رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صراع الكبار: شركة البترول الصينية وشركة أرامكو السعودية

[email protected]

وصلت القيمة السوقية لشركة البترول الصينية في بداية تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 إلى أكثر من تريليون دولار (تقلص السعر قليلا الأسبوع الماضي) لتكون بذلك أول شركة في العالم تصل إلى هذا الرقم متغلبة حتى على كبريات الشركات الأمريكية مثل "جنرال إليكتريك" أو "إكسون موبيل" أو "مايكروسوفت". المرة الأولى في التاريخ يتحقق هذا الرقم في الصين "الجديدة" على أسواق رأس المال وليس في الدول الغربية الأكبر اقتصاديا، وفي قطاع تحت سيطرة الشركات الغربية منذ نشأة الصناعة النفطية. لا تزال الحكومة الصينية تمتلك نحو 86 في المائة من أسهم الشركة، والسوق الصينية في حالة محمومة، ولذلك فإن هذا التقييم قابل للتغير وحتى التساؤل حول القيمة. ولكن لا شك أن حاجزا نفسيا تم اجتيازه وتعبيرا عمليا عن قدوم الصين وبارقة أمل للدول النامية للسعي لتحقيق الأفضل وكسر الحواجز المادية والنفسية. موضوعيا وفي مقارنة بأكبر شركة غربية نفطية (إكسون موبيل) تجد أن قيمة الشركة الصينية نحو ضعف القيمة السوقية وليس بالضرورة أعلى قيمة جوهرية، حيث إن أرباح شركة إكسون وصلت إلى 19.5 مليار دولار بينما حققت شركة البترول الصينية 10.9 مليار دولار عن النصف الأول من عام 2007. كذلك هناك قيود على تسعير المشتقات النفطية في السوق الصيني مما يعوق حرية التسعيرة وبالتالي المرونة والعوائد.
قيمة شركة البترول الصينية تصل إلى نحو مرتين ونصف ضعف الإنتاج الإجمالي الوطني السعودي، لذلك فإن تفعيل وتنشيط هذه القيمة الكامنة قد يجعل الاقتصاد السعودي يصل إلى مدار أبعد في حجم الاقتصادات العالمية. ليس المقصود هنا ضمنيا أو ظاهريا الحديث عن تخصيص قطاع النفط. فهذا موضوعيا يجب أن يسبقه إعداد تنموي شامل لكيلا تنفصل حلقات وبنية الاقتصاد أي أن تخصيص قطاع بهذه الدرجة من المركزية في الاقتصاد دون تغيير جذري في التوجهات التنموية والقدرات التنافسية في المجتمع سوف لن يكون مجديا. المراد فقط هو إدراك أن القيمة الكامنة ضخمة ولكن تفعيلها يحتاج إلى جهود كبيرة، المسافة كبيرة بين ما لدينا وبين ما هو ممكن. علما أنه ليس هناك ما يخيف أحداً من التخصيص، فعوائد الحكومة تأتي من خلال الملكية أو الضرائب على الشركات الخاصة العاملة. أرامكو السعودية أكبر شركة بترول في العالم من ناحية كمية الإنتاج وقلة تكاليف إنتاجه، مما يعطيها بعدا آخر وقوة كامنة في عالم صناعة النفط المركزية والأجدر بنا أن نجتاز تلك الأرقام في هذه الصناعة التي نملك أكبر احتياطي فيها.
توجهات المملكة نحو التخصيص واضحة وبدأت من المشتقات البتروكيماوية ثم الآن نحو التكرير حيث سيتم طرح جزء من شركة رابغ التي تأسست كمشاركة بين شركة أرامكو السعودية وشركة سوموتومو اليابانية كما أن هناك مسعى لتأسيس شركات مشابهة مع "كونوكو فيلبس" الأمريكية و"توتال" الفرنسية و"داو" الأمريكية، كل هذه الشركات في التكرير والمشتقات والبتروكيماويات، وليس في أربح حلقة في الصناعة – استكشاف وإنتاج وتوزيع النفط الخام. هذه الخطوات تلت بيع "أرامكو" الغاز بأسعار مخفضة إلى شركات الصناعة البتروكيماوية لذلك نحن أمام توجه جيد وبطيء ولكنه مدروس لكي يصل الاقتصاد السعودي إلى درجة أعلى في سلم القيمة المضافة والتخصيص. إنها لا شك مفارقة كبيرة أن المؤشر السعودي يكاد يخلو من الصناعة النفطية عدا (شركة المصافي الصغيرة) في اقتصاد يعتمد أساسا على الصناعة النفطية.
استعراضا لتجربة شركة البترول الصينية التي لم تكن معروفة خارج الصين قبل سنوات قليلة، حيث كانت الصين تصدر النفط قبل عدة سنوات وإذ ا بها تصبح ثاني مستورد للنفط بعد أمريكا حيث اجتازت اليابان قبل سنوات قليلة. تبع ذلك التطور توسع الشركات الصينية ليس في الاستيراد بل في الاستكشاف والبحث والإنتاج، وتبع ذلك طرح جزء من هذه الشركات لزيادة رأس مالها بغرض التوسع عالميا. إحدى الشركات الصينية فازت بحق التنقيب عن الغاز في المملكة. لعل الشركات الصينية مثال يحتذى به للصناعة النفطية في المملكة، خاصة أن شركة أرامكو لديها 70 سنة من التجربة وهناك الآلاف من المختصين والخبراء والمعرفة التراكمية. لذلك حان الوقت الذي نستطيع فيه أن تنضج هذه الخبرة والمعرفة وطريقة العمل وتحويلها إلى شركات لتستطيع العمل في العالم. بدأت "أرامكو" هذا المشوار كمستثمر (في رأس المال وممد للخام) في أمريكا والفلبين واليونان وهناك محاولات في أماكن أخرى منها الصين ولكن لم تصل "أرامكو" حتى اليوم إلى درجة المنافسة العالمية في الاستكشاف والتنقيب والإنتاج عالميا؛ كذلك الشركات السعودية المبتدئة في هذا المجال لم تعط الفرصة لبناء قاعدة صلبة قبل الانطلاق إلى العالم الخارجي.
من الغريب أن تكون المحاولة الجادة لتقليل الاعتماد على النفط من خلال تحرير (إعادة النظر في الدعم) وتخصيص القطاع النفطي ودمجه وليس الاعتماد عليه كالمصدر المسيطر للمال في الاقتصاد الوطني وهنا خط رفيع بين الاثنين. تحرير هذا القطاع يحمل في طياته قدرة على المنافسة وتحويل طبيعة الاعتماد من الريع إلى الضرائب. هذه الخطوات العملية ستعطي القطاع النفطي في المملكة المركزية والقيمة الاقتصادية التي يستحقها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي