أزمة الإقراض العقاري بركان لم نشاهد سوى غباره .. وثورته هي إعلانات إفلاس
كشفت التقارير التي تناولت الأزمة التي تعصف بأسواق المال العالمية، نتيجة انكشاف سوق الائتمان العقارية في أمريكا، أن ما نتج عن الأزمة لا يعدو كونه غبار "بركان" ينتظر أن يثور بعد أن يكتشف الخاسرون خسائرهم وبعد أن تقف المؤسسات المالية الدولية مع نهاية هذا الأسبوع على أبعد تقدير على حقيقة عمق المشكلة التي نتجت عن إقراض المحتالين، أو قروض اللا أخلاقيين، كما يقول بروك ماسترز وساسيكا شولتس في تقرير نشرته "الفاينانشيال تايمز" أمس.
إن "ثورة البركان"، باختصار كما يصفها لـ "الاقتصادية" محمد العلوان، مصرفي سعودي، ومتخصص في تداولات الأسهم العالمية، تعني أن المؤسسات المالية العالمية وشركات الإقراض والتأمين والبنوك أوروبية وأمريكية وآسيوية أيضا، فقدت على الأقل نحو 100 مليار دولار في لحظة، وهي تلك اللحظة التي تبين فيها أن هناك أكثر من 1.3 مليار دولار كقروض ضعيفة الملاءة أو نحو 13 في المائة من إجمالي الرهونات العقارية في أمريكا.
وهنا قال العلوان "نجمت مشكلة القروض بملاءة ضعيفة عن إقدام المقرضين على مخاطر بشكل مفرط، فقد حدثت طفرة إسكان في الولايات المتحدة من 2001 إلى 2006 واستجاب المقرضون بتوسيع كبير بمنح القروض إلى مقترضين هامشيين، وفي ذروة ذلك لم تكن الرقابة حاضرة".
ويعتقد مراقبون اقتصاديون محليون أن تشهد الأزمة مزيدا من التفاعلات
بعد أن تجبر بعض المؤسسات المالية على الإعلان عن خسائرها، وبعد أن تغلق عدة صناديق تحوط، فليس هنالك ـ وفق الاقتصاديين ـ أي طريقة للتكهن حول عدد الصناديق التي ستفشل لأن أسواق الضمانات بقروض ضعيفة الملاءة غير سائلة وغير شفافة، وصناديق التحوط قيمت الضمانات باستخدام نماذج أعطتها حرصاً ملحوظاًَ في الأماكن التي تدرك فيها الخسائر.
وهنا نذكر بما قاله كريس هوفز كاتب اقتصادي الأسبوع الماضي، من أن القطاع المصرفي العالمي تحمل العبء الأكبر لهبوط سوق الأسهم، وسط مخاوف من احتمال أن تكون بعض المؤسسات المالية جالسة على خسائر ضخمة ناشئة عن التداولات ـ وربما كانت صورة الأرباح كئيبة على نحو واضح.
وأضاف "انتشرت مثل هذه المخاوف داخل القطاع نفسه، مجبرةً البنوك المركزية على التدخل، وإقراض المال للمؤسسات التي أصبحت ينتابها التوتر من إقراض بعضها بعضا، والخوف الأساسي هو أن تكون الميزانيات العمومية للبنوك قد تعرضت لخروقات بفعل انكشاف الأصول المالية المربوطة بسوق الرهن ضعيف الملاءة في الولايات المتحدة. وهذه الأصول إما انقضى وقت سدادها، أو تشكل جزءا من هياكل معقدة ـ مثل المديونية المكفولة، أو التزامات القروض المضمونة CLOs – CDOs ـ تعتبر ذات قيمة غير واضحة".
وقال أيضا" صعّبت المخاوف على البنوك جذب رأس المال من بعضها بعضا، ودفعت المستثمرين إلى الهروب من القطاع، لأن من الصعب عليهم معرفة أي البنوك من الممكن أن تكون متأثرة، وفوق ذلك، هناك مخاوف بعيدة المدى من أن تكون أرباح البنوك المستقبلية أضعف بكثير، حتى لو بقيت ميزانيتها العمومية قوية".
من جهته يؤكد لـ "الاقتصادية" ناصر عبد الله البداح، الرئيس التنفيذي لشركة عقارات الخليج، أن البنوك المقرضة هي أكبر المتضررين من هذه الأزمة التي لا تزال رحاها تدور، مشيرا إلى أن سوق العقار في أمريكا تضررت بفعل تراجع الأسعار والطلب، إلا أن الضرر الأكبر يبقى في عدم قدرة البنوك المقرضة على بيع الرهونات العقارية، وذلك نتيجة أن العرض أصبح أكبر من الطلب.
وزاد "الحقيقة أن تعويض الضرر الناتج عن هذه الأزمة لا يمكن تحقيقه بشكل كامل قبل فترة زمنية ليست بالقليلة، خصوصا ذلك الذي طال المؤسسات المالية، إذ إن معظم الرهونات العقارية لا تغطي القروض المستحقة".
ولفت البداح إلى أن منطقة الخليج والعالم خارج أوروبا وأمريكا لن تتأثر بشكل مباشر بتداعيات الأزمة، على اعتبار أن كل الاستثمارات المرتبطة بقطاع الرهن العقاري أو الاستثمار في المؤسسات المالية هي أوروبية أمريكية، مبينا أن طريقة الاستثمار في منطقتنا محافظة، وقال "يكفي أن نعلم أن بنوكنا تنظر إلى المقترض أكثر من القرض، وهو ما تجاهلته المؤسسات المالية الغربية، وأوقعها في الفخ".
ومن ذلك يرى اقتصاديون أن ظهور عدد من إعلانات الإفلاس والفساد الأخلاقي، وانكشاف مؤسسات مالية ضخمة، هو البركان الذي ينتظره المراقبون.
ويؤكد ذلك أحمد الحديد، مصرفي سعودي، إذ يشير إلى أن التحقيقات التي تجري الآن على قدم وساق في أمريكا وأوربا، لا بد أن تحمل أنباء غير سارة للكثير من المستثمرين من حول العالم، والذين يقول البعض إن عليهم تحمل تبعات الجشع الذي مارسوه.
ويضيف" الأزمة لا تزال في بدايتها ، نتوقع حجم إفلاس لا يقل عن 50 إلى 100 مليار دولار، تتحمل البنوك نسبة 50 في المائة منها، ما يعني أننا في انتظار إعلان عشرات البنوك والشركات إفلاسها".
وقال الحديد" سعت البنوك المركزية من حول العالم إلى تهدئة الأزمة عبر ضخها نحو 400 مليار دولار في النظام المالي، أو عبر إقراض البنوك بأقل الأسعار، كما حدث من البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلا أن ذلك ليس كافيا".
وتوقع الحديد أن تكون الآثار السلبية للأزمة على الشكل التالي: تباطؤ في الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي تباطؤ في الاقتصاد العالمي، وذلك نتيجة ضعف القوة الشرائية الاستهلاكية للأمريكيين، وهي ناتجة عن عدم قدرة البنوك على الإقراض، وتراجع في مستوى الوظائف، وخفض للفائدة الأمريكية قد يصل إلى نحو 50 في المائة، وهبوط في أسعار المعادن، ومنها النفط نتيجة للكساد الاقتصاد المتوقع، إلى جانب تراجع أرباح البنوك والشركات بشكل شديد مع نهاية العام.
وطرح الحديد فائدة واحدة قد تحدثها الأزمة وهو ارتفاع سعر الدولار نتيجة لعودة المستثمرين المحليين والأجانبـ، لتسديد الديون التي تكبدوها نتيجة الأزمة وذلك بالدولار طبعا، وعلى حساب العملات الأخرى.
ويعتقد المصرفي السعودي أن أحد أهم الحلول التي على البنك المركزي الأمريكي اتخاذها للتخفيف من حجم المشكلة، هو مد المؤسسات الفدرالية للقروض الإسكانية، مثل شركتي فاي ماي، وفردي ماك، بالسيولة الكافية واللازمة، بغية إعادة الثقة لهذا القطاع، وهو ما سيعيد الثقة بدورة إلى جميع القطاعات المرتبطة به ومنها المؤسسات المالية والبنوك.