القضاء: زاوية اقتصادية
يعتبر طريق التنمية الخاصة شاقا وطويلا ويتطلب استثمارات ذهنية وتنظيمية ورقابية ومالية كبيرة. القضاء أحد أعمدة ليس التنمية فقط وإنما المجتمع (نظام القضاء العادل السريع الشفاف)، وبهذه الخصال مجتمعة فقط لكي يؤدي الدور المنوط به، دون ذلك يصبح القضاء عائقا تنمويا. يعرف الجميع أن نظام الشريعة يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية يكفل الحقوق والواجبات، ويضمن عملية القضاء التي تخدم التنمية؛ الجديد هو تأطير وفرز عملية القضاء إداريا وإضفاء مزيد من الشفافية والتخصص، نظرا لدرجة التعقيد في مجتمعات اليوم خاصة بعد استحقاقات العولمة وانضمام المملكة إلى منظمة التجارة الدولية.
تداخل القضاء والاقتصاد عميق وينبع من العناصر المكونة لبيئة التعامل بين الناس؛ وهذه أساسها حقوق الملكية وما يدور حولها من تناقل وتبادل في المنافع وتوثيق تلك الحقوق، والعنصر الآخر هو عامل الوقت فمن دون سرعة في الحكم يكون هناك إخلال في القيمة الاقتصادية، ويجعل من القضاء عائقا اقتصاديا، العنصر الثالث هو الشفافية والتي تمكن جميع الأطراف من اعتماد مصداقية النظام القضائي وموثوقيته كالخبر اليقين الذي بدوره يطمئن جميع الأطراف وما لذلك من مدلولات مطلوبة في حسابات الربح والخسارة.
نظرا لأهمية هذا المشروع (تنفيذ نظام القضاء الجديد) فقد رصدت الحكومة سبعة مليارات ريال كميزانية مستقلة، وهذا مبلغ لا شك كبير بأي مقياس، ولكن مركزية المهمة وعمقها الثقافي والإداري يتطلبان رفع الوعي لدى المستفيدين من هذا النظام وكفاءة القائمين عليه. إحدى الملاحظات أن الكثير من المرشحين للقضاء في المعهد العالي يسعون لتفادي قسم الأنظمة على حساب الفقه الذي سبق دراسته في كلية الشريعة. بدون ذلك ومن ثم تعريضهم لندوات ودراسات مخصصة يكون القاضي بعيدا عن واقع أعمال الناس وحياتهم.
ليس واضحا لنا، كمراقبين عملية الإدارة وصرف ومراقبة آلية التنفيذ وجودتها، ولكنها تصب في عملية الاستثمار المجدي في المملكة. ولا شك أن هناك توجسا لدى البعض بأن يعاق هذا المشروع الجبار بين دهاليز اللجان والأجهزة البيروقراطية، وبذلك يكون ارتباطا آخر غير حميد هذه المرة بين الاقتصاد والقضاء.
نظرا لما يتمتع به هذا المشروع من أهمية لعل اللجنة المخولة لإدارة المشروع تكون صغيرة (لا تزيد عن خمسة أشخاص)، وذات طابع فني متمرس ونافذة في الوصول إلى أعلى الهرم، وأن تعلن دوريا عن خريطة الطريق والمراحل الجاري تنفيذها واللاحقة، وأن يكون هناك عملية (تسويقية) لكل مرحلة، لأن مشروعا بهذا الحجم يتطلب هضم مراحله وتمكن المستفيدين والطاقات البشرية ذات العلاقة من استيعابه حتى يكون البناء صلبا مستديما.
علمتنا التجارب أن اللجان الكبيرة تجر إلى ظاهرة أن يضيع الدم بين القبائل، فالكل مسؤول ولا أحد مسؤول. علينا الاستعانة بتجربة أفراد ومؤسسات خارجية إذا تعذر وجود الكوادر القادرة في المملكة، أحد الروافد المهمة هو مشروع الحكومة الإلكترونية، ولذلك يستحسن أن تكون منظومة القضاء الجديدة أحد البرامج الرئيسية، ولعل هذه إحدى المهام المنوطة بإدارة المشروع.
أحد الخيارات لإدارة عملية التنفيذ هو الاتفاق مع أحد بيوت الخبرة العالمية التي يجب أن تعرف أن سوء أداء في هذا المشروع سوف يكلفها مستقبل أعمالها في المملكة.
بعد إكمال المهمة تعين لجنة أخرى لتقييم الأداء، ومنها تحدد كفاءة القائمين على التنفيذ والاستفادة من تجربة إدارة المشروع وتفادي عيوبه لكي نراكم خبرات تنموية.
تحقق المملكة سابقة جديدة في تخصيص ميزانية لتنفيذ مشروع حيوي، ولذلك فإن اللجنة لن يكون لها عذر في تحقيق هذه الأهداف، حيث إن العذر المقبول سابقا أنه ليس هناك مرونة أو بنود مالية لتنفيذ الخطط الطموحة. نجاح منظومة القضاء الجديدة يرفع سقف الحركة الاقتصادية في المملكة، ويجعل من المملكة مكانا جاذبا للاستثمار وطنيا وعالميا يحتذى به لمزيد من النقلات النوعية في الاقتصاد السعودي من أجل تعامل أفضل مع استحقاقات العصر.