تجربة الزراعة وأمنية المربع الأول

[email protected]

يعتبر الأرز من السلع الغذائية الرئيسة عند السعوديين، ولذلك حينما اختفت كميات كبيرة منه من الأسواق السعودية.. في آب (أغسطس) الماضي.. انخفض العرض في الأسواق وارتفعت الأسعار إلى مستويات بلغت الضعف لبعض الأنواع.
هذه الأزمة في الأرز التي تعرض لها السوق السعودية طرحت بقوة قضية القطاع الزراعي في السعودية منذ تأسيس وزارة الزراعة قبل أكثر من 55 عاماً وحتى اليوم.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن الملك سعود ـ يرحمه الله ـ عند تشكيله مجلس الوزراء الجديد في عام 1953 (1373هـ) أعلن أنه أسس وزارة جديدة باسم وزارة الزراعة، وقال في معرض برنامج وزارته "إن الهدف من إنشاء هذه الوزارة هو النهوض الزراعي في كل أنحاء المملكة كافة ولدينا - ولله الحمد - مناطق زراعية لا تحتاج إلا إلى المعاونة والتنظيم حتى تؤتي أكلها وثمرها، حيث تغذي بلادنا ويمكنها أن تعاون في تغذية بلاد أخرى بعد ذلك - إن شاء الله".
كان الملك سعود فرحاً جزلاً بإنشاء وزارة الزراعة وكان يأمل من وزارة الزراعة أن توفر القوت لشعبه لأنه كان يؤمن أن من ملك قوت يومه فإنه ملك قراره واستقلاله ومستقبله، بل كان الملك سعود متفائلاً بوزارة الزراعة أكثر من اللازم وكان يتطلع أن تكون المملكة دولة تغذي نفسها ثم تغذي دول الجوار بمحاصيلها الزراعية الفائضة، وحينما أعلن الملك سعود عن الوزارة الجديدة كان قد استلم لتوه مقاليد الحكم بعد وفاة والده المؤسس الملك عبد العزيز ـ طهر الله ثراه - وكان يريد أن يقدم نفسه إلى الشعب من خلال مجموعة من المشاريع الواعدة ومن أهمها إنشاء وزارة للزراعة توفر للشعب احتياجاته الزراعية والحيوانية واللبنية وتقيه غائلة الجوع والفقر والعوز، وكانت الظروف في ذلك الوقت تستدعي اتخاذ هذه الخطوة، حيث كانت الدول الصناعية تهدد دول المنطقة بحرمانها من تصدير السلع الغذائية لها، وكان الملك سعود له نزعة أبوية طاغية تجاه شعبه وكان ـ بمصداقية عالية ـ يعتبر الشعب كله أبناءه، ولذلك كان من الملوك الحريصين جداً على راحة الشعب وتوفير العيش الرغيد له، ولذلك كان كثير الزيارات الميدانية لمدن وقرى وهجر المملكة، وحينما كنت يافعاً رأيت الملك سعود يمشي على قدميه مع الناس في جنازة الشيخ محمد الطويل أحد أعيان مدينة جدة.
ومرت 20 عاماً على إنشاء وزارة الزراعة ولم يحدث جديد في الزراعة السعودية بل ارتفعت الكميات المستورة من السلع الزراعية والحيوانية من الغرب والشرق، ونذكر جميعاً أنه حينما اندلعت حرب السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973 اتخذت المملكة قراراً بحظر النفط عن أمريكا وأوروبا وجاء على عجل إلى المملكة الوزير هنري كيسنجر وقابل الملك فيصل ـ يرحمه الله - وطالبه برفع الحظر عن النفط وهدده بحظر السلع الغذائية إذا استمر حظر النفط، ورد عليه الملك فيصل بعبارته الشهيرة، إن الشعب السعودي سيستغني عن المعلبات وسيعود إلى التمر واللبن أكل الآباء والأجداد.
والآن مضى على إنشاء وزارة الزراعة التي بشر بها الملك سعود ـ يرحمه الله ـ نحو 55 عاماً أي أكثر من نصف قرن والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل حققت وزارة الزراعة ما بشر به الملك سعود، أم أننا ما زلنا نقف في المربع الأول.. في المكان نفسه الذي تركنا فيه الملك سعود ـ يرحمه الله؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال نؤكد أن أموراً كثيرة ـ بالنسبة للقطاع الزراعي ـ تحتاج إلى مراجعة وتحتاج إلى شفافية ونزاهة.
إن التشريعات والسياسات التي أقرتها الحكومة للنهوض بالقطاع الزراعي عديدة، وكثيرة كما أن سياسة الإعانات للسلع الغذائية التي كلفت خزانة الدولة مليارات الريالات وبالذات القمح والشعير، كان المفترض أن تؤتي أكلها ضعفين، ولكن للآسف فتحت بعض السياسات المجال أمام المستغلين للدخول في مجال لا يخصهم وإنما دخلوا هذا المجال للكسب غير المشروع ولذلك كانت النتائج سلبية وعاجزة عن النهوض بقطاع الزراعة.
صحيح أن التقدم في القطاع الزراعي ضئيل جداً في كثير من الدول وبالذات الدول النامية ولكن صحيح أن التقدم هائل في دول كثيرة.
دعونا نستخدم الأرقام ونعود إلى أرقام الميزانيات التقديرية السنوية التي رصدتها الحكومات السعودية للنهوض بقطاع الزراعة طوال الـ 55 عاماً الماضية، إن متوسط ما تم اعتماده لوزارة الزراعة طوال هذه المدة هو مبلغ 27.500.000.000 مليار ريال فقط مبلغ وقدره سبعة وعشرين مليار وخمسمائة مليون ريال تقريباً، بمعنى أن هذا المبلغ لو وضع في المكان الصحيح لحول أراضي السعودية إلى سندس وإستبرق ولو تم هذا على الوجه المطلوب لكانت الأرض قد لبست خضرة يانعة وجمالا أخاذا ولاستطاع الشعب أن ينعم بهذه القدرة غذاً وجمالاً، ولكن للآسف فإن الواقع الحالي لا يسر كثيراً لأن الزراعة عند رجال الأعمال هي قضية استيراد وليست قضية إنتاج وتصدير، وأمام ذلك فإن أسواق الخضار مفتوحة على مصراعيها للمنتجات الزراعية من كل دول العالم من البرازيل ثم أمريكا وحتى مصر ولبنان والأردن، وهكذا أصبحت السعودية من أكبر الدول المستوردة وليست المصدرة للمحاصيل الزراعية والحيوانية، والآن وبعد أن حكمتنا اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لا نعرف إلى أين سيتجه قطاع الزراعة؟!
ومن المفارقات المذهلة بين وزارة الزراعة وغيرها من الوزارات التي نشأت مع وزارة الزراعة.. المقارنة بين مخرجات وزارة الزراعة مع مخرجات وزارة المعارف ووزارة المواصلات.
إن وزارة المعارف نشرت التعليم في كل أنحاء المملكة حتى ارتفعت المدارس فوق قمم الجبال وانتشرت في القرى والهجر قبل المدن وأصبح التعليم مجاناً لكل مواطن ومواطنة.. حتى التعليم الجامعي الذي كان قبل إنشاء وزارة التعليم العالي ضمن منظومة وزارة المعارف.. أصبح متاحاً ومدفوعاً له للطلاب المجتهدين، واستطاعت هذه الجامعات التي بلغت أخيراً الـ 20 جامعة أن تخرج ملايين الكوادر التي تقوم الآن بمسؤولية إدارة وتنفيذ برامج التنمية المستدامة في كل أنحاء الوطن الغالي، أما وزارة المواصلات فقد استطاعت أن تنفذ أكبر شبكة طرق في الشرق الأوسط ووضعت المملكة في مصاف الدول العظمى بالنسبة لأطوال الطرق وجودتها.
إذاً نحن نحتاج إلى فتح ملفات المساءلة حول وزارة الزراعة، وأتمنى من الإعلام وبالذات الصحافة أن يتجه إلى الوزراء ويدير معهم حوارات قد تساعد الوزراء الذين سيكلفون بحقيبة وزارة الزراعة في المستقبل أن يستفيدوا من التجارب السابقة ويأخذوا من زملائهم السابقين الدروس والعبر ولعلهم حينئذ قادرون على تحقيق أمنية الملك سعود ويحدثوا نقلة للزراعة السعودية، كما حدثت نقلات في المواصلات والاتصالات والتعليم وفي مجالات أخرى مازال المواطن ينعم في ظلالها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي