اقتصاديون: التضخم يعيد ترتيب السياسة الاستهلاكية عند السعوديين
يقف اسم "السعودية" في التقارير المحلية والدولية في قائمة أكثر دول العالم استهلاكا للعشرات من المنتجات والخدمات التي تعج بها الأسواق العالمية، وهي دلالة، كما يراها مراقبون على حجم النمو الاقتصادي الذي تعيشه المملكة، إلى جانب ارتفاع القوة الشرائية للفرد السعودي، على مدى السنوات الماضية.
ولكن ومع بروز تداعيات التضخم هذا العام وبلوغه 3.83 في المائة، وتأثير ذلك في مستوى النشاط التجاري في البلاد، من خلال ارتفاع أسعار الكثير من السلع الأساسية، بدأت تظهر المساوئ الفعلية لثقافة الاستهلاك "الفائض"، وهو ذلك الاستهلاك الذي يفوق الحاجة الفعلية للمستهلك، بل وأحيانا يفوق الحاجة الكمالية أو الترفية للمجتمعات الغنية.
وفي مفارقة غير مقنعة يرى الكثير من المراقبين، أنه رغم كون السعودية محسوبة على الدول الغنية، إلا أنه مقارنة بعدد السكان في معظم الدول الغنية، فإنه لا توجد منطقية في أن تتقدم السعودية على دول يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة في حجم استهلاك واستيراد بعض السلع، ومنها الأرز والتمور والذهب والسيارات والأجهزة الإلكترونية والأدوية ومواد غذائية واستهلاكية أخرى.
تقارير عن استهلاك السعوديين
تظهر التقارير أن السعودية أكبر سوق للشاي في الشرق الأوسط من ناحية الاستهلاك، إذ تعد من أهم الأسواق التي تستهدفها الشركات العالمية، لما تتمتع بها من خصوصية وقوة شرائية عالية.
وتقول شركة تي جشفندر، وهي شركة ألمانية، متخصصة في صناعة الشاي إن استهلاك الشاي في السعودية ارتفع إلى أكثر من 30 في المائة، خلال العام الماضي، مشيرة إلى أن معدل إنفاق الفرد السعودي للشاي يبلغ نحو 23 ريالا في العام الواحد، الأمر الذي يضع السعودية ضمن أكبر 20 دولة مستهلكة للشاي في العالم.
وتبين استطلاعات قامت بها جهات متخصصة أن السعودية تعد من أكبر ثلاث دول منتجة للتمور في العالم بإنتاج مليون طن سنويا، ومن كبريات الدول المستهلكة أيضا باعتبارها تستهلك ما يزيد على 500 ألف طن من التمور سنويا.
وقدّر أحد المختصين في مجال مبيعات أدوية وعقاقير الضعف الجنسي، حجم مبيعات السوق السعودية من المنشطات الجنسية بنحو 94 مليون ريال خلال العام الجاري. وقال إن السوق السعودية تعدّ حالياً أكبر سوق لمبيعات شركة فايزر من الأدوية في منطقة الشرق الأوسط، ولمنتجها من عقار (فياجرا)، وإن مبيعات شركته من الأدوية بلغت نحو 1.12 مليار ريال خلال العام الجاري في السوق السعودية، وهو ما يمثل نحو 50 في المائة من حجم مبيعات شركة فايزر في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن استهلاك السعوديين اليوم للأدوية يتجاوز أربعة مليارات ريال سنويا ما يجعلها من أكثر دول المنطقة استهلاكا للدواء.
وأوضحت بيانات صادرة عن مسؤولين هولنديين أن استهلاك السعوديين من الزهور زاد خلال العام الماضي نحو 15 في المائة، من إجمالي الواردات الهولندية من الزهور إلى منطقة الشرق الأوسط البالغة 51.1 مليون دولار، وتستحوذ السعودية على 29.7 مليون ريال.
وكان ثيرو ستيلون مدير عام شركة أنجلو قولد أشنتيه ثاني أكبر شركة مناجم ذهب في العالم قد أكد سابقا أهمية السعودية كمستثمر ومستهلك رئيسي للذهب حيث تمثل نسبة استهلاك الذهب فيها أعلى المعدلات في العالم ويبلغ استهلاك الفرد فيها ما يعادل خمسة جرامات من الذهب. ويوضح رضي النغموش الرئيس السابق للجنة الزراعية في الغرفة التجارية والصناعية للمنطقة الشرقية، أن السعودية تعد ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة من حيث استهلاك الدجاج، حيث يصل الاستهلاك فيها إلى 4.2 كيلو جرام للفرد الواحد في السنة.
من جهته, يقول الدكتور سليمان الخطاف، كاتب سعودي، إن الاستهلاك السعودي للجازولين (وقود) هائل وغير مبرر وأعلى من معدل الاستهلاك العالمي بأربعة أضعاف وأكثر من معدل استهلاك الفرد المصري والتركي والصيني بأكثر من 13 مرة، وزاد "ربما يصبح هذا الاستهلاك ونموه المتزايد في المستقبل مشكلة ما لم نسارع إلى تداركها".
ويقدر استهلاك الغاز المسال في المملكة بنحو 320 ألف برميل يوميا، مشكلاً ما نسبته نحو 40 في المائة من إجمالي استهلاك الدول العربية البالغ نحو 779 ألف برميل في اليوم عام 2005. ويتوقع أن يزيد النمو في الطلب على هذا الوقود بمعدل 8.3 في المائة سنويا حتى عام 2010، علما أن نسبة كبيرة من هذا المنتج (ربما تصل إلى 75 في المائة) ينتج من وحدات ومصانع الغازات والباقي تنتجه مصافي تكرير النفط.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد, فهناك الكثير من الخدمات والسلع التي تتفوق فيها السعودية على دول كبيرة وغنية حول العالم، في حجم الاستهلاك، منها الماء إذ إن معدل استهلاك الفرد في السعودية من مياه الشرب يزيد ثلاثة أضعاف على المتوسط العالمي، وكذلك يتزايد مستهلكو الكهرباء بما نسبته 4.2 في المائة سنويا، وخدمات الهاتف كذلك.
رأي متخصصين واقتصاديين
يعتقد اقتصاديون" تحدثوا لـ "الاقتصادية"، أن ارتفاع استهلاك السعوديين لعدد من السلع التجارية والخدمات المتنوعة ينبه إلى مشكلة خطيرة قد تؤثر في مستوى النمو المأمول للمملكة في السنوات المقبلة، إذ باتت ثقافة "الاستهلاك الفائض"، تسيطر على مداخيل الآلاف من العائلات في السعودية.
ومن هنا فإن الاقتصاديين يرون في تراجع القوة الشرائية للسعوديين نتيجة التضخم أبعادا جذابة يمكن أن تسهم في تحقيق فوائد حقيقية، وهو تغيير طريقة استهلاك المجتمع السعودي المنتجات والخدمات المتوافرة في الأسواق.
يقول عبد الله بلشرف، رئيس مجموعة بلشرف الغذائية، إن هناك عددا من العوامل منها الاقتصادية والاجتماعية أسهمت في دفع أفراد المجتمع السعودي نحو الاستهلاك الزائد أو غير المدروس للكثير من السلع. وزاد "أظهرت مشكلة ارتفاع أسعار الأرز في السوق السعودية أخيرا سيطرة تلك الثقافة الاستهلاكية علينا، إذ لم نبادر إلى التفكير في التقليل من الكميات التي يتم طبخها يوميا من هذه السلعة في المنازل والمطاعم والأفراح والتي غالبا ما ينتهي نحو 50 في المائة منها إلى سلة المهملات".
ويشير بلشرف إلى أنه لو قامت كل أسرة بتقليل الكميات التي تطبخها يوميا من الأرز، بعد ارتفاع أسعاره، لقل حجم الإنفاق الذي تنفقه الأسرة سنويا على هذه السلعة بصورة كبيرة.
من جهتها, ترى نورة اليوسف، أستاذ الاقتصاد المشارك في جامعة الملك سعود، أن تأثير التضخم في ارتفاع أسعار السلع قد يكون له فائدة واحدة، وهي الحد من مستوى الاستهلاك الفائض الذي انتشر بين المستهلكين السعوديين.
وأضافت "لا يمكن أبدا أن نعد ارتفاع حجم الواردات إلى المملكة, الذي ارتفعت تكلفتها نتيجة انخفاض سعر الريال بفعل تأثير الدولار، نتيجة مميزة لنمو الاقتصاد".
نتائج الدراسات المتخصصة
تؤكد دراسة ميدانية حديثة أن مستوى استهلاك المشروبات الغازية بين السعوديين في ازدياد، كما أن استهلاك السعوديين للفواكه في تنام مستمر. وأشارت الدراسة التي ركزت على الأسر السعودية في مدينة الرياض والتي قامت بها الدكتورة لطيفة محمد العبودي والدكتورة هدى أحمد العامر من قسم التغذية وعلوم الأطعمة في كلية التربية للاقتصاد المنزلي والتربية الفنية في الرياض, أن 29 في المائة من الأسر السعودية تتخلص من بقايا الأطعمة عبر النفايات.
وقالت الباحثتان في دراستهما الميدانية التي نفذت على عينة عشوائية طبقية في مدينة الرياض البالغ عددها 771 أسرة ، إن التغير السريع في الحالة الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الثلاثة الماضية في السعودية أحدث تغيراً كبيراً في أسلوب المعيشة والعادات الغذائية ونوعية الوجبات المتناولة ونمط الاستهلاك الغذائي.
تقول الدكتورة زيد الرماني، كاتبة سعودية، إن الذي يميز العادات الاستهلاكية الحديثة من تلك التي كانت سائدة في عصور سابقة، هي أننا أكثر ثراءً من أسلافنا، وبالتالي فإن لنا تأثيرات أكثر تدميراً للبيئة, وليس من شك في وجود قدر كبير من الحقيقة في تلك النظرة، إلا أن هناك أيضاً سبباً في الاعتقاد بوجود قوى معينة في العالم الحديث هي التي تشجع الناس على التصرف إزاء رغباتهم الاستهلاكية تصرفاً كان نادر الحدوث من قبل.
وقالت "توجد خمسة عوامل جديدة مميزة يبدو أنها تلعب دوراً في غرس الشهوات الجشعة في النفوس، وهي تأثير الضغوط الاجتماعية على المجتمعات البشرية, الإعلانات، ثقافة التسوق والشراء، السياسات المختلفة للحكومة، وتغلغل سوق الجملة في دنيا المنازل وفي الاعتماد الذاتي المحلي".
وتابعت "إن الحاجة ماسة في مجتمعنا إلى التنبيه بمخاطر الثقافة المادية الاستهلاكية التي يسعى النظام العالمي الجديد إلى تعميمها لتشجيع الفرد على الاستهلاك، إذ تعتمد الشركات سياسة لتسهيل الشراء عن طريق التقسيط المريح، وتساعدها البنوك في ذلك بتقديم العروض من أجل قروض ميسرة".
وأضافت الرماني "إن صيحات الموضة في المواد المستهلكة من أخطر المصايد التي تنصب للمستهلكين، لذلك على أرباب الأسر أن يربوا أبناءهم وأنفسهم قبل ذلك على الذوق الرفيع وإن لم يساير الموضة وليس تربيتهم على كثرة التذوق والجري وراء كل صيحة. ومن أجل الوصول إلى مستوى إيجابي من الاستهلاك, لا بد لنا في أسرنا من ثقافة صحية واجتماعية وقانونية وشرعية منسجمة".
الأسباب والحلول الممكنة
أكد عدد من الأكاديميات في محاضرة عقدت في الرياض أواخر العام الماضي أن ترشيد الاستهلاك في المجتمع السعودي يعزز من المحافظة على الثروة القومية للموارد البشرية والمادية لمجتمعنا، مشيرات إلى أن تفعيل الترشيد الاستهلاكي يتم بالتركيز على توعية النشء وزيادة وعي المرأة السعودية وتوجيه الأسر لتحقيق أهدافها بأحسن الوسائل وأقل تكلفة في حدود مواردها المالية والتسهيلات المتاحة ورفض التقليد الأعمى والعشوائي.
وأشارت الدكتورة منال عبد الرحمن عضو هيئة التدريس في قسم التغذية وعلوم الأطعمة في كلية الاقتصاد المنزلي إلى أن الترشيد الاستهلاكي لا يعني تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عن الضروريات بل عدم الإسراف في أي شيء يتصل بالمأكل والملبس والمسكن ومحتوياته.
وقالت "ترشيد الاستهلاك يخص كل فرد في الأسرة وللمرأة الدور الكبير في هذا المجال وعلى قدر وعيها ومعلوماتها يتوقف نمط الاستهلاك العائلي.
من جانبها, رأت الأميرة هيلة بنت عبد الرحمن آل سعود رئيسة اللجنة الوطنية النسائية في مجلس الغرف السعودية أن التوجهات الاستهلاكية للأسر السعودية تختلف من مجتمع إلى آخر ومن فترة إلى أخرى وتتحرك نتيجة التغيرات الاقتصادية أو الاجتماعية.
وأضافت "مع العولمة بات كثير من المجتمعات تستورد ليس منتجاتها وخدماتها ولكن توجهاتها وثقافتها الاستهلاكية، ولا تعد الأسرة السعودية بمعزل عن تلك التغيرات, فقد أصبحت الأنماط الاستهلاكية لها تثير الكثير من الجدل والنقاش.
وقدمت الأميرة هيلة دراسة ميدانية في الرياض بعنوان "التوجهات الاستهلاكية للأسر السعودية" أعدها مركز البحوث والدراسات في "غرفة الرياض"، أظهرت أن نحو 66 في المائة من إجمالي الأسر السعودية تستخدم ثلاثة جوالات فأكثر، بل إن نحو 17 في المائة من إجمالي الأسر لوحظ أنها تستخدم أكثر من ستة جوالات في الأسرة الواحدة.
هذا ويزداد الأمر خطورة مع تدارك حجم الإنفاق الشهري للأسرة السعودية على خدمات الاتصال من جوال وهاتف منزلي، إذ اتضح أن أكثر من نحو 70 في المائة من الأسر السعودية تنفق أكثر من نحو ألف ريال شهريا على فواتير الجوال والهاتف المنزلي. بل إن نحو15 في المائة من هذه الأسر تنفق ما يزيد على ثلاثة آلاف ريال، وما قد يصل إلى نحو خمسة آلاف ريال شهريا على هذه الفواتير.
ومن أبرز التوجهات الاستهلاكية للأسر السعودية وفق الأكاديميات المتخصصات:
أولاً: الإسراف والمغالاة في العديد من جوانب الإنفاق الاستهلاكي لدى الأسرة السعودية في المسكن وخدمات الجوّال والهاتف والترفيه.
ثانياً: تقليد المجتمعات الغربية في نمط الحياة والمعيشة، حيث يسعى كل فرد في الأسرة إلى إيجاد بيئة معيشية مستقلة عن أفراد الأسرة.
ثالثا: الأسرة السعودية تنفق شهرياً ما يفوق مستوى دخلها الشهري.
رابعاً: ازدياد حالة الإسراف الاستهلاكي كلما انخفض مستوى الدخل الشهري للأسرة حيث يلاحظ أن الأسرة ذات الدخل المنخفض تعاني عجزا ماليا يفوق عجز الأسر ذات الدخول المرتفعة بسبب المحاكاة والتقليد.
خامساً: لوحظ بحسب دراسة أن الإنفاق على المسكن وخدمات الاتصال والانتقال والكهرباء والعمالة المنزلية والإجازات في ازدياد.
سادساً: لما كانت النظرية الاقتصادية تشير إلى الارتباط الوثيق بين الاستهلاك والادخار فإن حالة الإسراف الاستهلاكي تشير إلى وجود تأثيرات سلبية لتلك التوجهات الاستهلاكية.
سابعاً: استمرار هذه الأنماط الاستهلاكية على ما هي عليه في المستقبل قد يكون له العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية.
وتقول الأميرة هيلة إنه يجب الاهتمام بنشر الوعي الاستهلاكي وتوضيح ما يمكن أن تؤول إليه الأسرة السعودية حال استمرار هذه الأنماط الاستهلاكية سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية وذلك بتكثيف الوعي الاستهلاكي لدى الأسر ونشر ثقافة ترشيد الاستهلاك، مع التركيز على أن الارتقاء بالثقافة الاستهلاكية يعد مسؤولية الجميع، ونوصي بالتركيز على النشء في المدارس من خلال المناهج الدراسية وإقامة الفعاليات والمسابقات التوعوية.