رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مزايين الإبل وثقافة الاقتصاد الاستهلاكي..!

[email protected]

لا شك أننا مدعوون في السعودية للاهتمام بالإبل كأحد مصادر الثروة الحيوانية وكرمز وطني تماما كما الكنغر لأستراليا والباندا للصين، إلا أن ظاهرة تنظيم احتفالات مزايين الإبل لاختيار أجملها أمر محير وغريب من ناحية أنها في الأصل للركوب والترحال وأكل لحومها وشرب ألبانها، وليس لاستعراض جمالها. ومما يزيد من الطين بلة أن التظاهرة تحولت من مجرد هواية يمارسها البعض إلى ارتباطها بالقبيلة والمفاخرة والعصبية ما يشكل عودة لثقافة الحمية القبلية الجاهلية. وكان التواصل العائلي والقبلي أمرا محمودا من باب صلة الأرحام التي أوصى بها الدين الحنيف إلا أن الخروج بها من هذه الدائرة إلى دائرة المفاخرة والدعوة بدعوى الجاهلية فهذا ما لا يحمد ولا يقبل. ولا أدل على هذه المفاخرة الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تضيف إلى التحضر الاجتماعي ولا التنمية الاقتصادية من تركيزها على شكل الجمال وليس زيادة أعدادها والحفاظ عليها. إن ما يعجب له أنه في ظل الإسراف غير المبرر على هذه المسابقات التي تصل إلى ملايين الريالات تموت الجمال في شمال وجنوب وشرق وغرب السعودية ولا يكاد أحد يعلم السبب أو يجد حلا لهذه الكارثة التي تصيب الثروة الحيوانية في مقتل. هل يعقل أن تصرف مئات الألوف من الريالات على مسابقات "الجميلات" من الإبل ليصل الترف والإسراف إلى مستوى تعطيل العقل وفقدان الحكمة وإعمال العاطفة لتحل المفاخرة والتباهي بأشكال الإبل وكأن هؤلاء القوم هم من قاموا بتجميلها أو كأن لهم يدا في جمال أشكالها أو أن هناك قيمة اقتصادية مضافة أو فكرا إبداعيا أو ابتكارا جديدا نغزو به العالم ونسيطر عليه. ألم يكن من الأجدر دفع تلك المبالغ الكبيرة لإنشاء مختبرات ومستشفيات ومراكز بحث بيطرية تسهم في تنمية الثروة الحيوانية وتحافظ عليها وتوقف أزمة نفوقها؟ الم يكن من الأجدر صرف المبالغ على جائزة للبحث العلمي وتطوير عقاقير بيطرية تعالج مشكلة نفوق الجمال! إنها الجاهلية التي تضرب في جذورها أعماق من يرى النخوة والولاء الأعمى والعصبية للقبيلة أسمى غاية وأعلى وسام ولا شيء غير ذلك. وهكذا يتهافت أفراد القبيلة على المشاركة بدافع دعوى الجاهلية والانتماء القبلي الذي يعلو ولا يعلى عليه. إنه الفراغ الأجوف من داخل أولئك الذين يختبئون تحت عباءة الانتماء القبلي بحثا عن إنجاز وهمي سهل اسمه العرق والأصل والحسب والنسب من دون جهد واجتهاد ولا إعمال للعقل ومن دون إسهام في المعرفة الإنسانية أو مشاركة في إعمار الأرض. إنها مصيبة عظمى أن ترى في عصر العولمة والانفتاح والتنافس الاقتصادي الشديد بين أمم الأرض وسعي المجتمعات الحثيث لزيادة إنتاجها والحرص على التميز بالجودة، هذه العقلية البالية والتفكير السقيم من الانكفاء على الذات والتصور الضيق بالاعتقاد بأنهم محور العالم وأنقى شعوب الأرض قاطبة. هذا ما يبرر اندفاع الكثيرين بل التهافت على دفع مبالغ طائلة لتسجيل حضور في تنظيم احتفالية مزايين الإبل للإعلان عن الانتماء القبلي والتأكيد لعضويته الشرفية في جانبه القبيح الذي يجعل من الفخار في الانتماء فقط معيارا أساسا في الخيرية والتفاضل بين الناس.
وحقيقة الأمر أن مسابقات مزايين الإبل تأتي انعكاسا للثقافة الاقتصادية التي تسيطر عليها ثقافة الوفرة ممزوجة بثقافة التباهي والتفاضل والتمايز بين الناس. فها هي مظاهر البذخ والإسراف مشاهدة في المجتمع من حفلات الأعراس إلى تضخيم المساكن إلى الإسراف في المأكل والمشرب والملبس وغيرها من أمور الحياة. لقد أصبح مفهوم الاقتصاد والرشد في الإنفاق أمرا منبوذا ينعت صاحبة بالبخل! ليتحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي مبذر لا يربط بين الإنفاق والمنفعة والمفاضلة بين أوجه الإنفاق المختلفة، كيف ذاك والبعض لا يحسن تحديد الأولويات ولا وضع ميزانية تكون قيها إطارا لصنع قراراته الحالية والمستقبلية. وهكذا يكون سلوك معظم الناس ردود أفعال وتقليدا أعمى لكل صيحة جديدة أو اتباعا لكل تقليعة غريبة دون أدنى وعي وإدراك. لقد أصبح أكثر الناس يهتم بالشكليات والمظاهر الخداعة والاهتمام لرأي الآخرين وهكذا يسلبون إرادة التفكير وحرية الاختيار دون دراية منهم يتلبسهم هاجس مجاراة الآخرين والحرص على ألا يبدون أقل من الناحية الشكلية عن غيرهم. الكثيرون لا يجرؤون على تطبيق الاقتصاد والرشد في الإنفاق في حياتهم لأن تقييم الناس فيما بينهم يكون على أساس نوع الملبس والمسكن والمركب والتمادي في الإسراف ! لم تعد الإنتاجية والجد والاجتهاد والتميز في العلم وطلبه أو العمل ومهاراته أمرا أساسيا. إنها معضلة كبيرة أن نطلب من شبابنا الجدية في الدراسة والاجتهاد في العمل واحترام الوقت والقانون والاعتماد على النفس وتحقيق الإنجاز وفي الوقت ذاته نرسل رسائل خاطئة عبر نظامنا الاجتماعي الذي يركن إلى محاباة الأقارب والتفاضل على أساس قبلي أو عائلي والتقييم بناء على المعارف. كيف يسوغ أن يرتكز الحديث على حجم المخيمات وعدد الولائم وعدد السيارات التي تقدم كجوائز في مسابقات مزايين الإبل دون أن يكون هناك هدف اجتماعي أو اقتصادي يراد تحقيقه؟ هناك عدة تساؤلات يصعب الإجابة عنها، على سبيل المثال: لماذا مسابقة مزايين الإبل؟ ولماذا حمى تكرارها؟ ولماذا بدأت كل قبيلة تنظم احتفالية خاصة بها؟ قد لا يكون من العدل تحميل هذه الظاهرة أكثر مما تحتمل إلا أنها لا شك تقود إلى إثارة النعرات القبلية وإحياء العصبية القبلية، بينما كان من المفترض التوجه نحو خلق مجتمع تنصهر فيه الاختلافات وتذوب فيه الفروقات ويكون المعيار أساسه القدرة على الإسهام فيما يحقق المصلحة العامة ويفيد المجتمع ويرفع شأن الأمة. هذا لا يعني التخلي عن القبيلة أو العائلة أو أنه ليس هناك ايجابيات وأخلاق عظيمة وعادات كريمة وتقاليد نفخر بها، وإنما التأكيد هنا على أن المفاخرة بالانتماء مبنية على التميز في العمل وتقديم المفيد والإنجاز. لقد كأن من الأجدر أن تكون هناك احتفالية لتكريم المميزين من أبناء القبيلة تشجيعا للحرص على التميز والجد والاجتهاد في تنافس شريف مع الآخرين للتطوير ونقل المجتمع إلى مستويات أعلى من التقدم والتحضر. وإن كنت لا أرغب الإفصاح عن انتمائي لوهبة تميم إلا أنني مضطر لذكر ذلك لأحدث البعض بما يفقهونه حتى يأخذوا حديثي محمل الجد وليعلموا أن هناك من أبناء القبائل الذين يفاخرون بعلمائهم ومثقفيهم وطلابهم وصناعهم ومهنييهم ومخترعيهم وليس بمزايين الإبل. لقد حان الوقت في أن نستثمر الانتماء القبلي في الدفع نحو الاتجاه الصحيح الذي يثري التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتكون عاملا مساعدا وعنصرا مؤثرا في التغيير نحو الأفضل لينعم الجميع باقتصاد قوي ومجتمع متماسك وأفراد يسعون للإنجاز وتحقيق النجاحات في الميادين كافة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي