التوازن في التعليم العالي
تشهد خريطة التعليم العالي في المملكة تغييرا سريعا وجذريا على المستوى الكمي والنوعي. فبعد أن كان لدينا قبل فترة قصيرة سبع جامعات فقط، أصبحنا نتحدث اليوم عن 23 جامعة حكومية ناهيك عن الجامعات والكليات الأهلية. ومن المعروف أن التغيير السريع يصاحبه عادة بعض التحديات، ولعل أول هذه التحديات تكمن في إدارة عملية التغيير بطريقة تحافظ على التوازن بين الجودة وتحقيق الرغبة. فبينما هناك ضغط شعبي كبير لتوفير القبول للطلاب من جانب، فإن هناك أمرا ملحا على الجانب الآخر هو توفير التعليم العالي الجيد, وفي التخصصات المطلوبة والمرغوبة أمرا ليس بالأمر السهل. فالنجاح على مستوى التعليم العالي يعني تحقيق التوازن بين هذين الأمرين دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وبعبارة أخرى، فإن التوسع الحاصل في تأسيس الجامعات يجب أن يأخذ في الحسبان هذا التوازن، فالتوسع السريع، وإن كان محموداً، إلا أنه يثير بعض التساؤلات ويتطلب عدة ضوابط للمحافظة على السمعة الجامعية.
ومن التساؤلات التي يجب أن تثار مسألة الجمود السائد في سياسة التعليم العالي خلال الأعوام السابقة. فبينما كانت الإحصائيات والتوقعات المستقبلية توحي بضرورة مواجهة الطلب المتوقع على التعليم العالي، كان هناك بطء في مواجهة هذا الطلب المتزايد من قبل أصحاب القرار في التعليم العالي حتى انعكس هذا سلبا على شريحة كبيرة من الطلاب ممن لم تقبلهم الجامعات أو ممن قُبلوا في تخصصات غير مرغوبة وغير مطلوبة. ولعل هذا البطء مما حدا بالتوسع السريع في تأسيس الجامعات أخيرا، ومما حدا أيضا بالتوسع في البعثات الخارجية. أعتقد أنه من الضروري دراسة هذه الحالة ومسبباتها، بل والمحاسبة على ضوءه.
أما الضوابط التي يجب العمل على غرسها في الجامعات الجديدة بالذات فهو الحرص على جودة مخرجات التعليم العالي. فالخوف أن يطغى الجانب الإعلامي على الأمر دون التركيز على الجوهر. إن ما يخشاه الأكاديميون أن تستمر الجامعات الجديدة بحكم الحداثة وبحكم الإرث التاريخي في السياسات والممارسات السابقة نفسها لتحويلها إلى جامعات. فكثير من الجامعات الجديدة كانت في الأصل كليات مستقلة أو كليات إقليمية تتراخى أكاديميا بسبب البيئة الضيقة التي تعمل فيها. ومن الأمور التي تحتاج إلى عناية في التعليم العالي ضبط البرامج الأكاديمية المدفوعة الثمن. فالتوسع في البرامج المدفوعة الثمن في جامعات حكومية تعمل أساسا وفق سياسة التعليم المجاني سيربك تلك الجامعات من الناحية الإدارية ومن الناحية الأكاديمية على حد سواء. فالناحية الإدارية والتشغيلية تعني وجود نظامين للتعامل مع طلاب يفترض أنهم يدرسون الدرجة العلمية نفسها. أما الناحية الأكاديمية، وهي الأهم، فهي المعايير التي سيقبل بها طلاب البرامج المدفوعة والمعايير التي سيخضعون لها خلال دراستهم. وفوق هذا كله يبقى سؤال لا بد من طرحه وإمعان النظر فيه قبل الإجابة عنه ألا وهو: هل نحن فعلا في حاجة إلى تخصيص التعليم العالي وبهذه الطريقة في بلد ينفق وبسخاء على مؤسسات التعليم العالي!! إن تجربة تخصيص التعليم العام من خلال المدارس الخاصة، على الرغم من اختلافها، تثير عددا من المخاوف حول جدوى التوسع في تخصيص التعليم العالي سواء من خلال الجامعات والكليات الأهلية أو من خلال البرامج المحددة.