اقتصاد الفن
اذا استثنينا سوق "الأغاني" من أشرطة الكاسيت إلى أسطوانات "السي. دي" والذاكرات الإلكترونية في الحواسيب وأجهزة (البود) فلن نجد سلعة فنية رائجة تشكل وزنا نوعيا في تكوين ثروة اقتصادية فنية وطنية.
نعم هناك في سوقنا أشرطة وأسطوانات الأفلام للفيديو والحواسيب من مختلف المصادر العربية والأجنبية وهي تشكل دخلا ضخما لا يستهان به، وهناك مثلها من الإصدارات الغنائية التي تأتي من كل حدب وصوب وتستهلك على نطاق واسع بنهم كبير، إلا أن الأفلام والأغاني غير المحلية رغم ما تمثلانه من مبيعات هائلة وما تدرانه من ثروة طائلة لا يمكن أن تشكل علامة إيجابية في قوام الاقتصاد الوطني الفني بحد ذاته.
المصادر الاقتصادية الفنية الأخرى والمهمة كالسينما والدراما بشكل عام بقيت في إطار المحاولات المتقطعة وبرؤوس أموال غير قادرة على صناعة اقتصاد فني، فالشركات الفنية التي قام بتأسيسها بعض الفنانين من الممثلين والمخرجين مدفوعين بحماسهم الذاتي سرعان ما أصابها الإحباط منذ الخطوات الأولى.. فمحاولة إنتاج فيلم سينمائي كانت تحيط بها المحاذير والممانعات الإعلامية، فضلا عن تعذر التمويل القادر على توفير الإمكانات الفنية والبشرية لإنتاجه، ومثل ذلك كان يحدث في حالة محاولة إقامة عمل مسرحي، فالمصاعب جمة تبدأ من عدم توافر المكان المناسب للعرض والشروط المحيطة بالعرض نفسه ولا تنتهي بالتمويل والكوادر البشرية ناهيكم عن العوائد المادية التي هي في الغالب خسائر موجعة.
لذلك بقيت صناعة السينما وإنتاج الدراما السعودية والمسرح مجرد فزعات هواة تكبدهم خسائر ولا تدر أي عوائد اقتصادية رغم أن عدد الفضائيات الموجهة لبلادنا من الكثرة بحيث إن بإمكانها التهام ما لا يخطر على البال من الأعمال الدرامية السعودية لو كانت موجودة.. لكن لا الفضائيات سعت إلى دعم القطاع السينمائي السعودي أو حتى هواة الدراما من السعوديين ولا أهل القطاع الخاص عندنا وجدوا في أنفسهم ميلا للاستثمار في هذا الاتجاه. وهكذا بقيّ الاقتصاد الفني السعودي كسيحا سيدته أشرطة الأغاني ولا غير فيما مصدر الثراء الحقيقي وهو الدراما سواء في السينما أو في التلفاز ما زال خارج المشهد.
لا نعتقد أن المسألة تتعلق بالرقابة على المصنفات الفنية، بدليل أن سوقنا تحتوي على أعمال جرأتها ليست في وارد المجاراة من قبل الفنانين السعوديين سواء ما هو من بضاعة الغرب أو حتى من بضاعة السينما المصرية، الشامية، الهندية وسواها.
المسألة في الأساس أن صناعة السينما لدينا ليست ثقافة مجتمع ولا تقاليد استثمارية.. فالسينما لم تكن حالة ثقافية محلية والمستثمرون السعوديون لم تكن تجارة الفن في ذهنهم على الإطلاق عدا أولئك الذين اكتفوا من صناعة الفن بافتتاح فضائية هنا أو هناك، غير أن ذلك ينبغي ألا يقودنا إلى الإصرار على أخذ التقاليد وذهنية الاستثمار كحجة لإدارة الظهر لمجال اقتصادي ثري مكنوز في عالم المسرح والدراما والسينما بشكل عام. وطبعا نحن لا نحلم بأن تكون لدينا صناعة سينما مثل هوليوود في أمريكا، لكن ما الذي يمنع من أن تكون لدينا شركات فنية برؤوس أموال ضخمة تتولى إنتاج أعمال درامية نوعية توزع في الداخل والخارج وتغذي أغوال الفضائيات التي تعاني التصحر الفني والضحالة أو الاتكاء على الجاهز المكرور الممجوج من المنتج الأجنبي والعربي.
إن تجربة "طاش" وهيفاء المنصور، وقبلهما محمد العلي والمفرح والهذيل ولطفي زيني وغيرهم من جيل الشباب ممثلين ومخرجين تؤكد دائما أن الإقبال على المنتج الفني السعودي حين يتمتع بقدر من الجودة له جمهور واسع عريض يتلهف عليه ويقدمه على سواه من إنتاج، فلماذا نصادر هذا الميل الشعبي الذي هو السند الفعلي لاقتصاد غائب لن يأتي فقط من خلال مبيعات الأفلام لقنوات التلفزة أو عروضها في الصالات، وإنما أيضا من خلال ما سيترتب على ذلك من تجارة الدعاية والصناعة المصاحبة بمختلف الأشكال والوسائل.. ولنا في السينما الأمريكية وما يحيط بها من صناعات مساندة مثال على قدرة الفن على توليد اقتصاد ثقيل الوزن أقض مضجع دول متقدمة مثل فرنسا.. فهل أزفت ساعة الاقتصاد الفني؟!