المؤتمرات الاقتصادية والأبعاد السياسية
كنا في أحد المؤتمرات التي ضمت مجموعة من وزراء الاقتصاد العرب، وبينما نحن منهمكون في قراءة جدول الأعمال وإذا بأحد المشاركين في المؤتمر يتقدم إليّ ويسألني بصورة مستفزة: هل أنت علماني؟! وارتفع حاجبي إلى أعلى في استغراب وقلت بسرعة قبل أن تلجمني المفاجأة .. لماذا هذا السؤال؟ فقال وكأنه في عجلة من أمره إن البعض من الذين يسمون أنفسهم الإسلاميين يتهمون كل من يحضر حولية هذا المؤتمر بأنه علماني وأن المؤتمر يناقش قضايا علمانية وأن مظلته هي الاقتصاد الغربي وليس الاقتصاد الإسلامي.
قلت له بعد أن استرددت أنفاسي أنت تخلط بين كل شيء .. بين السياسي والاقتصادي وبين الديني واللا ديني وبين العرقي والكوني، إن هذا المؤتمر يناقش قضايا اقتصادية بحتة بعيدا عن السياسة وبعيدا عن العرقية والمذهبية، نحن نبحث عن أسهل الطرق للقضاء على البطالة ونبحث عن وسائل زيادة الناتج القومي وعن نظام جمركي موحد ونبحث عن أسس قيام الأسواق المشتركة ونبحث عن الصيغ الاقتصادية المؤدية إلى كل ما يفيد مجتمعاتنا العربية، وأرجو أن تقرأ جدول الأعمال جيدًا قبل أن تتوه في براثن ولجج العلمانية.
فقال صاحبي: أنتم تبحثون كل هذه القضايا الشائكة، من خلال مبادئ الاقتصاد الغربي، والاقتصاد الغربي يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة.
وعدت مرة أخرى إلى جدول أعمال المؤتمر وقلت له: إن مفهوم العلمانية بعيد جدا عن مضامين الموضوعات التي نبحثها فلا تخلط بين الذاتي والموضوعي، كما أن فصل الدين عن الدولة لا يوجد لدى العلمانيين المعتدلين، وأن أي مشروع سياسي هو خلطة بين الدين والسياسة، ولا يمكن فصل الدين عن السياسة, وبالذات الدين الإسلامي الأقوم، لأن الدين الإسلامي يدخل في كل سلوكيات الإنسان المسلم وفي كل مجالاتها المختلفة.
ولا شك أن قيام الدول بالبحث عن حلول لمشكلاتها الاقتصادية يعد من صميم تدخل الدين في السياسة، لأن الرزق من عند الله, وأن الله خلق الإنسان لعمار الأرض، كما أن الدين الإسلامي يحث الحاكم على البحث عن حلول لمشكلات الأمة، ولم يكن الدين – وبالذات الدين الإسلامي- بعيدًا عن قضايا الأمة قط، بل إن الدين الإسلامي يكلف الحكومات بالدخول في صميم القضايا لتي تعانيها المجتمعات الإسلامية ويطالبها بوضع أنجع الحلول لها، فإذا كانت المشكلات مشكلات اقتصادية فإن الدين الإسلامي يعالج مشكلات الفقر ويعالج مشكلات البطالة ويعالج مشكلات الدخل الفردي ويعالج مشكلات الدخل الوطني بل يعالج مشكلات التنمية المستدامة عامة، وأكثر من هذا فإن الدين يطالب بعمار الأرض وكفاية المجتمع الإسلامي، ولذلك فإن الحديث عن المجتمع المسلم بعيدا عن دينه أمر غير مقبول إطلاقًا.
ولقد اتضح من خلال الملاسنة التي فاجأني بها محدثي أن المشكلة الأساسية في الحديث عن العلمانية هي مشكلة في المفهوم، وليست في العلمانية ذاتها، مفهوم ما هو علماني وما هو إسلامي, وحتى نفهم المفهوم لا بد أن نعود قليلاً إلى الوراء.
إن مصطلح العلمانية في الأصل هو نسبة إلى العالمية Secularism أو نسبة إلى تقدير الحكم المدني، ونشأت العلمانية في الغرب وصيغت كمقابل مناهض لـ "المقدس" الذي ينكر التغيير والتجديد على النحو الذي عرفته أوروبا الكاثوليكية في عصورها الوسطى، ولقد رفض أنصار العلمانية سلطة الكنيسة (المقدسة) وبشروا بعلمانيتهم التي تولت مسؤولية القضاء على العصور الوسطى والمظلمة والدخول في عصر النهضة الأوروبية.
وإذا تابعنا مصطلح العلمانية ومدلولاته وتابعنا تطوراتها في الأداء والتطبيق نلاحظ تفاوتا في مفاهيمها لدى كثير من المفكرين وفي كثير من الدول الغربية، وتبعا للتفاوت في المفاهيم فهناك من يقول بالعلمانية الثورية أو من يقول بالعلمانية الليبرالية أو العلمانية الشيوعية.
إن الحرب بين الكنيسة والدولة هي التي أفرزت المفهوم الخاطئ عن العلمانية، فالعلمانية ليست الفصل بين الدين والدولة، وإنما هي الفصل بين الدين والكنيسة، بدليل أن العلمانية تعترف بالحريات الدينية للجميع، وطالما أنها تعترف بالحريات الدينية فإن الدين يعد جزءًا لا يتجزأ من قضايا الإنسان المعاصر، ولذلك فإن هناك فرقا كبيرا بين الفصل بين الدين والدولة، والفصل بين الدين والكنسية.
والمسلمون ـ للأسف ـ استخدموا مفهوم العلمانية كما ورد إليهم من رحم الكنيسة، ولم يفهموه من خلال اعترافها بالحريات الدينية. ولا شك أن اعتراف العلمانية بالحريات الدينية يفتح الباب أمام الأديان كلها كي تكون جزءًا لا يتجزأ من القضايا الملحة عند الإنسان في كل زمان ومكان.
بمعنى أن الاعتراف بالحرية الدينية يعطي الحق للدين الإسلامي أن يكون القاعدة الأساسية للأنظمة السياسية في الدول الإسلامية، كذلك يعطي الحق لكل الدول أن تقيم أنظمتها السياسية وقوانينها – إذا شاءت - على مبادئ الدين.
وبهذه المناسبة حينما اتهم منافسو مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق بالعلمانية أجابهم قائلاً: إنني مسلم علماني، ومهاتير محمد لا يريد أن يقول إنه علماني ولكن يريد أن يأخذ من العلمانية الجانب الذي لا يتعارض مع الدين الإسلامي الأقوم.
وفي هذا السياق يقول هيجنز إن مشكلة الحداثة في الدول الفقيرة هي مشكلة نفسية، كما يقول أوسكار لويس إن إلغاء الفقر أسهل من إلغاء ثقافة الفقر.
ولذلك من العبث القول إن الدين ينفصل عن الدولة أو عن المجتمع، ومن السذاجة القول إن السلوك الاقتصادي في أي مجتمع لا يقوم على سلوك ديني وأخلاقي، بل بالعكس السلوك الاقتصادي يقوم على مبادئ العقيدة والأخلاق ولا يمكن أن نتصور إصلاحا اقتصاديا لا يقوم على رؤية دينية وأخلاقية، وبالذات في منطقة يلعب فيها الدين دورا رئيسا في تشكيل ثقافات المجتمع.
إن المفهوم الخاطئ عن العلمانية هو الذي جعل عددًا غير قليل من الإسلاميين يلبسون العلمانية كل أثواب المحاربة للدين.
ونستطيع القول إن المفكرين الإسلاميين وقعوا في فخ الضلال حينما فهموا أن مفهوم العلمانية هو أنها فصل الدين عن الدولة أو فصل السياسة عن الدين، بمعنى أن غلاة الأديان فهموا العلمانية على غير مقاصدها، كما أن غلاة العلمانية فهموا الأديان على غير طبيعتها, ولذلك لاحظنا أن الكثير يسرف في اتهام الآخرين بالعلمانية، ويجب ألا نسرف في اتهام الناس بالعلمانية لأن كل الدساتير في منطقة الشرق الأوسط, وبالذات في الدول العربية, تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، أي أن الدين جزء أساسي ومرجعي لمجموعة الأنظمة التي يقوم عليها كيان هذه الدول.