البحث العلمي أساس التنمية الاقتصادية

[email protected]
تلقيت في الأسبوع الماضي دعوة كريمة من المهندس سعد المعجل نائب رئيس الغرفة التجارية الصناعية في الرياض لحضور مناقشة إحدى الدراسات التي ستقدم إلى منتدى الرياض الاقتصادي. وهذه بادرة طيبة تحسب للغرفة وقيادتها في محاولة للتعرف على الآراء والاقتراحات واستطلاع الرأي العام وتطوير وتحسين الدراسات التي ستقدم بشكل يضمن تحقيق الغرض منها, وهو إثارة القضايا المهمة وتجليتها حتى يكون الجميع على بينة من الأمر والتعرف على ما ينبغي عمله. المنتدى يعد بحق أحد أبرز المنتديات في المنطقة وأكثرها واقعية فهو يتناول القضايا الحقيقية ويقدمها لأصحاب القرار حتى يتسنى صياغة السياسات والخطط التنموية استجابة للمستجدات والمتغيرات وبالتالي خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار والعمل فمقارنة بالمنتديات الأخرى نجده لا يلتفت إلى الشكليات ودعوة المشاهير لإلقاء الخطب والحديث إلى الصحافة والتقاط الصور التذكارية من أجل جذب الانتباه والاستهلاك الإعلامي، وإنما التركيز على المفيد وما يقود إلى التغييرات الإيجابية التي تنفع المجتمع وتحقق المصلحة الوطنية. المنتدى الذي يشرف عليه أمينه العام الدكتور محمد الكثيري, وهو من الكفاءات الوطنية التي تعمل بجد واجتهاد سعيا نحو تحقيق الأفضل. حين تقرر الإعداد للمنتدى منذ ما يقارب العام, عقدت عدة جلسات ولقاءات لتحديد الموضوعات ومن ثم ترتيبها من حيث الأولوية تلتها اجتماعات أخرى متعددة إلى حين وصل إلى مرحلة عرض الدراسات بصورتها شبه النهائية.
المنتدى تتم إدارته بمهنية وكفاءة عالية وحرص شديد على تحقيق أهدافه والخروج بتوصيات تحقق تطلعات مجتمع الأعمال بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. ومع هذا الاهتمام بأدق التفاصيل وتنسيق الأنشطة وفق جدول زمني محدد وخطط فاعلة، إلا أن الدراسات التي أعدت من أحد المكاتب الاستشارية لم تكن على مستوى التوقعات وأحسب أنها لم تحقق الحد الأدنى من تطلعات الغرفة التجارية الصناعية في الرياض التي تنظر للمنتدى على أنه فرصة للإفصاح عن الموضوعات والقضايا المهمة التي تتطلب أن تكون على رأس قائمة العمل الحكومي وتأخذ أولوية في السياسات العامة التخطيطية والاقتصادية. لقد تم تقديم الدراسة بسرد مطول وكلام عام لا يمت بصلة إلى البحث العلمي وأصوله ولا إلى أساسيات إعداد الدراسات الميدانية، فقد اعتمد العرض في مجمله على الرأي الشخصي واستشهادات بأمثلة شعبية! بينما كانت النتائج مجموعة أمنيات ليس إلا. الدراسة كما بيّنت أثناء الاجتماع تصلح أن تكون تقريرا وليس ورقة علمية تقدم في منتدى بمستوى منتدى الرياض الاقتصادي. فالدراسة تفتقد مقومات البحث العلمي, فلم يكن هناك ترابط بين المشكلة والأهداف والبحث الميداني وجمع وتحليل البيانات، لا بل إن هناك قصورا كبيرا في تحديد المتغيرات وطرق قياسها وكيفية جمع المعلومات وتحليلها. لقد أذهلني وأحزنني في آن واحد أن يصل بمقدم الدراسة أن يكون جوابه حول انتقاد وجهته حول منهجية الدراسة وقصورها وعدم انتهاج خطوات البحث العلمي قوله إننا لسنا بصدد مناقشة رسالة ماجستير أو دكتوراة وإن تطبيق المنهج العلمي ليس مهما في مثل هذه الدراسات! إنها مصيبة عظمى أن تكون الدراسات التي يفترض أن تكون أساسا لصنع القرارات والسياسات العامة بهذا المستوى من السطحية والسرد غير المنطقي وغير العلمي.
إن صناعة القرارات الصحيحة والفاعلة تتطلب الموضوعية والاستناد إلى حقائق وأرقام تقيس الوضع الراهن وتعكس واقع الحال حتى نتمكن من وضع الحلول الناجعة والمطلوبة حقا. يبدو أن البعض يرغب في أن يغلف قراره الشخصي بغلاف علمي ظاهره الحيادية والموضوعية. ومما يدل على ذلك وضع استراتيجية للموارد البشرية كأحد أهداف الدراسة مبنية على الحدس والرأي الشخصي دون أن تكون هناك دراسة لواقع الحال وتحليل لمواطن الضعف والقوة والفرص والعوائق. لقد كان التركيز على إظهار سلبية دور القطاع العام في تنمية الموارد البشرية دون الأخذ في الاعتبار المستوى المتدني لحال القطاع الخاص وضعف هيكله وعدم قدرته على استيعاب العمالة الوطنية المدربة. على سبيل المثال تقول إحدى نتائج الدراسة إن مستوى إنتاجية العامل السعودي متدنية مقارنة بجنسيات اخرى! وعند السؤال عن كيفية التوصل إلى هذه النتيجة وما المقاييس التي استخدمت والأرقام التي تشير إلى ذلك لم يكن هناك جواب! والأمثلة في هذا السياق كثيرة. ومع أن المشاركين كانت لهم مداخلات أثرت النقاش وملاحظات لو أخذ بها حسنت من حال الدراسة إلا أن الكثيرين من المشاركين لم يمنحوا الفرصة الكافية للإدلاء بآرائهم وإعطاء تصور كامل لتطوير الدراسة . بل إن التقديم للدراسة استغرق جل الوقت ما قلل فرصة المشاركين في إبداء آرائهم . لقد تم القفز من المقدمة إلى التوصيات واختزلت مساهمة المشاركين في إبداء الرأي حول نص الرؤية الاستراتيجية للموارد البشرية! كيف ولماذا هذه الرؤية لا أحد يعلم! وأجزم أن أي أحد يستطيع وضع رؤية مثل تلك دون بذل الوقت والجهد والمال. فهي لم تأت بناء على معطيات ودراسة للوضع الراهن واستشفاف للمستقبل ولم تصاحبها خطة عمل لتطبيقها على مراحل. فالمشكل الرئيس في الاستراتيجية تحويلها إلى واقع ملموس. إن وضع استراتيجية للموارد البشرية يتطلب النظر إلى مكونين أساسيين, الأول جانب العرض وتمثله مؤسسات التعليم العالي والمهني والمراكز التدريبية, والآخر جانب الطلب من قبل القطاع الخاص وقدرة القطاع الصناعي على استيعاب بل استثمار هذه الموارد البشرية في النمو والتنمية الاقتصادية.
لا نستطيع بأي حال من الأحوال النجاح في إحداث تنمية في الموارد البشرية بالتركيز على جانب العرض دون الطلب والعكس صحيح. بمعنى أن إلقاء اللائمة على مؤسسات التعليم العالي ورفع شعار "مواءمة مخرجات التعليم العالي لسوق العمل" في حين أن القطاع الخاص يعاني عدم القدرة على استيعاب الأعداد الكبيرة المدربة, لأن طبيعة الصناعات استهلاكية بسيطة لا تتطلب المهارات العالية لخريجي الجامعات ومؤسسات التدريب المهني, وبالتالي لا يتم توظيفهم بحجة أنهم يمتلكون كفاءات أكبر من المطلوب أو منحهم أجورا لا تتوافق مع مؤهلاتهم. إن استراتيجية تنمية الموارد البشرية تتطلب في المقام الأول استراتيجية وطنية شاملة لـ 30 سنة المقبلة تحدد ماذا نريد أن نكون عليه كمجتمع صناعيا وتجاريا وثقافيا واقتصاديا ومن ثم يتم وضع خطة للموارد البشرية موجهة نحو تحقيق الاستراتيجية الوطنية وتزويدها بما يلزمها من موارد بشرية عددا ونوعا وجودة وفي الوقت ذاته تحدد الاستراتيجية الوطنية نوع الصناعات وحجمها بناء على القاعدة الاقتصادية وما يحقق زيادة الصادرات وجلب الاستثمارات الخارجية. وهنا يتضح جليا أهمية الدراسات الميدانية التي تنبئ عن واقع الحال وتحدد أين نحن وإلى أين ذاهبون وحجم الفجوة بين الوضع الحالي والوضع المرغوب, ولن تحقق هذه الدراسات أهدافها والغرض منها دون اتباع خطوات البحث العلمي التي توصلنا إلى نتائج حقيقية وليس آراء واجتهادات شخصية وبيانات وإحصائيات مغلوطة ربما تكون مضللة تنتج قرارات خاطئة نتحمل تبعاتها وقتا طويلا. كما أن الدراسات والبحوث تسهم في التكوين والتراكم المعرفي وبناء القدرات والتميز الذي هو أساس التفوق في المنافسة الاقتصادية العالمية. الدول التي ارتقت درجات السلم الحضاري اعتمدت على البحث العلمي في تحقيق التنمية الاقتصادية والولوج إلى نادي الدول الصناعية وحجز مكان متقدم في المنافسة العالمية. ونافلة القول القصور ليس في البحث العلمي ولكن في فهم مقصده وعدم توظيفه في التطوير والتنمية واتجاه الكثيرين نحو اختصار خطوات المنهج العلمي والتحول إلى الرأي الشخصي غير الموضوعي والاعتقاد أن البحث العلمي حكر على الأكاديميين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي