مؤسسة مهمة في الظل: صندوق الاستثمارات العامة
إحدى الملاحظات المستمرة على إدارة التنمية والأعمال في المملكة هي تلك الرغبة الجامحة في الحفاظ على أنماط الماضي مضمونا وشكلا وكأن هذا النموذج أو ذاك هو الصراط المستقيم والخلاص وغيره محفوف بالمخاطر وحتى الضرر على البلاد والعباد. وتصوير التغيير على أنه خروج على هذا الصراط بل وإهمال لمصالح البلاد. ليس هناك شيء أبعد عن الحقيقة خاصة عندما يكون الموضوع مختصا بإدارة برامج التنمية وبناء المؤسسات الحكومية المهمة كصندوق الاستثمارات العامة. يعتبر الصندوق أكبر مستثمر في اقتصاد المملكة فهو الذراع الاستثماري لوزارة المالية، حيث يملك على سبيل المثال لا الحصر 70 في المائة من شركة سابك، و70 في المائة من شركة الاتصالات، وحصة مماثلة في شركة الكهرباء، وحصة مؤثرة في بنكي الرياض و"سامبا"، والأغلبية في البنك الأهلي التجاري والشركة العقارية والفنادق والنقل البحري، وحصص الحكومة في الكثير من الشركات وحتى فندق الإنتركونتيننتال، تاريخيا لا يزال صندوق الاستثمارات العامة قسما من وزارة المالية في أحد أركان الوزارة يعمل بفريق صغير ودائما بإشراف أحد منسوبي الوزارة. هذا الفريق يدير أكبر محفظة استثمارية وهذه ليست مؤثرة بكبر حجمها فقط، وإنما في دورها في إدارة التنمية في المملكة، بل لعل الدور يتعدى ذلك إلى طبيعة إدارة الاقتصاد السعودي وهل هو موجّه (ذو سيطرة حكومية) أو اقتصاد حر تحكمه تجاذبات المنافسة وقوى العرض والطلب.
بعد نحو جيلين من الزمان في عمر الصندوق حان الوقت للتساؤل حول هذه المسائل الاستراتيجية وطرح رؤية جديدة تحاكي العصر في إدارة الاقتصاد ومنها ماهية ودرجة التخصيص في الاقتصاد وكذلك الجدية في إدارة الأملاك العامة (الحكومة أصبحت شريكا للقطاع الخاص مما يحتم المطالبة بإدارة القطاع الخاص وأدائه). دور الحكومة يؤثر حتما في أداء القطاع الخاص إيجابا أو سلبا، نظرا لحجم القطاع الحكومي في اقتصاد المملكة.
بعد هذه المقدمة لا بد من ذكر المشكلة الأساسية وهي من نوعين: النوع الأول هو خلط الأمور التجارية الاستثمارية مع الدعم الحكومي المبرر والحميد لفترات ومراحل معينة والدعم والسياسات غير ذات الطابع المستدام، والنوع الآخر ـ ويصعب فصله عن النوع الأول ـ يمس مسألة الكفاءة والفعالية في إدارة الأموال. للصندوق مشاريع متنوعة قطاعيا وجغرافيا منها ما هو تجاري ومنها ما هو تنموي ومنها ما هو دعم لمؤسسات شبه حكومية من خلال التسعيرة أو اللقيم أو الاحتكار دون وضوح في الرؤية أو فصل واضح بين هذه الأهداف، أو عدم التفريق فكريا وعمليا بين الدعم والربحية. يضاف إلى ذلك أن ملكية الصندوق في الكثير من هذه المؤسسات غير ممثلة في مجالس الإدارات بل في الغالب يمثل الصندوق موظفون حكوميون آخرون مما يزيد الفجوة بين الملاك والإدارة دون علاقة تذكر عن التحليل والأداء والمساءلة.
عذرا أيها القارئ الكريم، فهذه تركيبة يصعب فهمها لأن الزمان تعداها ولكن وزارة المالية تصر على التحفظ وكأن التحفظ صار هو الهدف.
يا ترى ما الحل؟
الحل القابل للتنفيذ هو العمل على عدة مراحل تدريجية أولاها أن يكون هناك فصل واضح لمهام إدارة اموال الصندوق، بين ما هو تجاري وبين ما هو دعم واضح؛ فالاستثمار في "سامبا" يختلف عن "سابك" (حيث دعم الحكومة من خلال تسعيرة الغاز وبعض القروض طويلة الأجل) ويختلف أيضا عن مشاريع دعم كبير مثل قطاعي الماء والكهرباء. ثانيا، على الصندوق التخلص تدريجيا (سياسة الحكومة المعلنة في التخصيص) ببيع بعض الاستثمارات مثل "سامبا" (استحوذ الصندوق على حصة على أمل أن تكون مؤقتة، وإذا به استثمار طويل معلق). ثالثا، رفع درجة الكوادر مهنيا وحرفيا والابتعاد عن أنماط الحكومة التقليدية في إدارة الأموال وسياسة الائتمان. في المدى الطويل يستحسن إدارة الصندوق بعيدا عن استحقاقات وزارة المالية فالدور في جوهره مختلف. فالدور التنموي الذي يفضل أن يقوم به الصندوق هو التصرف كمستثمر في مجالس الإدارة من خلال مطالبة الإدارات التنفيذية بأداء يرتقي إلى عائد تنافسي على رأس المال. أي تقصير من قبل هذه الإدارات يحتم على المستثمر ممارسة دوره في تغييرها والبحث عن الأفضل. دون ذلك يكون هناك تقصير في إدارة الأموال العامة. هذا التوجه ينطبق حتى على حال المؤسسات والشركات المدعومة، حيث إن الإدارة المتمكنة تحتاج إلى دعم أقل مع الوقت وتزيد من إنتاجية الاقتصاد الوطني.
لا يزال للصندوق دور مؤثر وهو أحد أهم المؤسسات الفاعلة التي دائما في الظل، لقد حان الوقت إلى أن تخرج إلى النور وتساهم أكثر في دعم الحركة التنموية الاقتصادية في المملكة. المسائل التي ذكرناها في هذه المقالة ليست جديدة ولا عصية. ولكنها تحتاج إلى إرادة ومقاومة لرغبة البيروقراطي في الهيمنة والسيطرة والتخلص من أعباء الماضي والنظر إلى المستقبل بتفاؤل ونشاط. الآن بعد كشف وزير المالية عن شركة جديدة لإدارة استثمارات الصندوق برأسمال 20 مليار ريال تبقى تفاصيل كثيرة لاكتمال الصورة حول فيما إذا كانت هذه المبالغ جديدة أو طريقة تفكير جديدة أو شيء من الاثنين كما هي العادة.