رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التعليم الجامعي .. والعتق من البيروقراطية؟!

[email protected]

لم يعد بإمكان أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية النظر لأية محاولة تطويرية بتفاؤل وأخذها على محمل الجد، خاصة أولئك الذين أمضوا ردحا من الزمان بين جنبات إخفاقات كبيرة للتعليم الجامعي على صعيد النظم والإجراءات والسياسات والاستراتيجيات وفقدان الهوية وضياع المهمة الأساسية من التعليم الجامعي، حتى تحول إلى مجرد قبول أكبر عدد من الطلاب والطالبات وحشرهم في بعض الأحيان في قاعات يفوق عددهم فيها الحد المطلوب تربويا! هذه النظرة الضيقة الخاطئة للتعليم الجامعي واختزالها في موضوع القبول والتدريس هي ما قلصت الدور الفاعل للجامعات في المجتمع وإسهاماتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. التعليم الجامعي نظام متكامل لا نستطيع عمل جزء والتغافل عن أجزاء أخرى مهمة. أدوار التعليم الجامعي التي تشمل البحث والاستشارات والتدريس وخدمة المجتمع متداخلة ومتكاملة فيما بينها، فمهمة التدريس تعتمد على بناء النظرية من خلال الدراسات الميدانية والاستشارات المهنية والعكس صحيح، ومن يقول بغير ذلك فهو مثل من يظن أنه بالاستطاعة قيادة المركبة بثلاث عجلات دون الرابعة! وحتى مهمة التدريس التي يتم التركيز عليها تعاني في معظم الأحيان من القصور في فهم المقصد من العملية التعليمية في تركيزها على التلقين وقياس التحصيل الكمي للمعلومات واختزال تنافس الطلاب على الدرجات دون الالتفات إلى إحداث تغيير في فكرهم وميولهم وسلوكهم وتنمية مهاراتهم في التحليل والربط بين المتغيرات وفهم ما يدور حولهم والقدرة على الاتصال والتواصل مع الآخرين والجرأة الأدبية والثقة بالنفس والدافعية نحو التعلم من أجل العلم والمعرفة وليس للدرجات فقط. لكن كيف السبيل إلى ذلك والمحاور الرئيسة للعملية التعليمية (الأستاذ والطالب والكتاب أو المنهج) في قاع ترتيب أولويات الجامعات! فقرارات الجامعات وسياساتها لا ترتكز على خدمة هذا الثالوث الأهم في العملية التعليمية. هذا التجاهل للطالب وعضو هيئة التدريس والمنهج أدى إلى تردي مستوى التعليم الجامعي بشكل عام، بل حتى تراجعه إلى مستويات أقل، عاما بعد عام ليعيش حالة من الاحتضار! إن السبب الرئيس وراء هذه الانتكاسة في التعليم الجامعي هي المركزية الشديدة جدا وغياب تام للاستراتيجيات والسياسات، ما أدى إلى ضياع وتيه في الاتجاه وضبابية في الرؤية وانتزاع المسؤولية من مديري الجامعات وتقليص دورهم في عملية صنع القرار إلى حد عدم ترؤسهم مجالس جامعاتهم!
تحولت مجالس الجامعات إلى مناقشة موضوعات وقضايا روتينية بيروقراطية بحتة لا تهتم للبرامج التطويرية في الأقسام العلمية بل توضع أمامها العراقيل والصعوبات وتعاد للأقسام مرات ومرات لأسباب سطحية، فمرة لخطأ في الطباعة ومرة لاعتراض أحدهم من خارج التخصص على المنهج! ومرة أخرى لعدم اتساع وقت المجلس لمناقشتها! إن أعضاء المجالس من الوكلاء والعمداء المعينين في مناصبهم لا يمثلون بالضرورة وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس ولا المجتمع المحلي وهكذا تكون الاجتماعات تدور في فلك ضيق ومناقشة لموضوعات روتينية، دون الحديث عن التطوير والرؤية المستقبلية ومراجعة أداء الجامعة على أسس مهنية وتحقيق تحسن في نوعية العلمية التعليمية ودور الجامعة في المجتمع. إن الجامعات كمؤسسات تتطلب أن تكون قادرة على مجاراة التغيرات والمستجدات وتكون سباقة في وضع الحلول والمعالجات للمجتمع من خلال تطبيق التقنيات الحديثة والمتابعة لكل جديد. لقد كان من المحزن والمخجل حقا أن تسبق بعض الشركات الصغيرة الجامعات في تطبيق تقنية المعلومات وأن يتم استخدام الإنترنت في بداياته قبل الجامعات! هكذا تفتقد الجامعات المصداقية واحترام المجتمع ويضمحل دورها وتكون جامعات بالاسم، بينما كان من المفترض أن تكون مؤسسات بحثية وتطويرية تعتمد على الإبداع وطرح أفكار ورؤى ومعارف جديدة تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مشروعا نظام المجلس الأعلى للتعليم المكون من (13) مادة، ونظام الجامعات المكون من (14) فصلاً، ويتضمنان (63) مادة والتي تمت مناقشتهما في مجلس الشورى خلال جلسته العادية السادسة والأربعين 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007م، يشيران إلى أن هناك إدراكا لأهمية تطوير التعليم العالي، خاصة في ظل التوجه الإصلاحي والدعم السخي للدولة لكل القطاعات. ولا شك أن التعليم العالي يعاني الكثير من المعوقات ويفتقد الكثير من الأساسيات والضروريات التي تجعله يخفق في الوصول إلى المستويات العالمية بمراحل. أكثر المعوقات والصعوبات واضحة جلية لا تحتاج إلى نقاشات واجتماعات مطولة ولا إلى أبحاث ميدانية ودراسات أكاديمية. هناك غياب تام للرؤية والمهمة والاستراتيجية للجامعات، وهي بلا شك معضلة حقيقية وأزمة تنم عن الضياع والتيه الإداري في قطاع التعليم العالي وفقدان القدرة على تحديد من يعمل ماذا، وتداخل الأدوار واختلالها بين ما يجب أن تقوم به وزارة التعليم العالي وما يجب أن تقوم به الجامعات. في هكذا وضع تنقلب الأولويات رأسا على عقب وينشغل الجميع بالشكليات والإجراءات الورقية وضياع الوقت في اجتماعات لجان لا تغني ولا تسمن من جوع لا يقتنع بها حتى المشاركون فيها. لقد حجم دور الجامعات وأدخلت في نفق مظلم حالك الظلام حتى لا يكاد يفرق بين الغث والسمين وأصبحت الجامعات تدار تماما كالبيروقراطيات الأخرى تثقلها الإجراءات الروتينية وتتخمها المعاملات الورقية ليصاب الجميع بدوار يفقدهم التركيز والتوقف ولو للحظة للتساؤل: لماذا كل هذه الإجراءات، وما عساها تحقق؟ إن هذا الوضع فرصة ذهبية لأولئك الذين يعشقون الراحة والاستجمام وعدم المبالاة والتخلي عن مسؤولياتهم والخوف من صنع القرارات الجريئة. هكذا تبدأ رواية انتكاسة التعليم العالي في مناخ ضبابي يشجع على التراخي والتقاعس عن أداء العمل يندس فيه الكسالى والمتقاعسون والمحبطون دون أن يعلم بهم أحد داخل ثقافة تشجع الجمود وتدعو للركود وتقتل الإبداع.
وفي ظل هذا الوضع المأساوي للتعليم الجامعي والتعقيدات البيروقراطية والاهتمام بالكم على حساب الكيف يدخل في دوامة تسحبه نحو القاع. فالتعليم الجامعي يفتقد التنظيم الحيوي التطويري المنفتح على المجتمع، فالمناهج والمقررات والبرامج لا تعكس في كثير من الأحيان التطورات والمستجدات في البيئة والتخصصات العلمية، كما أن هناك قصورا في اختيار وتطوير أعضاء هيئة التدريس وعدم تهيئتهم للتدريس وفق معايير تربوية وعلمية والاكتفاء بالحصول على الشهادة العلمية بغض النظر عن القدرة على إيصال المعلومة والإعداد للمحاضرات وقياس أداء الطلاب وتحفيزهم للتعلم. إضافة إلى الإخفاق في كثير من الأحيان بجلب أعضاء هيئة تدريس من الخارج بمستويات عالية. إن غياب الجودة والمعايير المهنية جعل عملية التدريس تعتمد على التلقين دون منح الفرصة للطالب والطالبة النقاش والحوار وإبداء الرأي والبحث عن حلول جديدة وإبداعية، ليتحول الطلاب والطالبات في كثير من الأحيان إلى مجرد متلقين في سكون وسلبية تامة، تمارس عليهم أنواع الاضطهاد النفسي والاحتقار لذواتهم وفكرهم ليذعنوا لأوامر ومتطلبات تصل إلى حد التعجيز. أعضاء هيئة التدريس أنفسهم مصابون بالإحباط لدرجة لا يمكن تصورها حتى غدوا مثقلين بهموم السكن والسيارة ومنشغلين بالبحث عن حلول لرفع مستوى معيشتهم المتدني جدا، فهم يرون دخولهم مقارنة بقطاعات أخرى في قاع الترتيب الاقتصادي! هذا إضافة إلى عملهم في أقسام علمية لا حول لها ولا قوة وكليات لا تملك زمام أمرها! أما الكتاب الجامعي وعمليات التأليف والترجمة لا تتعدى في معظمها محاولات شكلية خجولة.
مشروع نظام الجامعات يفترض أن يأتي لمعالجة هذه المشاكل التي يئن منها التعليم الجامعي وألا يستغرق أعضاء مجلس الشورى في الملاحظات الروتينية مثلما تم في مناقشة الباب الأول! من المفترض التركيز على الفلسفة التي ينطلق منها النظام وماذا عساه يحقق. ولن أتحدث عن التغييب التام لأعضاء هيئة التدريس في المداخلة وإبداء آرائهم قبل إقراره! لقد أشار النظام المقترح إلى جانب في غاية الأهمية وهو إنشاء مجلس للأمناء يكون أعضاؤه من داخل الجامعة وخارجها، وهذا يتطلب استقلالية مالية وإدارية للجامعات، يمكنها من تحديد رؤيتها ومهمتها. إن وجود مجلس للأمناء يضع السياسات والتشريعات ويحدد التوجهات العامة ويختار مدير الجامعة حتى من خارج الأكاديميين، بينما تكون مجالس الجامعات الحالية تتمتع بالصلاحيات التنفيذية وتطبيق التشريعات الصادرة من مجلس الأمناء. ويختصر ذلك كله تحويل الجامعات إلى مؤسسات غير ربحية وإخراجها من دائرة التعقيد البيروقراطي الذي أثبت فشله الذريع بنجاحه في تقييد التعليم الجامعي ومنعة من الانطلاقة بنظام عقيم ردحا من الزمان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي