شرط وزارة العمل الجديد للاستقدام
لا أدري لماذا تقحم وزارة العمل نفسها في موضوع استقدام العمالة المنزلية بالذات, الذي هو موضوع يمس حياة المواطنين أكثر من مشكلات جميع أنواع العمالة الأخرى سواء عمالة البناء أو المصانع أو التجارة؟ آخر الحلول التي طلعت بها الوزارة هو وضع الاشتراطات الأخيرة وأغربها هو اشتراط وجود زوجة ثانية لمن يريد أن يستقدم خادمة أو سائقا آخر. فهل هو موضوع دعوة لتعدد الزواج وحل مشكلات عدم الإقبال على الزواج الذي ربما يكون مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية؟ وكأننا لنحل مشكلة كثرة العمالة يجب أن نقع في مشكلة الزواج من اثنتين أو أكثر. وهل الزواج أمر سهل لنقارنه بالخادمات؟ وآمل ألا أسمع في قرار قادم أن يكون الشرط الجديد أن نعدل بين الخادمتين أو السائقين! ولن تعدلوا! لقد جعلت الوزارة موضوع استقدام خادمة أسهل بكثير من موضوع الزواج وبناء مستقبل. وجعل أمر استقدام الخادمة والسائق هما كبيرا على المواطن لدرجة أنه لو بلغ أو بشر بوصول خادمته أو سائقه لفرح به أكثر من خبر زواجه أو قدوم مولوده الجديد أو تخرج أبنائه. ولولا الحياء لوضع إعلانا في الجريدة ليس لزواجه أو تخرج ابنه ولكن لقدوم خادمته أو سائقه.
قرار غير مدروس ولا يتماشى مع عاداتنا وظروفنا الاجتماعية وعادات الزوجات السعوديات في هذا العصر, أو كبر مساحات بيوتنا وعادتنا من الكرم والبذخ لدرجة أن خادمة واحدة أو سائقا واحدا لا يكفي لمن يعمل ولديه زوجة عاملة في بلد لا تقود المرأة فيه سيارة.
إن مثل هذه التعقيدات غير المدروسة تصعب الأمور على الناس وتجعل من له حيلة أن يحتال! فلا أستبعد أن نسمع قريبا احتيالات للتزويج المؤقت للحصول على عقد الزواج لتقديمه للوزارة لحين وصول الخادمة ثم يطلق بعد إنهاء إجراءات استقدام الخادمة أو السائق وعن مؤسسات للزواج المؤقت سواء كان مسيارا أو مقيالا أو متعة أو...
والطريف في الموضوع هو بعض الأسئلة التي رافقت هذا الشرط. فبعض المواطنين يسأل ماذا لو كان لدي زوجتان واستقدمت خادمتين وبعد ذلك وقع طلاق لإحدى الزوجتين! هل ستراقبني وزارة العمل وتطالبني بإعادة الخادمة أو السائق الآخر؟ ولو مات الزوج ـ لا قدر الله ـ هل ترث زوجته الخادمة والسائق؟!
ما حكم استقدام خادمة أو سائق لمن تزوج مسيارا أو مقيالا.. هل يعطى خادمة أو خادمة تعمل خارج الدوام؟
صحيح أن استقدام العمالة المنزلية ظاهرة سلبية وغير صحية, ويجب أن نخلص أبناءنا من سمومها, خاصة السائق الأجنبي الذي غزا بيوتنا وأصبح يستحل خصوصياتنا وينشر أوباءه الخبيثة وما تسببه من أمراض اجتماعية وتعذيب لنفسيات أطفالنا ستترك ترسباتها وعقده النفسية لأبنائنا جيل المستقبل, وأننا يجب ألا نقف ساكتين أمام هذه الظاهرة كحل لموضوع قيادة المرأة للسيارة الذي إن لم يكن مقبولاً فإن مشكلاته بلا شك أقل بكثير من هذا البديل المريض الذي يجعلنا نترك الغريب في بيتنا مع محارمنا.
ولكن من الأولى أن نحاول فهم هذه الظاهرة ونوليها العناية اللازمة لإيجاد حلول مدروسة ومبرمجة وفق خطة عمل تدريجية لتوعية المجتمع أولاَ بأضرار العمالة في جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة, كأن نحاول تنظيم العملية عن طريق مؤسسات مهنية وموثوقة تقوم باستقدام العمالة المنزلية تحت إشراف ومراقبة من الدولة ويكون هناك إشراف على التأكد من تأهيل تلك العمالة ومناسبتها للعمل الذي جاءت من أجله. فالكثير من المواطنين يفاجأون بعد قدوم السائق بأنه لا يعرف أو يجيد القيادة فيضطر الكفيل إلى إضاعة ماله ووقته لحين يتعلم سائقه القيادة, وأن تكون هناك عقود وقوانين تضمن للطرفين حقوقهم.
أرى أن موضوع العمالة المنزلية موضوع مهم ومصيري لنا في هذا البلد, فنحن لنا ظروف وخواص اجتماعية مختلفة عن غيرنا, ومساحة المنزل للبعض لا تستطيع الزوجة القيام به وحدها. وحبانا الله بنعمة وثراء جعلانا ندمن الكسل سواء رجالا أم نساء واختلفت الأمور علينا.. ولن تستطيع مثل هذه الحلول أن تحلها بل سيلجأ الناس إلى السوق السوداء للحصول على احتياجاتهم.
والحل هو ـ كما قلت ـ في التوعية التدريجية. ولحين يقتنع الجميع بشرها وأضرارها, عندها سيقوم المجتمع هو بنفسه بالحد من كثرة الاستقدام إلى جانب العمل على هيكلة موضوع الاستقدام عن طريق شركات مؤهلة في القطاع الخاص, تقوم نيابة عن المواطن بتحمل إجراءات الاستقدام وتريحه ليستفيد من وقته في العمل والمساعدة على تنمية الوطن بدلاّ من إشغاله بمشكلات الخدم.