رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصناديق السيادية: غياب سعودي لافت

[email protected]

أحدى الظواهر المالية في السنوات القليلة الماضية الدور الكبير للصناديق السيادية في عالم الاستثمار حيث بلغت الأموال التي تحت إدارتها نحو تريليوني دولار. الصناديق السيادية ليس جديدة ولكنها بدأت تأخذ بعد آخر من عدة نواح، أولها التعدد والحجم، وثانيا طبيعة الاستثمار سواء من حيث مستوى المخاطرة أو نوعية الاستثمار، تشير التوقعات إلى أن هذه المبالغ ستصل إلى نحو عشرة تريليونات دولار عام 2012. تختلف الاستراتيجيات بين هذه الدول في إدارة الصناديق اعتمادا على التجربة، حجم ونمو ومصدر الأرصدة المالية، مستوى المخاطرة، مستوى الشفافية، وموثوقية المراقبة الداخلية. أغلب هذه الدول تعتمد على النفط ولكن ليس كلها فهناك دبي وأستراليا، والبعض متقدم في مستوى الشفافية مثل النرويج، والبعض يفضل السرية والتكتم على حساب الأداء والشفافية، والبعض ذو تجربة ليست كلها جيدة مثل الكويت، والبعض جديد مثل ليبيا، والبعض لا يتردد في بناء قاعدة تحليلية ومعلوماتية كبيرة مثل أبو ظبي، وبالتالي فهو مستعد لأخذ مخاطر أعلى، مثل شراء 7.5 في المائة من شركة كرلايل (صندوق استثمار مباشر) مقابل 1.35 مليار دولار، ثم تلاه شراء الصين 9.9 في المائة من شركة بلاك ستون. البعض الآخر اختار سياسية التحفظ والاستثمار على المنوال نفسه منذ أكثر من 25 سنة مثل "ساما".
في السابق اعتادت الدول النفطية على الاستثمار في أسواق الأوراق المالية في الدول المتقدمة إمعانا في التحفظ مرات، وقلة تجربة في مجال الاستثمارات الأخرى، وعدم توافر فرص استثمارية في غير الدول الغربية، ولكن خريطة النمو الاقتصادي والفرص الاستثمارية الواعدة تغيرت كثيرا. نمو الصين والهند ودول أمريكا اللاتينية وحتى بعض دول الشرق الأوسط أوجد بدائل أفضل، كذلك أسهم في هذه الظاهرة البحث عن عوائد أفضل خاصة بعد انخفاض الفوائد في الكثير من الدول ذات الأسواق المالية العميقة خاصة أمريكا.
تواجه هذه الظاهرة (نمو الصناديق السيادية حجما ونوعا) بعض التساؤلات وحتى الحذر إلى حد التدخل في البعض منها لمنعها من الاستثمار في مجالات معينة، من منطلق أن هذه الاستثمارات تسمح لدولة أخرى بالسيطرة على بعض الشركات المهمة والحصول على معلومات عن تلك الدولة مما قد ينعكس على استحقاقات الأمن القومي. فلقد شاهدنا كيف منعت أمريكا شركة نفط صينية من الاستحواذ على شركة نفط أمريكية، وكذلك منع شركة دبي للموانئ من دخول سوق الموانئ في أمريكا (ولو أنه كان من خلال شراء شركة بريطانية تمتلك هذه الموانئ) ولكن مع كل هذه التحفظات إلا أن المنافسة في جذب الاستثمارات ورفع درجة الشفافية ستتغلب على هذه التوجسات.
الغائب عن هذه التوجهات هو "ساما" حيث إن إدارة الأموال تحت مظلة بنك مركزي لا بد أن تتسم بالمحافظة وهواجس البنك المركزي في الحفاظ على أكبر قدر من السيولة، للمساعدة في إدارة الغطاء النقدي. ليس في المال شيء دون مقابل. اختارت "ساما" سياسة التحفظ على حساب الأداء واختار الفريق الاقتصادي السعودي عدم التنسيق مع حركة الاقتصاد السعودي على حساب الحفاظ على آلية قديمة (إدارة الاستثمارات المستقبلية تحت مظلة البنك المركزي)، كذلك "ساما" ودرجة من الموضوعية متوقعة من بنك مركزي اختارت تفادي الإعلام على حساب الدخول في استثمارات تصل إلى الإعلام، وأخيرا اختار الفريق البيروقراطي تفادي المخاطرة على حساب العوائد المجزية لخدمة الاقتصاد السعودي. للموظف نزعة قوية في المحافظة على المصلحة الوظيفية والدور الذي يقوم به ولذلك سيحاول ويراهن بدرجة عالية من النجاح في الحفاظ على الأنماط الإدارية نفسها. أحد أعذار الفريق الاقتصادي الضمنية أن تغيرات نوعية مثل هذه تتطلب درجة عالية من التجربة والثقة، وذكر أن هناك آخرين دخلوا وخسروا، متناسين هؤلاء أن هذه النظرة المثالية الشمولية غير واقعية، ولكنها تخدم نزعة البقاء وتفادي العمل الجاد، وحقيقة أن التنمية تنتج عن اختراقات هنا وهناك لكي تصبح سيلا جارفا إلى الأمام، حان الوقت لاستخدام جزء معتبر من الرصيد المالي لرفع درجة التكامل مع الاقتصاد السعودي من استحواذات في شركات ذات طابع تكاملي مع توجهات المملكة التنموية خاصة في الصناعة والمياه، وعين على تحسين الأداء للأجيال المقبلة.
الحل في إيجاد صندوق للأجيال المقبلة ليبدأ بـ 20 في المائة تقريبا من الاحتياطي الموجود حاليا والمقدر بنحو 300 مليار دولار، ثم تحويل جزء معتبر من الدخل النفطي (يزيد الدخل السنوي السعودي بنحو 2.5 مليار دولار لكل دولار في ارتفاع أسعار النفط) إلى هذا الصندوق. إداريا يفضل أن يكون مستقلا عن عباءة البنك المركزي (وتكون "ساما" ممثلة في مجلس الإدارة) ويكون نظامه ينص على إدارة الأموال تجاريا، وأن يكون ذا نظرة بعيدة وتكامليا قدر الإمكان مع المرحلة الاقتصادية التنموية في المملكة.
أو إداريا ما يجعلها تختلف عن هذه الدول. استخدام الرصيد فقط كآلية لإدارة السياسة المالية يقلل من دوره الاقتصادي من ناحية، ويضيّع على البلاد الفرصة البديلة الأفضل في الاستثمار. الركون على نماذج الماضي لا يتماشى مع مادة الحاضر وروح المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي