رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تميز الإدارة الوسطى جسر الإدارة العليا للنجاح

[email protected]

تلقيت الكثير من التعليقات وعبارات الاستحسان والتأييد لما أوردته في مقال الأسبوع الماضي المعنون "عندما يفشل المديرون التنفيذيون" من ضرورة التفريق بين أدوار الإدارة العليا وتلك الخاصة بالإدارة الوسطى. لقد هالني حجم المعاناة الكبير التي تحدث عنها البعض وتجاربهم من سوء الإدارة العليا وفشلها في تهيئة الظروف والمناخ العام الذي يمكن الموظفين في مختلف مستوياتهم من أداء عمل متميز. لقد أكد بعض المداخلين أن الإشكال الأول الذي يواجهونه هو انعدام الثقة، وبالتالي يستحوذ المدير التنفيذي على جميع القرارات ويحول مساعديه ومن يلونهم في المستويات الإدارية الأدنى إلى مجرد ممررين لأرتال من المعاملات الورقية صامتين دون حول منهم ولا قوة، وهكذا يعطل أهم عنصر في نجاح المنظمة وعمودها الفقري "الإدارة الوسطى"، فلا يستفاد من مبادراتها الخلاقة المبنية على معرفة ودراية بواقع الحال بحكم طبيعة عملها وقربها من الميدان والتطبيقات والممارسة اليومية وخبرتها في مجال تخصصها العملي، ما يجعلها أكثر إلماما بما يجري في بيئة العمل الداخلية والخارجية. وتطبيق الثقة أمر ليس بالسهل، لأنها فلسفة وثقافة تتبناها الإدارة العليا وتسعى إلى غرسها في المنظمة عبر السياسات والإجراءات وأسلوب التعامل وعملية صنع القرار، بتفويض الصلاحيات للمستويات الإدارية الأدنى ومنح مساحة كبيرة للإبداع والمبادرة وتحقيق الأفضل باستقلالية تامة واعتمادا على الذات. إنها ثقافة فريق العمل الواحد التي تشجع الجميع على الإسهام في نجاح المهمة وتحقيق أهداف المنظمة. إلا أن ذلك يتطلب إدراكا ووعيا وقناعة وإيمانا وممارسة، وتطبيق الإدارة العليا المفهوم الصحيح للسلطة الإدارية على أنها للمساندة والدعم وليس للتحكم والسيطرة. وعندما يتلبس المدير التنفيذي شعور بأنه مركز العالم والوحيد القادر على إنجاز المهمة حتى ولو كانت هذه المهام من اختصاصات الإدارة الوسطى، فهو يصر على القيام بها ليتمتع بتحقيق الإنجاز الوهمي الواهي لأن الإنجاز الحقيقي هو في ممارسة الأدوار الأكثر تحديا وصعوبة. تلك الأدوار التي تتطلب مهارات وقدرات مميزة تمكن المدير التنفيذي من سبر أغوار المستقبل والتنبؤ بالمتغيرات ووضع تصور ورؤية لما يجب القيام به والإقدام والعزيمة لنقل المنظمة إلى أوضاع أفضل والولوج بها إلى مواقع جديدة غير مألوفة. إن مواجهة المدير التنفيذي المجهول والتعامل مع حالة غير التأكد وخوض تجارب جديدة يصعب حساب نتائجها، تحتاج إلى خبرة عميقة وفكر مستنير يمكنه من استشفاف المستقبل وتحليل المتغيرات والربط بينها ليتولد في داخله شعور قوي يدفعه في الاتجاه الصحيح، وعزيمة وإصرار على المضي قدما وليكتب قصة النجاح بكل تفاصيلها قبل حدوثها ليقود المنظمة إلى آفاق أرحب من التطوير ومركز تنافسي أعلى يسبق الآخرين إليه ويصل مبكرا لأنه مستكشف ومغامر يسعى دائما إلى التميز بخطى ثابتة ومحسوبة. ومتى ما اتضحت الرؤية وحددت الوجهة تبدأ مهمة بناء الإدارة الوسطى التي هي إحدى أهم المهام إن لم تكن الأهم على الإطلاق للإدارة العليا. وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات والرؤى المستقبلية، إلا أنها دون أداء متميز ومتمكن من الإدارة الوسطى وقدرتها على تطبيق الاستراتيجيات تصبح هباء منثورا. بل إن الأداء المتميز لها هو ما يلهم الإدارة العليا بالأفكار الجديدة ويزودها بالمبادرات الإبداعية. تميز أدائها هو ما يصنع الفرق في مضمار التنافس مع الآخرين وتحقيق الإنجاز. أحد مصانع السيارات في الولايات المتحدة عانى الكثير من الإخفاقات، وفي تقرير عن وضع الشركة كان هناك جملة لخصت سبب الفشل وهي " الإدارة الوسطى المجمدة" the frozen middle. إن قدرة الإدارة الوسطى على تحويل المبادرات والاستراتيجيات وتطبيقها على أرض الواقع مرهون بمهاراتها القيادية والمرونة في عملها. هذه القدرة لا تتولد إلا من خلال التعلم عبر خوض تجارب جديدة،وهذا بطبيعة الحال يحتاج إلى منح مديري الإدارات الوسطى الفرصة للمبادرة والمشاركة في صناعة القرار. فالتعلم يعني إحداث تغيير في الأفكار والميول والسلوك ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التجارب والممارسة المباشرة. فالتجارب تتيح الفرصة للمعرفة الحقيقية وبناء شعور داخلي ومهارات سلوكية لا يمكن الحصول عليها من طريق آخر. على سبيل المثال مهما بذل في وصف الشعور بلمس شيء حار لن نتمكن إلى ذلك سبيلا دون أن يقوم الشخص بتجربة ذلك بنفسه، وبالمثل فإن مديري الإدارات الوسطى لن يتمكنوا من معرفة الإحساس الحقيقي بالقيادة وتحمل المسؤولية والنظرة الشمولية والفكر التحليلي والشجاعة والالتزام بالقرارات، إلا من خلال التجربة وبناء الخبرة. إلا أن التجارب تحتمل الخطأ والصواب ولذا كان من الضروري وكمتطلب أساس إيجاد ثقافة الثقة في المنظمة. الثقة تعني أن يكون المدير التنفيذي على استعداد لاستيعاب وتحمل أخطاء مرؤوسيه واحتضانهم ودعمهم والوقوف بجانبهم والدفاع عنهم وتطوير قدراتهم ومساعدتهم لتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها وتشجيعهم للمضي قدما في خوض تجارب جديدة والإسهام بمبادرات جريئة وابتكار أساليب غير مألوفة. هذا المعنى الحقيقي للثقة وليس الاعتقاد بعدم وقوع أخطاء البتة وتوقع الكمال والتمام في التجربة الإنسانية. إن هذا تصور خاطئ للثقة هو ما يجعل بعض المديرين التنفيذيين يحجمون عن تفويض بعض الصلاحيات لمرؤوسيهم ويمتنعون عن منحهم سلطات أكبر في صناعة القرارات، وهكذا يجمدونهم ويقيدون حركتهم ويهمشونهم . وقد يكون المديرون التنفيذيون من هذه الشاكلة محقين في ذلك لأن الوسيلة الوحيدة لعدم الوقوع في الخطأ هو التوقف عن العمل!
ستبقى الإدارة الوسطى وقدرتها على الأداء الثرمومتر لنجاح المنظمة وهي التي تصنع الفرق، ولن يستطيع المديرون التنفيذيون دون فريق عمل متميز قادر على تحويل أفكارهم ورؤاهم إلى واقع ملموس، من تحقيق الإنجاز والتفوق وحدهم مهما أوتوا من قوة ودراية. إن على المديرين التنفيذيين إدراك أهمية الإدارة الوسطى وحاجتها إلى مناخ إداري يتيح لها المجال للعمل وإبراز قدراتها وتنمية مهاراتها. إن نجاح الإدارة العليا في الارتقاء بعمل الإدارة الوسطى مرهون بالقدرة على توسيع دائرة القبول لدى مديريها. وهذا يعني أن يكون مديرو الإدارة الوسطى على استعداد لتحقيق رؤية وأهداف الإدارة العليا والحماس والدافعية نحو تطبيق قراراتها وهذا لن يتحقق، إلا من خلال وضوح الأهداف والتوقعات بين الإدارة العليا والإدارة الوسطى، عبر نقاشات مفتوحة وصريحة واحترام وتقدير متبادل، إضافة إلى منحها الصلاحيات التي تتطلب أداء المهام المطلوبة. بعض المديرين التنفيذيين الذين لا يملكون القدرة على المواجهة ولا الثقة بالنفس يخشون من مساعديهم ويرون أي تميز في أداء أحدهم هو تهديد لهم ولاستمراريتهم في مناصبهم. مثل هذا النوع من المديرين يمضي جل وقته في مناورات وألاعيب وتصرفات ملتوية في محاولة لإقصاء الآخرين أو وضع العراقيل والصعوبات في طريقهم. أولئك الموظفون في الإدارة الوسطى الذين مروا بتجربة العمل مع هذا النوع من المديرين التنفيذيين يشكون من الإحباط والتشويش ويستغربون عدم تهيئة المناخ الإداري والبيئة الإدارية الصحيحة التي تعينهم على القيام بأعمالهم والتي هي جسر النجاح للإدارة العليا ؟! لماذا يقدمون على أداء أعمال مرؤوسيهم بكل شغف ويسلبونهم أدوارهم وصلاحياتهم؟! ولماذا يصرون على أن يكونوا مديرين وليسوا قياديين يضعون الرؤية ويدفعون مرؤوسيهم نحوها؟! الجواب ببساطة فاقد الشيء لا يعطيه، ولذا كانت هناك منظمات ناجحة حية تتطور كل طالع شمس بفضل قيادات إدارية واعية منحت مساحات كبيرة للإبداع وحرية التعبير واختارت موظفيها بعناية ومنحتهم الثقة كاملة وحرصت على تطويرهم باستمرار وجعلت نجاحهم جزءا لا يتجزأ من نجاح المنظمة ككل، ومنظمات أخرى تراوح مكانها تجتر إنجازاتها الماضية وتتوقف عن المضي قدما لأن قياداتها الإدارية ذات نظرة ضيقة ورؤية قاصرة واهتمامات آنية وأهداف شخصية همها البقاء في منصبها حتى لو كلف ذلك التضحية بنجاح المنظمة وتطويرها بتجميد "الإدارة الوسطى" مفتاح النجاح لأي منظمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي