبر برنامج (0 1x 10) للهيئة العامة للاستثمار من البرامج الاستثمارية الهادفة لوضع المملكة على قائمة أكثر اقتصادات العالم جذباً للاستثمار بحلول عام2010.

في مجال توفر بنية تحتية حديثة

أعطت المملكة أولوية كبيرة للإنفاق على تطوير البنية التحتية، بهدف إيجاد قاعدة إنتاجية على أساس سليم، تهدف إلى تعزيز أداء الاقتصاد وإيجاد فرص عمل حقيقية للمواطنين. وقد تم في الفترة الأخيرة افتتاح حزمة من المشاريع الكبرى بالرياض والعديد من مناطق المملكة، شملت مجالات التعليم والصحة والكهرباء والاتصالات والخدمات العامة، بالإضافة إلى حزمة مشاريع المدن الاقتصادية كمشاريع جاذبة للاستثمار، وكذلك الاهتمام بالإنشاءات الخاصة بالمركز المالي ودعم البنية الأساسية له.
ولأن الاتصالات والمعلومات أهم مقومات نجاح المركز المالي، فقد بدأ العمل لتوفير بنية تحتية معلوماتية حديثة، تشمل قواعد بيانات حديثة، وشبكة اتصالات عالمية سريعة، بما يضمن تسهيل عمليات الاتصال بين المركز وجميع مناطق العالم، ويعمل على سرعة انتقال المعلومات والبيانات الرقمية. ولضمان سرية المعلومات والبيانات يجري العمل على توفير نظم حماية أمنية حديثة لشبكات المعلومات الوطنية، هذا بجانب العمل على توفير الكوادر البشرية المدربة والمؤهلة والمتخصصة للتعامل مع هذه التقنيات الحديثة.

في مجال بناء قطاع مالي ومصرفي تنافسي

يعتبر القطاع المصرفي بالمملكة من أفضل القطاعات المصرفية في المنطقة، كما تعتبر البنوك الموجودة في المملكة من أفضل البنوك في العالم العربي وأكثرها نمواً وتحقيقاً للأرباح، كما تعتبر جميعها ضمن قائمة أفضل 1000 بنك في العالم( وفقاً لتقرير الفاينانشيال تايمز لعام 2006م)، وهناك العديد من الإجراءات التي تتخذها المملكة من أجل تفعيل هذا القطاع وتعميقه، من خلال المرونة في منح التراخيص الجديدة للبنوك ومؤسسات الوساطة والخدمات المالية.
ومن ناحية أخرى نلاحظ ضخامة حجم المعاملات المصرفية والمالية، وتعدد وتنوع الخدمات المصرفية والمالية، إلى جانب الاهتمام في الفترة الأخيرة بالصرافة الإسلامية واتجاه معظم البنوك السعودية لتبني هذا النهج لتلبية الطلب المتزايد عليها. ولا شك أن وضع القطاع المصرفي الممتاز يدعم إقامة مركز مالي فعال بالمملكة.

الموقف التنافسي للمملكة

الملاحظ أن عددا من الدول تعمل بجد على توفير متطلبات القيام بدور المركز المالي للمنطقة، وقد نجحت في توفيرها بنسب متفاوتة، وللتعرف على حقيقة وضع المملكة التنافسي في هذا المجال قد يكون من الأفضل الرجوع إلى المؤشرات الدولية، وأهمها ما يلي.
أـ في مجال سهولة بدء الأعمال:
من الجدول رقم ( 1 ) يلاحظ أن المملكة لديها تميز في مجال سهولة بدء الأعمال بصفة عامة مقارنة بدول المنطقة، حيث تحتل المرتبة 38 عالمياً، ولكنها أقل تميزاً في مجالات مرتبطة ببدء الأعمال وخاصة عدد الإجراءات والأيام اللازمة لبدء الأعمال ومنح التراخيص، إضافة إلى ارتفاع تكاليف بدء الأعمال والحصول على الترخيص كنسبة من دخل الفرد. ومع ذلك تتفوق المملكة على جميع دول مجلس التعاون في مجال تكاليف الحصول على الترخيص كنسبة من دخل الفرد بفارق كبير.

ب ـ في مجال تعيين وإنهاء عقود العمالة:
من المعروف أن المملكة لديها تميز على مستوى العالم في مجال تعيين وفصل العمالة، حيث لا يوجد لديها أي معوقات، وتتمتع بأفضل وضع دولي في هذا المجال، إلا أن هناك دولا أخرى في المنطقة تعادلها في هذا المجال وهي مصر والكويت والإمارات وعمان. ولكن تعتبر المملكة الأولى في المنطقة في مجال حرية العمل، حيث حصلت على المركز 85 في الحرية الاقتصادية، وعلى المركز السادس في مؤشر حرية العمل بين 157 دولة في تقرير الحرية الاقتصادية لعام 2007م الصادر عن مؤسسة هرتيج، فقد حصلت على 92.9 في المائة في حرية العمل، وتقدمت على الولايات المتحدة التي حصلت علي 92.1 في المائة.

ج ـ في مجال تسجيل العقود:
يلاحظ أن المملكة لديها تميز على مستوى العالم والمنطقة في مجال تكاليف تسجيل عقود الملكية لأنها تكلفة صفرية وتعد الأولى عالمياً، كما أن لديها تفوقا على دول المنطقة بالنسبة لعدد الأيام اللازمة للتسجيل، ولكنها ما زالت في حاجة إلى تخفيض عدد إجراءات التسجيل التي تتفوق فيها الإمارات والمغرب.

دـ في مجال حقوق المستثمر:
يلاحظ أن المملكة ما زال لديها حاجة إلى زيادة حماية حقوق المستثمرين، وذلك من خلال تطبيق قواعد الحوكمة الرشيدة في مجال الأعمال. حيث تتقدم الكويت وسلطنة عمان دول مجلس التعاون في هذا المجال.

هـ ـ في مجال الضرائب على الأعمال:
تتميز المملكة على دول المنطقة في مجال معدل الضرائب المستقطع كنسبة من إجمالي الأرباح، وتعد في المركز الأول عالمياً، كما لا تفرض ضرائب تحت بند ضرائب أخرى كما في حالة الكويت مثلاً، ولكنها ما زالت في حاجة إلى تخفيض عدد الساعات اللازمة لدفع الضرائب، والتي تبلغ نحو 70 ساعة سنوياً مقابل 12 ساعة سنوياً في الإمارات،27 ساعة في تونس.

وـ في مجال تكاليف وإجراءات الاستيراد والتصدير:
من المعروف أن المملكة وطدت علاقاتها التجارية مع معظم دول العالم، الأمر الذي أدى لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، فوفقاً لتقارير منظمة التجارة العالمية احتلت المرتبة 18 بين أكبر مصدري العالم عام 2006م، بحجم 181 مليار دولار، كما احتلت الترتيب 36 بين أكبر المستوردين بنحو 59 مليار دولار.
ولكن من الجدول رقم ( 6 ) الخاص بتكلفة وإجراءات التصدير والاستيراد يلاحظ أن المملكة تتميز مع بعض دول المنطقة العربية في مجال المستندات اللازمة للتصدير التي لا تتجاوز خمسة مستندات، ولا يجاريها في ذلك سوى الكويت وتونس. ولكن المملكة ما زالت في حاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتقليل تكلفة استيراد وتصدير الكونتينر الواحد، لأن تكلفته مرتفعة بشكل كبير مقارنة بدولة الإمارات، كما أنها في حاجة إلى تخفيض الوقت اللازم للاستيراد والتصدير،وعدد المستندات اللازمة للاستيراد، وكذلك التوقيعات اللازمة في مجالي التصدير والاستيراد.

وـ في مجال سهولة وتكلفة تصفية الأعمال:
من الجدول رقم ( 7 ) الخاص بمؤشرات الخروج من السوق عند الإفلاس يلاحظ أن المملكة تتميز على دول مجلس التعاون الخليجي في مجال الوقت اللازم لإنهاء عملية الإفلاس، ولا تتقدم عليها عربياً في هذا المجال سوى تونس. ولكن الملاحظ أن تكاليف الإفلاس في المملكة مازالت تحتاج إلى تخفيض لأنها مرتفعة بالنسبة لقيمة الأصول محل الإفلاس إذا ما قورنت بدولة مثل الكويت والجزائر، كما أن معدل استعادة الحقوق عند الإفلاس في المملكة ما زال منخفضاً مقارنة بدولة مثل الكويت وتونس، حيث يبلغ هذا المعدل 28.4 سنت من كل دولار.
من خلال تحليل المؤشرات السابقة يتبين أن المملكة رغم ما لديها من عناصر قوة تؤهلها للقيام بدور المركز المالي للمنطقة، إلا أن هناك منافسة من بعض دول المنطقة، حيث تتقدم عليها في بعض المؤشرات المتعلقة ببيئة الأعمال، وهو ما لا يصب في صالح حسم المنافسة على المركز المالي لصالح المملكة. ولذلك يجب أن تركز السياسات الحكومية خلال الفترة القادمة على هذه المؤشرات التي تمثل نقاط ضعف في بيئة الأعمال الوطنية، لكي تحقق فيها المملكة تقدماً على بقية دول المنطقة، وحتى تستحق وعن جدارة القيام بدور المركز المالي الإقليمي.

خاتمة

يعتبر قرار إنشاء مركز الملك عبد الله المالي بالمملكة خطوة مهمة تعزز مكانة الاقتصاد الوطني في المنطقة والعالم، باعتبار الرياض أكثر عواصم ومدن المنطقة المرشحة للقيام بدور المركز المالي للشرق الأوسط. ويدعم المملكة في هذا المجال العديد من الإنجازات والمراكز الاقتصادية المتقدمة عالمياً وإقليمياً التي حققتها خلال السنوات الماضية. إلا أن حسم المنافسة المحتدمة في المنطقة بين عدد من الدول على القيام بدور المركز المالي الإقليمي يتطلب بذل المزيد من الجهود التي تسد الثغرات الناجمة عن تفوق بعض بلدان المنطقة على المملكة في بعض المؤشرات التي تحكم بيئة الأعمال، وتعتبر ضرورية لجذب المؤسسات والاستثمارات العالمية للعمل في مركز الملك عبد الله المالي.
كما أن نجاح المملكة في القيام بدور المركز المالي للمنطقة يتطلب تعزيز ودعم نمو القطاع الخاص الوطني، وزيادة إنتاجيته، وزيادة كفاءته الاقتصادية من خلال التوسع في إنشاء التجهيزات الأساسية، وبناء قطاع مصرفي قوي، وتوفير التمويل اللازم بشروط ميسرة. كذلك فإن نجاح المركز المالي بالمملكة مرهون بقدرة القطاع الخاص على استغلال هذه الإمكانيات والاستفادة منها، خاصة في ظل التوقعات بأن يخدم هذا المركز الاقتصاد الوطني الذي ينمو بمعدلات مرتفعة في ظل ارتفاع أسعار النفط وفى ظل ارتفاع معدلات السيولة في المملكة والمنطقة عموماً.
لذلك فإن الفرص سانحة أمام القطاع الخاص الوطني للدخول في تأسيس مشاريع وشركات مشتركة تهدف في النهاية إلى خدمة أعمال المركز المالي، مثل أعمال الإنشاءات والتجهيزات، وتدريب الكوادر المتخصصة للعمل بهذا المركز، والمساهمة في تطوير شبكات المعلومات من خلال بناء وحدة لمعلومات الأعمال، بالإضافة إلى زيادة وتوسيع الاستثمارات في المجالات المختلفة. بالإضافة إلى وضع خطة متكاملة للترويج على المستويين الدولي والإقليمي لهذا المركز، واطلاع المستثمرين في الداخل والخارج على الفرص التي يتيحها المركز. والأهم من كل ذلك أن يقدم المركز حزمة من الحوافز الاستثمارية تفوق ما يقدم في مراكز الدول المنافسة، وخاصة ما يتعلق بالضرائب، والمرافق، والتسهيلات، والإيجارات، وتكاليف الخدمات، وغيرها.

الأكثر قراءة