ابتعثني!!
العصفور كان قد وشوش لوسائل الإعلام المقروءة أن هناك، سنوياً، أكثر من 150 طبيباً يرفضون العودة للعمل في مستشفيات "الصحة" بعد انتهاء مدة ابتعاثهم! وها هي وزارة الصحة تئن تحت وطأة خيبة أمل جديدة!
المشهد كما يلي:
يغادر الدكتور نعمان مستشفى الحكومة متوجهاً إلى ألمانيا للتحضير لنيل الزمالة والوصول إلى درجة "الاستشارية" في أحد فروع الجراحة... كمبتعث طبعاً! تمر السنون هناك، ويعتاد الدكتور نعمان على العمل في مناخ صحي نموذجي بدءا من مواقف السيارات ومروراً بالحديقة التي تشبه غابات أسطورة "ملك الخواتم"... وصولاً إلى الفهم الإداري ودعم كل بادرة بحث أو تطوير.
وبعد انقضاء أعوام الابتعاث، تتوقع وزارة الصحة أن يعود الدكتور نعمان إلى العمل في مستشفى (...) والإشراف على جناح (...)!!
الواقع الصريح يقول إن الدكتور نعمان إذا قرر رفض جميع عقود العمل المغرية المتاحة في أوروبا وأمريكا، فإنه سيختار العودة للعمل في أحد المستشفيات الأهلية في دول الخليج، أو أن يعود للعمل في المستشفيات الاستثمارية السعودية بأجر يفوق ما يتقاضاه من وزارة الصحة بثلاثة أضعاف كحد أدنى!
والناتج الأخير لا يحدث سهواً، فالدكتور نعمان موقن، على الأقل، من أن اختياره هذا سيكفل له حضور مؤتمرات علمية بشكل منتظم، وأنه سيستخدم غرفة عمليات "معقمة" فعلاً، كما أنه سيجد في صيدلية المستشفى خيارات أكثر من الـ "بانادول" العظيم!
صاحبكم متعاطف في هذا الشأن مع الوزارة التي أنفقت على أطبائها، حسبما هو واجب، لتفاجأ في النهاية، كالعادة، بهجرة الكوادر إلى مرافئ أخرى! ولكن ألا يحمل هذا التكرار في طياته ترسيماً لمعنى (العدالة الأدبية) من الناحية النظرية؟!
أعتقد أن هذا حاصل، فالمشكلة هنا مقروءة النهايات، ولأن الوزارة لم تتعامل مع المستشفى كمرفق حضاري في المجتمعات المدنية، ومارست مع المستشفى تفعيلاً مستميتاً لمفهوم "حجرة تضميد الجروح" طوال عقود، أتت النتائج على هذا النحو!
أجد أنه من المناسب هنا أن أسرد اعتقاداً ثانياً يتخذ من مسالك دروب النصيحة سكة له، فالوزارة، وبالتزامن مع رفض الأطباء المبتعثين العودة، يجب أن تعمل على تطوير أقسام علاقات المرضى ودعمها بأكبر عدد من إخصائيي العلاج النفسي psychotherapists لتطوير آليات مواساة المرضى الذين تتزايد أعدادهم يومياً وتطول مدة إقامتهم في المستشفيات لأن كل طبيب "مكافح" من "الصابرين" يتولى حالياً معالجة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مريض تقريباً!
أما فيما يخص إمكانية الاستسلام لحقيقة الاستعانة بخدمات المستشفيات الأهلية التي تدفع لها الوزارة تكاليف علاج حالاتها التي "أحالتها" من مستشفاها الآيل للسقوط، فالأمر لن يدوم طويلاً. لأن المستشفيات الأهلية بدأت تضيق فعلياً بمرضى الحكومة المساكين الذين لا يحتاجون إلى علاج فقط، بل يحتاجون إلى إصلاح مضاعفات عدد كبير من الأخطاء الطبية التي كانت تطبق عليهم أثناء تنويمهم في مستشفيات الحكومة!
هنا يهمس أحد الشباب المحبطين في حارتنا ويقول: "ابتعثوني وأنا أوريكم... إن ما رجعت وعالجت هالمساكين!"
ليرد عليه جارنا أبوعلي الذي جئنا للسلام عليه بعد أن خرج لتوه من نوبة تنويم طويلة، فقال: " إيه هيّن... اللي هجّج نعمان...بينحّـش الطمعان!"