رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نهاية الأوبك

[email protected]

بعد أن انتهت اجتماعات قمة أوبك لنا فرصة لإعادة ترتيب الأفكار والأولويات الاقتصادية حول دور أوبك وتحولات معادلات النفط وأهداف المملكة. لا بد من الوقفة حول هذه الحلقات لفرز المصالح ومعرفة الاستراتيجية المثلى للمملكة. يحدث كثيراً في العلوم الاجتماعية (الاقتصاد علم ذو بعد اجتماعي) أنه حينما يكون التركيز إعلامياً في قمته على ظاهرة معينة تكون هذه الظاهرة قد بدأت في الانحسار ومنذ زمن، ولكن يبقى التعلق حول بعد المضامين والمظاهر ذات العلاقة. وهذه الظاهرة تبدو واضحة مع أوبك، فبعد الفترة الذهبية لأوبك بين نحو 1971 وحتى عام 1997 تقريباً، والبعض يقول ببعض المشروعية إن أوبك انتهت قبل هذا التاريخ، في هذه الفترة كان للتنسيق بغرض التحكم في الكمية المصدرة دوراً مؤثراً وكبيراً في الأسعار في أغلب الأحيان وليس كلها. جوهرياً قيمة أوبك تكون في ذروة أهميتها حينما يكون هناك تأثير واضح في تسعير النفط من خلال التحكم في الإنتاج (التصدير). اليوم ليس هناك فرق بين دولة مصدرة للنفط داخل أو خارج أوبك، حيث إن الجميع ينتج ويصدر بأعلى طاقة ممكنة. في الماضي كان الدور مختلفاً حيث كان على دول أوبك الحد من الإنتاج والتضحية (تحمل تكاليف الطاقة غير المستغلة) لصالح رفع الأسعار (على أمل أن يلتزم الأعضاء بإنتاج حصصهم). وكم كانت المنظمة تعاني من ظاهرة الغش حيث إن الحافز دائماً موجود لزيادة الإنتاج واستغلال فرصة ارتفاع الأسعار في ظل إحجام بقية الأعضاء عن الإنتاج. وضع السوق اليوم يختلف جذرياً، تشير التقارير الاقتصادية إلى نمو الطلب المتزايد من نحو 86 مليون برميل يومياً في عام 2007 إلى نحو 120 مليون برميل في اليوم عام 2030 بزيادة تقل قليلاً عن 1.5 في المائة سنوياً. نصف الزيادة في الطلب المتوقع ستأتي من الصين ثم الهند، وبذلك قد تتساوى الصين مع أمريكا في حجم الاستهلاك (تستهلك أمريكا نحو 21 مليون برميل يومياً، بينما تستهلك الصين نحو 7.3 مليون برميل في اليوم). الأهم في ذلك كله أن معادلة العرض والطلب للنفط قد تغيرت من سوق مشترين إلى سوق بائعين. فالكل يستطيع بيع كل ما لديه من إنتاج، بل إن العالم المستهلك ينتظر بتشوق إعلان تأهيل العراق كمصدر معتبر على سبيل المثال. بل إن زيادة الطلب بهذه النسبة لمدة ثلاث سنوات ستستوعب التوسع في إنتاج العراق المنتظر على مدى السنوات القليلة المقبلة والقدرة الاحتياطية في المملكة. مما قد يضطر المملكة إلى رفع سقف الإنتاج للمحافظة على القدرة الاحتياطية. وهذا موضوع آخر له استحقاقات اقتصادية.
لذلك فإن اللاعب الأوحد هذه السنوات القليلة المقبلة هو الدور السعودي والعراق إذا استطاع تأهيل صناعته النفطية. أوبك اليوم ذات عضو واحد مؤثر؛ وهذا عادة يحمل في طياته تكاليف الاحتمالات المهمة ذات العلاقة الآن والتي ستؤثر حتماً هي درجة التقدم التقني في خفض تكاليف إنتاج البدائل (وهذا هو السقف الأعلى على سعر النفط)، أو استكشافات نفطية جديدة ومؤثرة. مثلما أعلن حديثاً عن اكتشاف في سواحل البرازيل يصل إلى 5 – 8 مليار برميل.
نظراً لمركزية صناعة النفط وحقيقة أن الغالبية العظمى من مصدري النفط من دول العالم النامية فإن منظمة أوبك ستبقى رمزياً مهمة ولكن الجوهر (التأثير المباشر في السعر) انتهى مع نهاية الحاجة إلى التحكم في التصدير بغرض التأثير في الأسعار. كذلك انتقل ميدان المعركة إلى الضرائب والسياسات البيئية، وهذه مهمة جداً وذات علاقة ولكنها تختلف عن التحول الرئيس في معطيات السوق النفطية. لذلك فإن دور أوبك بدأ يتغير ولعل هذه أول قمة تشهد هذا التحول المهم. أكبر مصدر للنفط مع المملكة هو روسيا ولذلك يستحسن التنسيق كما ذكرنا في مقال سابق. المملكة وروسيا يصدران نحو 15 مليون برميل في اليوم أي نحو ضعف إنتاج أوبك.
دخل السوق مرحلة جديدة منذ بداية القرن الحالي وتدريجياً مع تزايد الطلب (بدأ بعام 1999 تقريباً) حتى وصل إلى نقطة انعطاف في عام 2004 حينما زاد الطلب الصيني بمعدل مليون برميل في اليوم. يجب ملاحظة أن أسعار النفط سجلت ارتفاعاً تعويضاً عن التضخم ولذلك فإن أسعار النفط الفعلية في مستوى أسعار 1981 نفسها وما زال سعر برميل قهوة ستار بكس أعلى سعراً من برميل النفط.
استشرافاً للمستقبل سيبقى السعر عالياً ومتذبذباً ولكنه لن يتغير كثيراً عن مستوى الارتفاع في الأسعار (التضخم) إلا إذا أثّرت الأحداث الجيوسياسية تأثيراً يحد من العرض ولمدة ليست قصيرة. يستحسن أن تصبح أوبك منظمة معلومات وضغط تدافع عن مصالح وحقوق الدول البترولية. التحدي الأكبر للدول المصدرة هو استيعاب حقيقة أننا دخلنا حقبة جديدة وحان الوقت تدريجياً وبحزم للاستعداد لتقليل الاعتماد على النفط واستخدام عوائد النفط بطريقة خلاقة وبعيدة النظر. لعل أكبر تحد اقتصادي هو قدرتنا على إدارة هذا التحول المحتوم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي