رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بين التنافسية والقوة الاقتصادية

[email protected]

أصبح تطبيق مفهوم التنافسية مرادفا لنجاح الاقتصاد في الكثير من الدول المتقدمة اقتصاديا، وأصبح تفسير التنافسية الاقتصادية مرتبطا بشكل كبير بما يحتاج إليه اقتصاد الدولة للنمو واستمرار النمو، بمعنى أن البيئة الصحية في الاقتصاد هي انعكاس للعمل الشامل لقطاعات الاقتصاد كافة.
ما دعاني إلى كتابة هذا المقال هو ما كتبه رونالد بيلي في "الوال ستريت جورنال"، حينما ذكر أن إنتاجية المهاجر المكسيكي إلى أمريكا تزيد بنسبة خمسة أضعاف عن إنتاجيته في المكسيك؟
والإجابة هنا ليست لأن أمريكا تملك معدات صناعية أحدث أو لأن الموارد الطبيعية في أمريكا أكثر منها في المكسيك، ولكن السبب يعود إلى أن العامل في أمريكا لديه مدخل إلى ما قيمته 418 ألف دولار من الثروات غير المحسوسة بينما لا تزيد على 34 ألف دولار في المكسيك.
ولكن ما نعني بالثروات غير المحسوسة ؟ وماذا تعني للاقتصاد؟
قام البنك الدولي بإجراء دراسة حول ثروات الدول تحت عنوانWhere is the Wealth of Nation?، وبعد أن قامت الدراسة بتقييم قيمة مشاركة تلك الموارد في الناتج المحلي لأي اقتصاد، توصلوا أن هناك قيمة غير محسوبة في الفرق بين الدخل المحلي ومجموع وارداته هو ما اصطلحوا على تعريفه بالثروة غير المحسوسة ومنها جودة النظام القضائي وثقة الناس فيما بينهم وحقوق الملكية الفكرية وغيرها من الأنظمة والقوانين التي يتميز بها اقتصاد عن آخر. هذا التميز بين الاقتصاديات المختلفة ينعكس بشكل مباشر على إنتاجية الموظف وبذلك ينعكس على مجموع الدخل القومي للاقتصاد. وخلصت الدراسة إلى أن رأس المال البشري ونظام الحياة يمثل أكبر قيمة في الدخل القومي، بمعنى أن وجود بيئة صحية على مستوى الاقتصاد (الأنظمة والقوانين) ينعكس على الإنتاجية الفردية والجماعية بشكل ترى نتائجه على مستوى الاقتصاد الكلي. الخلاصة هي أن الدول الغنية أصبحت غنية وقوية بسبب مستوى تنافسية البيئة الاقتصادية بما فيها جودة المنشآت الحكومية والتنظيمية والقضائية التي تمثل أطر الحياة العامة للناس.
واستنادا إلى الدراسة، فإن النظام القانوني للحياة على سبيل المثال يمثل 57 في المائة من قيمة الثروات غير المحسوسة والتعليم يمثل ما قيمته 36 في المائة من تلك الثروة، وهنا لا غرابة في أن النظام الصحيح يخلق بيئة صحية تساعد على الإنتاجية والتطور، وهي في الوقت نفسه تفتح المجال أمام تطور النظام التعليمي الذي يضمن استمرار الاستفادة من المعطيات الحالية ويساعد على البناء المستقبلي على مستوى الموارد البشرية.
ولن أدخل كثيرا في تفاصيل الدراسة والتي استخدمت المئات من المتغيرات الاقتصادية التي جزء منها يستخدم في بعض دور الأبحاث العالمية وجزء منها يربط عوامل متعددة للوصول إلى المؤشرات الاقتصادية المستخدمة في الدراسة، ولكن بعض الإحصائيات التي خرجت بها الدراسة تؤكد على مفاهيم واضحة قد نعرفها ولكن لا نحسها بشكل يومي في الحياة العملية الاقتصادية. فنحن نعرف نظريا أن البيئة الصحية (قانونيا ومدنيا وسياسيا... إلخ) تعطي نتائج اقتصادية أعلى كثيرا مما تعطيه من البيئة التي يعفنها الفساد و تخنقها البيروقراطية و تحجمها غياب الأنظمة القانونية. ولكن الدراسة أعطت الكثير من المقارنات لمستوى الثروات غير المحسوسة لبعض الدول المتقدمة مقارنة ببعض دول العالم الثالث أو الرابع. ولذلك فإن الموارد الطبيعية في اقتصاد أمريكا على سبيل المثال لا تمثل أكثر من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بمعنى أن القوة الاقتصادية الأولى في العالم اعتمدت وتعتمد على الثروات غير المحسوسة التي تتمثل في الأنظمة والقوانين.
ختاما: فإن دراسة البنك الدولي تعيد التأكيد على أن البيئة التنافسية الصحية في الاقتصاد هي نتاج العمل الشامل لقطاعات الاقتصاد كافة ليشمل عائدها جميع مكونات الاقتصاد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي