تأخير البت في القضايا .. الواقع والحل
لم يكن التقاضي يأخذ وقتاً كثيراً في العهد النبوي, بل كان إنجاز الدعاوى, وإنهاء مشكلات الخصوم لا يتجاوز إلا دقائق, وربما لحظات, فهاهو كعب بن مالك لما تقاضى ديناً له على ابن أبي حدرد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد, وارتفعت أصواتهما (خرج إليهما رسول الله حتى كشف سجف حجرته, ونادى: يا كعب بن مالك, وأشار بيده أن ضع الشطر من دينك قال: قد فعلت يا رسول الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم فاقضه) وهكذا لم يأخذ سماع الدعوى, واستيعاب القضية, والقضاء بالصلح, والنطق بالحكم, سوى الإشارة باليد, والأمر بتنفيذ الحكم لحظة النطق به! وقضاء الأمس وإن لم يكن كقضاء اليوم, من حيث قلة المتخاصمين, ووضوح القضايا, وبساطة جنسها ونوعها, إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان هو الحاكم, وهو المفتي, وهو القاضي, وهو المعلم والمربي, وهو قائد الجيوش, وقبل ذلك وبعده رسول الله وخاتم النبيين, ومع ذلك لم يكن هذا مانعاً من أن يعيش هموم أصحابه, وأن يسارع إلى رأب الصدع بالقضاء بالعدل, وبالصلح بين المتخاصمين بأسهل أسلوب, وأقرب طريق, ولهذا كان التعجيل في الفصل بين المتنازعين مقصداً من مقاصد الشارع, حيث إنه يعيد الحق إلى نصابه, ويحجز الظالم عن الظلم, وينزع فتيل العداوة والبغضاء بين المتخاصمين, ويدفع التهمة عن القاضي, فلا يلوكه الناس بألسنتهم بكونه عاجزاً عن القيام بوظيفة الفصل في القضية, أو متحيزاً مع هذا الخصم أو ذاك.. إلخ, ولهذا قال ابن عاشور:"التعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها.. مقصد من السمو بمكانة, فإن الإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعينه بأكثر مما يستدعيه تتبع طريق ظهوره, يثير مفاسد كثيرة"أهـ. ومن هذه المفاسد التي أشار إليها ابن عاشور التونسي: أن يسارع الناس إلى تحميل القضاة والمحاكم وزر التأخير في إصدار الأحكام, وهكذا كان!! وهنا أتساءل كما يتساءل غيري: هل يوجد لدينا فعلاً تأخر في إصدار الأحكام القضائية بالمحاكم, وهل القاضي وحده من يتحمل وزر هذا التأخير؟ والجواب: إنه لاشك في وجود تأخر في إصدار كثير من الأحكام القضائية, إلا أن الحياد والإنصاف يقضيان بأن لا نحمل القاضي وحده هذا الوزر, بل يبوء به أطراف متعددة, ويمكن تلخيص أبرز أسباب تأخير البت في القضايا, وأسلوب علاجها أو الحد منها في النقاط الآتية:
1- عدم التحضير للقضايا المعروضة, وحضور القاضي إلى المحكمة خالي الذهن, مما يضطر القاضي إلى تأجيل النظر في القضية بعد كل جلسة, وهذا يمكن علاجه بالتحضير الجيد لكل قضية, والاستعداد التام لكل محاكمة, وذلك قبل الحضور إلى المحكمة, أو قبل جلسة القضاء على أقل تقدير.
2- عدم تخصص القاضي في نطاق معين من القضايا, ما يجعله مشتت الذهن, قليل التركيز, وقد حل النظام الجديد هذا الإشكال, بفتح محاكم متخصصة, تحصر نظر القاضي في قضايا محددة.
3- قلة القضاة مع كثرة القضايا, وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القاضي في بلدنا يقوم بأضعاف أضعاف ما يقوم به قضاة الدول المجاورة, فضلاً عن غيرهم. وهذا يمكن علاجه على المدى البعيد بمضاعفة ترشيح الطلاب للقضاء, مع عدم التفريط في المعايير التي تضبط هذا الاختيار, بحيث لا يطغى الكم على الكيف, وهذا يقودنا إلى السبب الآتي.
4- ترشيح طلاب غير مؤهلين للقضاء, وهذا يمكن علاجه بوضع ضوابط صارمة تحمي من اختيار الطالب البليد, الذي يجيد الحفظ, ولا يحسن الفهم! كما يمكن الحد من هذا الداء برفع مستوى التأهيل لهؤلاء الطلاب عبر الدراسة النظامية, والدورات القضائية المتخصصة, وبالزيارات المتعددة للدوائر الحكومية ذات الصلة بالقضاء.
5- تأخر بعض الجهات ذات العلاقة في إجابة المعاملات الصادرة من المحكمة, وهذا يمكن علاجه بكسر الرتابة, من خلال التنسيق مع الجهات المعنية؛ لوضع آلية معنية, تكبح جماح الروتين الممل, وتسهم في تسريع المعاملات الخاصة بالمحاكم.
6- مماطلة بعض الخصوم أو غيابهم, وهذا يمكن علاجه بالتطبيق الصارم لما يقضي به نظام المرافعات الشرعية, وذلك بتحديد المهل المناسبة, وإصدار الأحكام الغيابية, وشطب الدعوى.., ونحو ذلك مما يحد من اللدد, ويمنع من المماطلة.
7- تحايل بعض الخصوم بالدعاوى الصورية, أو الكيدية, وهذا لا يمكن علاجه إلا بتعزير أصحاب مثل هذه الدعاوى التي تلحق الضرر بالناس, وتطيل أمد الترافع, وتشغل المحاكم بالنظر فيما لا طائل من ورائه, سوى إشغال القضاة, والإضرار بالناس, وجلب مصالح شخصية للخصمين أو أحدهما, ولهذا كان نظام المرافعات صارما تجاه هؤلاء المتلاعبين, بإعطاء القاضي صلاحية التعزير بما يردع أصحاب هذه الدعاوى, وهذا الإجراء من شأنه أن يقلل بشكل كبير من حجم القضايا المعروضة في المحاكم لو تم تفعيله كما نص عليه النظام.
8- ضعف العناية بالتقنية الحديثة في إنهاء إجراءات كثير من المعاملات, وإشغال القاضي بأمور روتينية يمكن أن تسند لغيره من الموظفين, وهذا يمكن علاجه بتسريع عجلة التقنية الحديثة في أروقة المحاكم, وبتوظيف العدد الكافي من الموظفين في مكتب القاضي, وباستقطاب الأكفاء لتعيينهم في الأماكن المهمة ككتابة الضبط, بحيث يمكن للقاضي أن يعتمد عليهم, وأن يتفرغ لما هو أهم وأخطر.
وأخيراً أحب أن أنبه هنا: بأن تأخير البت في القضايا ليس ظاهرة محلية, ولا ظاهرة عربية, بل هو ظاهرة عالمية, يشكو منها الكثير من الأمم والشعوب, ويضج منها العديد من المناطق والدول, وليس سراً أن كثيراً من الأحكام القضائية تستمر في بعض الدول العربية والغربية لشهور, وأحياناً لسنوات عدة!! ومن الغريب حقاً أن قضية من القضايا لبثت في إحدى محاكم البلدان العربية ثلاثاً وثمانين سنة وخمسة أشهر, حتى انقرض من الأسرتين المتخاصمتين بطنان!! ولو نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الدولة التي تتجه إليها بعض الأنظار, لوجدنا - على سبيل المثال - أن محاكمة المواطن السعودي (الإنسان) حميدان التركي قد استمرت لأكثر من سنة في قضية تافهة, بل ملفقة! وهذا لا يعني أبداً التهوين من شأن تأخير البت في قضايا الخصومات, ولا إعطاء مسوغ أو مبرر لهذا النوع من التأخير, ولكنه مجرد إشارة لما يعيشه واقعنا المعاصر من خلل ظاهر في مجال تحقيق العدل, ودفع الظلم أو رفعه, حتى ممن يتباهى بالقضاء العادل والنزيه, وبالدفاع عن حقوق الإنسان!