رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المطلوب مبادرات عاجلة .. لمواجهة الغلاء

[email protected]

فجرت الإمارات في الأيام القليلة الماضية زيادة غير عادية في زيادة الرواتب ورفعتها إلى مستوى 70 في المائة، والواقع أن هذه الزيادة مشروعة ومطلوبة لمواجهة ارتفاعات الأسعار في الدولة، ولكن في هذا المقال لا أكتب عن زيادة الرواتب لأن زيادة الرواتب هي هروب من التضخم إلى مزيد من التضخم، وأني أرجو مبادرات حكومية عاجلة لمكافحة الغلاء حتى يشعر الناس بزيادة دخولهم الحقيقية بدلاً من زيادتها نقدياً فقط.
دعونا نقول الآن إن المطلوب هو أن تتدخل الحكومة بصورة عاجلة لمواجهة ارتفاعات الأسعار في السوق السعودي، لأن السوق السعودي ـ كغيره من الأسواق العالمية ـ سيشهد المزيد من ارتفاعات الأسعار، وسوف تكون ارتفاعات الأسعار موجات متتالية طالماً أن أسعار البترول آخذة في الارتفاع دون أن تجد من يوقفها عند مستويات معينة.
إن الذين يقولون إننا في المملكة العربية السعودية نطبق الاقتصاد الحر، وإن نظام الاقتصاد الحر يطلق الحرية الاقتصادية لكل عناصر السوق.. الذين يقولون بهذا الكلام المرسل ولا ينصحون بتدخل الحكومة.. مخطئون ويتشدقون بكلام لا يمت لنظام السوق بصلة، بمعنى أن تدخل الدولة في السوق يعد حماية لحرية السوق وليس تطفلاً عليه ويعد واجباً مهماً لصيانته من التخريب.
إن الحكومة إذا تركت الأسعار المجنونة تعبث برفاهية المواطن، فإن أوبئة التضخم ـ إذا جاز التعبير ـ ستنتشر وتنشر المزيد من أمراض التضخم في الأسواق، وعندئذ سوف تصبح المعاناة من التضخم أكبر وأكثر تعقيداً.
إن التضخم قد يأتي بسبب تحكم بعض المنتجين في الكميات المعروضة (العرض)، وكذلك قد يأتي التضخم بسبب الزيادة الملحوظة في الطلب، وللأسف فإن هذين النوعين من التضخم تبدو ملامحهما موجودة في السوق السعودي، ولكن التضخم الرئيسي الذي يعاني منه الناس الآن هو التضخم القادم من العالم الخارجي بسبب ارتفاع أسعار البترول، ونتمنى ـ بالطبع ـ ألا يتزايد التضخم من جانب العرض أو التضخم من جانب الطلب فيزيد الطين بلة.
إن هناك الكثير من الإصلاحات التي يمكن للحكومة أن تقوم بها للتخفيف من الغلاء الفاحش الذي يجتاح السوق ويضر باقتصاد الأفراد، ومن أهمها إعادة هيكلة السلع المعانة وإعادة بعض السلع إلى حظيرة الدعم، وكذلك زيادة إعانة الكهرباء لخفض أسعار الاستهلاك، وأيضاً من الإصلاحات المطلوبة خفض أسعار البنزين ومشتقاته وخفض أسعار الغاز بنسبة كبيرة، وكذلك خفض الرسوم الجمركية أو رفعها تماماً عن بعض السلع التي يتزايد عليها الطلب بين أصحاب الدخل المحدود، ثم إعادة المخصوم من مكافآت طلاب وطالبات الجامعات، وكذلك تخفيض رسوم التأشيرات والجوازات والبلديات والغرف التجارية.
وواضح أننا أرجأنا المطالبة بزيادة الرواتب والأجور لأن زيادة الرواتب والأجور في المرة السابقة أدت إلى زيادة في الأسعار بنسبة أعلى من زيادة الرواتب، ولذلك نرجو الآن تخفيف تكاليف الحياة عن كاهل المواطن بالأسلوب الذي تستطيعه الحكومة، وما نتمناه دائماً من حكومتنا الرشيدة أن تضع صيغة ملائمة ودائمة تجعل الدخل الحقيقي للمواطن دائماً يتناسب مع الزيادة في معدلات التضخم ليتحقق التوازن النسبي في ميزانيات الأفراد أصحاب الدخل المحدود.
إن الهدف من وضع السياسات الاقتصادية هو توفير السلعة والخدمة بجودة وسعر يعكس التكلفة المتوسطة، ولكن إذا فشلت السياسات الاقتصادية في توصيل السلعة إلى المستهلك بسعر التكلفة المتوسطة، فإن على الدولة واجب التدخل، وهذا التدخل لا يتعارض أبداً مع نظام السوق ومبادئ الاقتصاد الحر وإنما يتمشى مع مبادئ تخصيص الموارد على أساس المنافسة، بل إن تدخل الحكومة في الحالات العصيبة لا يتعارض مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية الذي يسمح للدولة بالتدخل إذا لاحظت أن المنتجين لا يلتزمون بقواعد المنافسة، وكلنا يتذكر أن الحكومة الأمريكية وقفت ضد الاحتكار الذي مارسته شركة مايكروسوفت وتقوم إدارة حماية المستهلك في الإدارة الأمريكية بدور إيجابي ضد جشع التجار، بمعنى أن تدخل الدولة في ظل نظام السوق هو في الأساس لحماية مؤسسات وآليات السوق، وأكبر مثال لدينا هو تدخل الحكومة في الكميات المعروضة من البترول وسعيها لزيادة العرض أو خفضه من أجل تحقيق التوازن في الأسواق، كما أن إنشاء إدارات باسم إدارة حماية المستهلك في وزارة التجارة والصناعة وفي الغرف التجارية الصناعية .. هو إعطاء المشروعية للحكومة للتدخل لحماية المستهلك من عنت السوق.
لقد استفادت الدولة من الزيادات المتسارعة في أسعار البترول وزاد دخلها وتضاعف وهذا شيء إيجابي، ولكن الشيء السلبي هو أن الزيادة في أسعار البترول كانت ومازالت وبالاً على المواطن العادي، لأن استمرار ارتفاعات البترول أسفرت ـ كما أشرنا ـ عن موجات من الزيادات في أسعار السلع والخدمات في الأسواق السعودية، وسوف يكتوي المواطن في المستقبل القريب بموجات متتالية من الزيادة في الأسعار طالما أن أسعار البترول إلى ارتفاع مستمر.
وفي المدى المنظور، فإننا لا نتوقع أن آليات وقف الزيادة في أسعار البترول ستتحرك لإيقاف أسعار البترول، والسبب بسيط وواضح وهو أن الزيادة في الطلب على البترول هي التي تسود السوق العالمية للبترول، كما أن الدول المنتجة لا تستطيع أن تواجه الطلب المتزايد لأنها تنتج بكامل طاقاتها الفنية، وأن دولاً جديدة دخلت السوق وانضمت إلى قوافل الدول المستهلكة للبترول بكميات كبيرة. بمعنى أن هناك موجات من ارتفاعات السلع والخدمات ستأتي وتدمر ميزانيات الأسر وبالذات محدودة الدخل، ولذلك فإن المطلوب من الحكومة أن تقوم بجولة جديدة من الإصلاح الاقتصادي وإلا فإن درجة الرفاهية التي وصل إليها المجتمع السعودي لن ينعم بها طويلاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي