رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التضخم وانخفاض الدولار يدعمان خطط السعودة

[email protected]

إن مشكلة اقتصاد العمل في المملكة عدم وجود قاعدة تنافسية، فتكلفة العامل السعودي – شاملة الراتب والتأمين و التدريب – تتجاوز بمراحل تكلفة العامل الأجنبي، ولهذا يتجه الاقتصاد طوعا إلى العامل الأجنبي، بينما نصارع بالقوانين لإحلال الموظف السعودي، ولكن بلا جدوى.

كتبت منذ فترة عدة مقالات حول التنافسية العادلة في سوق العمل وانتقدت السعودة وقلت إنها لا تعمل مهما تدعمها الدولة لأنها مجرد لوائح قانونية لم تجد لها تفسيرا اقتصاديا حقيقيا وقويا. إن المنافسة العادلة هي ما يجب أن نسعى إليه وأن يتم فتح السوق – وهي كذلك فعلا - لكل من يملك مقومات خدمة هذا الوطن، ومن أجل ذلك فإنه يجب علينا سن القوانين التي تضمن منافسة عادلة بين العامل السعودي والأجنبي في الأجر ووقت العمل وعلى أن يكون الأجر معتمدا على نوع العمل وليس على الجنسية. قلت إن هذا البرنامج يجب أن يدعم بحد أدنى للأجور وببرنامج مراقبة اجتماعية لتجمعات العمال ومستويات معيشتهم وأشياء ضرورية أخرى. وقلت إننا إذا فعلنا ذلك فإن تكلفة العامل الأجنبي وتكلفة تدريبه ستتجاوز تكلفة العامل السعودي وبهذا ستتجه السوق حتما إلى العمل السعودي، أو نصل إلى مستوى توازن مقبول.
والآن يقدم الاقتصاد فرصة مواتية لخدمة السعودة – كبرنامج - فالتضخم يلقي بظلاله وكذلك انخفاض سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى مع ثبات سعر صرفه أمام الريال – وأؤكد هنا ثبات سعر صرفه أمام الريال عند المستوى الحالي أي ما يقرب من 3.75 ريال. أتوقع أن يكون لهذين العاملين اللذين استجدا على ساحتنا الاقتصادية أثر قوي في برامج السعودة فقط إذا استطاعت السوق السعودية استغلال الفرصة بطريقة جيدة. كيف؟
إن مشكلة اقتصاد العمل في المملكة عدم وجود قاعدة تنافسية، فتكلفة العامل السعودي – شاملة الراتب والتأمين و التدريب – تتجاوز بمراحل تكلفة العامل الأجنبي، ولهذا يتجه الاقتصاد طوعا إلى العامل الأجنبي، بينما نصارع بالقوانين لإحلال الموظف السعودي، ولكن بلا جدوى. الآن وبسبب انخفاض سعر صرف الدولار أمام بقية العملات فإن قيمة ما يقوم العامل الأجنبي بتوفيره - من دخله الثابت - ومن ثم تحويله إلى بلده تتناقص مع كل انخفاض جديد في سعر الدولار. فمن المعلوم أن العامل الأجنبي يسعى من خلال عمله في المملكة إلى توفير الحصة الأكبر من دخله – من المفترض أنه راتبه فقط – على شكل قيمة بالريال السعودي بالطبع. لكن العامل لا يريد الريال السعودي بل يرغب في عملة بلده لأنه يريد تمويل مشاريعه المختلفة هناك، كأن يحقق آماله إما بزواج أو ببناء منزل أو خلافه، ولهذا يريد الخروج من الريال وتحويله إلى عملة بلده الأساسي وهذا لا يمكن بشكل مباشر مع النظام البنكي في المملكة، لذلك فإن على العامل الأجنبي استخدام عملة وسيطة وهي الدولار، حيث يتم تحويل الريال إلى الدولار ومن ثم الخروج من الدولار إلى عملة البلد الأساس. وبما أن سعر الصرف بين الريال والدولار ثابت فلا مشكلة تواجه العامل الأجنبي في هذه المرحلة، لكنه اليوم يجد مشكلة عندما يقوم بالخروج من الدولار وتحويله إلى عملة بلده لأنه يواجه انخفاضا مستمرا وتآكلا لمدخراته مع كل انخفاض جديد في سعر صرف الدولار – وذلك طالما أن عملة البلد الأساس لم تثبت سعر الصرف. لذلك فقد بدأ وبشكل فعلي عدد من العاملين الأجانب بطلب زيادة رواتبهم وقامت الدول التي تستورد العمالة برفع الرواتب فعلا وذلك لتلافي الانخفاضات في الدخل التي تسبب فيها الدولار.
ومن ناحية التضخم فإن العامل الأجنبي، وكما قلت يوفر الجزء الأكبر وينفق الجزء المتبقي هنا في المملكة، ولكن مع ضغوط التضخم فإن تلك الحصة التي يستقطعها للإنفاق تتناقص قوتها الشرائية وباستمرار، لذلك فهو مضطر لتخصيص جزء أكبر لإنفاقه على احتياجاته الأساسية وذلك على حساب مدخراته. هذا يؤدي إلى تناقص الجزء المدخر وتناقص أكثر في قيمة ما يقوم بتحويله. ومع ضغوط انخفاض الدولار فإن الأعباء تتفاقم على تحويلات العمال الأجانب وتتناقص بشكل لا أقول حادا ولكنه يميل بشدة كلما ارتفعت نسب التضخم وانخفض الدولار. لهذا سيتجه العمال الأجانب إلى طلب رفع الأجور حتى يصل الأجر الحدي إلى مستوى توازن جديد هو بالتأكيد أعلى من السابق ويقترب بدرجة إلى مستوى الأجر الحدي للعامل السعودي. هذا الاقتراب في الأجر إذا أضفنا إليه الميزة التنافسية للعامل السعودي من حيث انخفاض مخاطر الهروب ومشاكل الكفالة وتكاليف الانتقال التي يتسبب بها العامل الأجنبي فإن الكفة سترجح بالعامل السعودي بدرجة أكبر وستبدأ السوق بطلب العامل السعودي وبذلك سيسهم هذا في دعم مشاريع السعودة ويسرع من إنجازاتها.
ولكن أقول أن مثل هذا النتائج إن هي حدثت فإنها نتيجة تفاعل قوى السوق وليس للقوانين أثر مباشر وملموس. ولذلك فإنه يمكن أن تسهم الدولة في مثل هذه التوجه بعدم تغيير سعر الصرف بل يمكن استخدام سعر الصرف للضغط أكثر بهذا الاتجاه طالما أنه ليس له أثر جانبي مباشر آخر. ثم يجب الضغط ببرامج اجتماعية لمراقبة مستويات المعيشة للعمال الأجانب، الأمر الذي سيرفع تكلفة المعيشة إلى مستوى تكلفة المعيشة التي يواجهها العامل السعودي. وهذا كله سيخلق قاعدة تنافسية جيدة وإذا أضفنا جهود برنامج صندوق الموارد البشرية فإن الكرة فعلا في ملعبنا اليوم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي