رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هيئة البيعة.. التأسيس لمرحلة جديدة

[email protected]

لا شك أن هيئة البيعة وإجراءاتها التنفيذية التي صدرت قبل أيام تعد بحق تجسيدا للنهج السياسي السعودي في تناول القضايا بحكمة وروية وتؤدة ووضع مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار. إنشاء الهيئة يكشف عن قراءة صحيحة لسير الأحداث والبحث الجاد عن آليات جديدة تستجيب للمتغيرات والمستجدات. إنها اليقظة السياسية ـ إن صح التعبير- في مناقشة ما يجب عمله وعدم الاستسلام للمألوف أو ترك القضايا أو إرجائها إلى حين والتسويف تحاشيا للخوض فيها خاصة تلك المواضيع شديدة الحساسية شديدة الأهمية. الهيئة تعبير من ولاة الأمر بالالتزام بالمبادئ ذاتها التي أسس لها القائد الوالد المللك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ والسير في الاتجاه نفسه, وهو الحرص على استقرار المملكة والحفاظ على مقدراتها وزيادة اللحمة بين القيادة والناس ولكن بنظم جديدة تتناسب مع واقع العصر ومعطيات المرحلة. إن فاعلية أي نظام سياسي هي في تجدده وحيويته وقدرته على التكيف مع المستجدات واحتواء المتغيرات. لقد أثبت النظام السياسي السعودي خلال مسيرته منذ توحيد المملكة وفي مواقف عدة كفاءته العالية في التصدي للتحديات والبحث عن الفرص التي تجعل الوطن في موقف قوي يسيطر فيها على الأحداث. إن الحديث عن هيئة البيعة يهم جميع المواطنين دون استثناء, فنحن جميعا في السفينة نفسها ومن مصلحة الجميع أن نجنب السفينة الأمواج العاتية والرياح والأعاصير المدمرة أو على أقل تقدير الاستعداد لها بتحصين نظامنا السياسي والتقليل من التأثيرات السلبية لهذه المتغيرات وتقوية موقفنا تجاه الأحداث وألا نترك الفرصة للآخرين في استغلال الثغرات لصالحهم. هيئة البيعة تجعل المواطن في سلام وأمن وأمان وتجدد الثقة بالاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله. إن إيجاد هيئة البيعة هو حرص القيادة الرشيدة على سلاسة انتقال السلطة وفق نظام واضح المعالم يتخذ من الشورى منهجا وأسلوبا ليتم اختيار الأفضل وفقا للأهلية والقدرة والكفاءة من أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز. وهكذا يقدم النظام السعودي مرة أخرى نموذجا مميزا في إدارة البلاد نابعا من قيم المجتمع السعودي وأخلاقه. إنها الخصوصية السعودية التي طالما تحدث عنها السعوديون ولكن في أفضل حالاتها ليست مفاخرة جاهلية أو تغنيا بمجد تليد وحسب وإنما واقع عملي يرتقي بالعملية السياسية وتداول السلطة إلى مراتب أعلى وأسلوب مقنن وفي إطار من الاتفاق والألفة والمحبة. إن إنشاء هيئة البيعة وإجراءاتها السلسة الواضحة البسيطة دليل واضح على وعي ولاة الأمر وإدراكهم وتحليلهم الوضع الراهن وقراءتهم المستقبل وحرصهم على حمل الأمانة بكل صدق واقتدار. إن هيئة البيعة كفكرة تنبع من حرص القيادة السياسية في المملكة وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على تجنيب الوطن الفتن والصراعات كتلك التي تعصف بالمجتمعات الأخرى. لقد خسرت بلدان كثيرة ركائز الأمن والنظام وفقدت بسبب ذلك مقدراتها الاقتصادية وأحرق الأخضر واليابس وحلت الفوضى السياسية والاحتراب بين الجماعات والظلم والاقتتال بين الناس والانفلات الأمني بسبب غياب الحكمة السياسية وعدم تطوير آليات جديدة لصنع القرار العام والفشل في إدارة الاختلاف في المجتمع وعدم إحداث نظم إدارية تتماشى مع المستجدات وتحتوي على المتغيرات. إنها جهود مباركة أن تسود الحكمة وأن يكون هناك رجال دولة وحكم وسياسية يتمتعون بنفاذ البصيرة وعقلية مستنيرة وسعة الأفق والنظرة طويلة الأمد والإيمان بجوهر الاستمرارية, وهو أسلوب التوافق حول معادلة يرتضيها الجميع. إن هيئة البيعة تعد محطة رئيسة في التاريخ السياسي السعودي تضاف إلى تلك الإنجازات العظيمة, التي أهمها تكوين الكيان والوحدة الوطنية واللحمة المميزة بين الحاكم والمحكوم. قد لا يدرك البعض من أبناء الوطن أهمية الهيئة لأنهم ينعمون بالأمن والأمان ويستظلون بظله واعتادوه ليكون من المسلمات، وتجذر لديهم اعتقاد بأننا بمنأى عما يحدث للآخرين وأننا محصنون من الفتن. وحقيقة الأمر أن وراء هذا الإنجاز العظيم وبناء دولة الوحدة والتوحيد والأمن والأمان رجالا مخلصين لوطنهم حرصاء على أن تصل سفينة المجتمع إلى بر الأمان بيسر وسهولة. إنه التفكير الجماعي والمصلحة المشتركة والهم العام والاعتصام بحبل الله إخوانا ما يجعل هذا المجتمع مترابطا متماسكا يشد بعضه بعضا ليكون سدا منيعا ودرعا واقية من الفتن وحقد الحاقدين وكيد الأعداء المتربصين.
إن عملية تطوير أنظمة الدولة كانت ومازالت هاجس القيادة السياسة عبر كل مرحلة من مراحلها التاريخية. قد يكون من أبرزها حداثة إصدار نظام الحكم وإنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق وتفعيل الانتخابات والمجالس البلدية, جميعها شواهد على هذا النهج الحميد في تطوير النظام السياسي والنظم الإدارية وآليات صنع القرار العام. إن هذا النهج التجديدي يبشر بمزيد من التطوير يقود المملكة إلى مراحل أكثر تقدما في النضج السياسي ويقوي الجبهة الداخلية لتكون أكثر قدرة على التنافس في ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي والثقافي. من بين أهم الموضوعات التي تمثل ركنا أساسيا في عملية تطوير النظام الإداري العام, التي يجب طرحها ومناقشتها, نظام الإدارة المحلية. فهناك إرهاصات كبيرة تشير إلى ضرورة إصدار نظام خاص بالإدارة المحلية لتوحيد المسؤوليات في هيئة محلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري في نطاق جغرافي محدد وموثق قانونا. إن من شأن ذلك المساهمة في الضبط الاجتماعي وتحقيق الكفاءة والفاعلية. إن اقتراح نظام للإدارة المحلية نابع من فلسفة كان قد تبناها الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ تقول: "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب", أي أن سكان المدن والمسؤولين عن إدارتها أعلم بما يجب القيام به, وهذا يتوافق مع المثل العربي " أهل مكة أدرى بشعابها".
إن الوضع الراهن الذي يعتمد على فروع الوزارات والمركزية الشديدة لا يتناسب مع التحديات الحالية والتطلعات المستقبلية. إن الإدارة المحلية بمفهومها الحالي واعتمادها على وحدات وإدارات ومستويات محلية متفرقة في تقديم الخدمات دون الأخذ في الاعتبار أولويات سكان المدن وعلاقة تلك الخدمات بالتنمية المحلية وتوحيد عملية صنع القرار في جهة واحدة تشتت الجهود والمسؤوليات وتخلق نوعا من اللامبالاة في الشأن المحلي ويكون ولاء مديري الفروع للجهاز المركزي وليس لسكان المدينة الذين وضعت الخدمة من أجلهم. إن التغيرات التي تشهدها الساحتان الداخلية والخارجية تتطلب إعادة النظر في كيفية عملية صنع القرار وتصنيفها إلى مستويات وطنية (مركزية) إقليمية (مستوى المنطقة) ومحلية (مستوى محافظة)، ومن ثم توزيع الصلاحيات والسلطات المطلوبة لكل مستوى وتحديد الأدوار ضمن قانون عام يصدر بذلك.
إن إصدار نظام للإدارة المحلية سيكون بمثابة تعزيز للنهج التطويري وتوثيق للحمة بين الحاكم والمحكوم والانتقال بها إلى مستوى أعلى ونمط جديد يتناسب مع المعطيات الجديدة ويمكن المملكة من التوافق مع النظم الأخرى ومجاراتها بل المنافسة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن الإدارة المحلية جذور وجوهر التنمية وتحتاج إلى بيئة إدارية تمكنها من أداء دورها على الوجه المطلوب, وهذا يتطلب على وجه الخصوص هيئة محلية تعنى بإدارة المدينة تتمتع بصلاحيات مالية وإدارية وسلطات تشريعية تكون مسؤولة عن تحقيق مصالح السكان وصنع القرارات المحلية بناء على استراتيجية مستقبلية يشارك في صياغتها سكان المدينة. هكذا نكون قد أسسنا لمرحلة جديدة تتوافق مع النظرة الثاقبة لولاة الأمر في صياغة مستقبل مشرق للأجيال المقبلة وتعزز الوحدة الوطنية والقوة السياسية والاقتصادية للوطن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي