منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (59)

منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (59)

[email protected]

خطوات المفاوضات الثنائية

(الخطوة الثانية)

تُعد هذه المرحلة من أدق مراحل المفاوضات الثنائية وأكثرها مشقة للدولة الساعية إلى الانضمام، وذلك لعدة أسباب أهمها:
1 ـ إصابة الفريق التفاوضي في الدولة المستجدة بخيبة الأمل لفشله في كسب موافقة الدول الأعضاء في المنظمة على جداول العروض الأولية، وتؤدي هذه الحقيقة المرَّة إلى زيادة قناعة المناهضين للعولمة واشتداد عودهم لتبدأ مرحلة جديدة من التشكيك بأهمية هذه المنظمة ومدى فائدة الانضمام إليها، وتصبح محافل الدولة المستجدة مرتعاً خصباً للنقاش الساخن والجدل المتواصل حول مكاسب وخسائر الانضمام المتوقعة، ومدى جاهزية أسواقها لمنافسة المنتجات الأجنبية، خاصة أن منتجاتها الوطنية ستفقد الدعم والحماية أيضاً.
2 ـ انقسام المسؤولين في الدولة الساعية إلى الانضمام وتشعب خلافاتهم وانشطار آرائهم حول الهدف المنشود من الانضمام لهذه المنظمة. وقد يحتدم الصراع بين مؤيد للانضمام ومعارض له، ويطالب المؤيدون بتسريع عملية الانضمام لكي لا يفوت على الدولة ما تبقى في المنظمة من مكاسب، بينما يطالب المناهضون بالتريث والتأني إلى حين التعرف من كثب على مطالب الدول ودراستها واستنتاج مكاسبها وتكاليفها.
3 ـ ارتفاع أصوات المعارضة للمنظمة والمناهضين للعولمة بالتشكيك في قدرات الفريق التفاوضي الوطني الهادفة إلى الدفاع عن المصالح المكتسبة، واتهامها لاحقاً بالتفريط في الحقوق والتبذير في الالتزامات والتعهدات.
4 ـ انتشار الشائعات المغرضة والمعلومات الخاطئة بين فئات مجتمع قطاع الأعمال في الدولة المستجدة، لخوفهم من إلغاء قواعد الحماية الممنوحة لمنتجاتهم غير التنافسية، واندثار أحكام الدعم المتوافرة لمنشآتهم ضعيفة الكفاءة والإنتاجية، ويصبح المستقبل المجهول لمسيرة الانضمام مرتعاً خصباً لتداول أوهام المؤامرة المحاكة ضدهم وهدفاً ملحاً ينتهجه أرباب هذه الفئات إلى عرقلة هذه المسيرة والاحتجاج عليها.
5 ـ تأخر الدولة المستجدة في إعداد دراسات المكاسب والتكاليف المترتبة على الانضمام للمنظمة، وإعطاء هذا الموضوع أهمية ثانوية لافتقارها إلى الدعم المادي والمعنوي والخبرات العالمية في هذا المضمار، ما يؤدي لاحقاً إلى اتخاذ القرار العشوائي الذي لن يكون بالتأكيد في صالح الدولة المستجدة.
6 ـ عدم وجود أطر محكمة وجاهزة للتطبيق تستند إليها الدولة المستجدة في نطاق النظام التجاري العالمي، أو خطـوات تنفيذية معلّبة يتم اللجوء إليها لتحقيق متطلبات الانضمام لهذه المنظمة. وهذا يؤدي إلى وصول هذه الدولة إلى مرحلة أشبه بمفترق الطرق، تشوب قراراتها الرهبة المحفوفة بالمخاطر.
خلال هذه الخطوة من تضارب الآراء والأفكار وتراشق الاتهامات، تغدو الدولة المستجدة في أمس الحاجة إلى اتخاذ القرار السياسي الحاسم والاحتكام إلى الرؤية الثاقبة بعيدة النظر، الرامية إلى دفع مسيرة الانضمام والمضي قدماً نحو تحقيق النجاح في جولة ثانية من المفاوضات الثنائية. ويأتي هذا القرار المصيري في أغلـب الأحيان مبنياً على التقارير الرسمية التالية:
1 ـ الدراسات التي ترفعها اللجنة الوزارية المشرفة على مسيرة الانضمام، مدعمة بالحقائق والأرقام الموثقة والهادفة إلى توضيح المواقف وتحديد المسار الأمثل لاستكمال مراحل الانضمام، آخذةً بعين الاعتبار الخطوات المتسارعة لقطار العولمة، الذي قد يؤدي عدم اللحاق به في الوقت المناسب إلى تكبد الدولة المستجدة المزيد من التكاليف الباهظة، نظراً لتأخرها عن المشاركة الفاعلة في النظام التجاري العالمي وصياغة أحكامه الجديدة، وبهذا القرار السياسي يصبح الهدف الأساسي للدولة المستجدة منصباً وموجهاً نحو تسريع عملية الانضمام للمنظمة وتحييد عشوائية العولمة التي أصبحت تشكل عبئاً مضاعفاً ترهق كاهل الدول خارج المنظمة بأضعاف التكاليف التي تتكبدها من أجل تحقيق متطلبات انضمامها.
2 ـ التقارير التي يرفعها الفريق التفاوضي عن زياراته الرسمية المكوكية لعواصم الدول الأعضاء في المنظمة ومواجهة نظرائهم والتعرف على مرئياتهم عن كثب. وكثيراً ما تحقق هذه الزيارات غرضها الهادف إلى التأكد من المسؤولين في هذه العواصم بأن طلبات وفودهم الرسمية التي تمثلهم لدى المنظمة في جنيف هي طلبات أساسية تمهد لانضمام الدولة المستجدة وأنه لا تنازل أو رجعة عنها.
3 ـ المعلومات الواردة من مقر المنظمة حول تسارع خطواتها وأعمالها من خلال المفاوضات التجارية الشاملة والمشاورات الدائرة بين الدول الأعضاء، على الرغم من النزاعات القائمة بينهم. وتؤكد هذه المعلومات أن هذه المنظومة تخطو خطوات ثابتة تجاه عولمة الاقتصاد الدولي والتجارة العالمية، وأن هذه المفاوضات والمشاورات ستؤدي حتماً إلى صياغة المزيد من الاتفاقات والأحكام، مما يزيد من تفاقم أعباء الانضمام في حال اعتمادها وتطبيقها على جميع الدول الأعضاء والمستجدة والقابعة خارج المنظمة، لذا فان غياب الدولة المستجدة لا يعفيها من تنفيذ نتائج هذه المفاوضات والمشاورات، وعليها الإسراع في خطوات انضمامها لتسهم في صياغة هذه الأحكام الجديدة وتوجيه دفة العولمة لصالحها.
ومن هذا المنطلق، تتجه أنظار المختصين والفرق الفنية في الدولة المستجدة، مرة أخرى إلى دراسة طلبات الدول والبدء في إعداد جداول جديدة لعروض السلع والخدمات، آخذين بعين الاعتبار ضرورة تلبية بعض متطلبات هذه الدول بشكل متكامل ومقنع. ولكن على هؤلاء المختصين أن يتنبهوا إلى أساليب المفاوضات التي تنتهجها الدول الأعضاء لتعظيم مكاسبها من انضمام الدولة المستجدة على النحو التالي:
1 ـ تتقاسم الدول الأعضاء في المنظمة طلبات تخفيض السقوف الجمركية على جميع السلع الزراعية والصناعية الخاصة بجداول عروض الدولة المستجدة. ويتم ذلك من خلال استراتيجية التنسيق المسبق التي تتبعها هذه الدول فيما بينها قبل تقديم طلباتها.
2 ـ تتركز رغبات الدول الأعضاء في المنظمة في فئات السلع التي تنتجها هذه الدول، حيث تتركز طلبات الوفد الأمريكي مثلاً على القمح والشعير والذرة والمعدات الثقيلة والأجهزة والطائرات والسيارات، بينما تتركز طلبات الاتحاد الأوروبي على اللحوم ومنتجات الألبان والحديد والصلب، وسويسرا على الساعات والمجوهرات والحلويات، والهند وسيريلانكا وتايلاند على الشاي، الأرز، والفواكه، واليابان وكوريا وماليزيا على الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات وأجهزة تقنية المعلومات والمعادن والأخشاب، والنرويج على الأسماك، وتركيا على المنسوجات والسجاد، ونيوزيلندا وأستراليا على المواد الغذائية والحبوب. ومن هنا يجب على الفريق التفاوضي في الدولة المستجدة المحافظة على سرية هذه المفاوضات الثنائية ومحاولة اقتناص الفرص الثمينة المتوافرة لديهم عن الاهتمامات والأولويات الواردة في طلبات هذه الدول لتقديم التعهدات والالتزامات المحدودة فقط.
3 ـ تتدافع الدول الأعضاء إلى تطبيق أحكام حق التفاوض الأولي INR على السلع ذات الأهمية القصوى لصادراتها إلى أسواق الدولة المستجدة، وإن كانت هذه الدول لا تمثل المصّدر الرئيسي لهذه السلع. ويمنح هذا الحق، الدول الأعضاء التي حصلت عليه، الأولوية في التفاوض مع الدولة المستجدة، قبل المصَّدر الرئيسي لهذه السلع إليها، حول رفع سقوفها الجمركية إذا رغبت هذه الدولة بذلك، بعد انضمامها للمنظمة لأسباب تتعلق بميزان مدفوعاتها، تنفيذاً لأحكام المادة (28) من اتفاقية (الجات 94).
4 ـ معرفة الدول الأعضاء مسبقاً المشاورات الدائرة في الجهات الحكومية داخل الدولة المستجدة بشأن رغبتها في تخفيض التعرفة الجمركية المطبقة أو تقليص القوائم السلبية للاستثمار الأجنبي، مما قد تؤثر هذه المعلومات بشدة في موقف الدولة التفاوضي وقدرتها على إقناع الدول الأعضاء في المنظمة بمستوى السقوف الجمركية المرتفعة المعروضة.
5 ـ رغبة الدول الأعضاء في المنظمة في الحصول على مكاسب صافية من انضمام الدول للمنظمة، وذلك عن طريق تثبيت السقوف الجمركية لجميع السلع عند حدود تساوي أو تقل عن التعرفة الجمركية المطبقة قبل الانضمام، وكذلك تثبيت الوضع الحالي للنفاذ إلى الأسواق في قطاع الخدمات، وتخفيف القيود على موردي الخدمات الأجانب المفروضة على هذا القطاع.
لدى الانتهاء من إعداد جداول العروض الجديدة New Schedules، وتعرف أيضاً بجداول العروض المعدلة Revised Offers، تقوم الدولة المستجدة بإرسال هذه الجداول إلى إدارة الانضمام في المنظمة لتقوم بتوزيعها على جميع الدول الأعضاء تمهيداً للتفاوض بشأنها في لقاءات ثنائية على غرار ما تم في الخطوة الأولى من المفاوضات الثنائية، وهنا أيضاً تسعى الدولة المستجدة إلى الدفاع عن مواقفها تجاه ما قدمته من عروض، على أن تأخذ في الاعتبار ضرورة استيفاء متطلبات الانضمام في أسرع وقت ممكن وبأقل التكاليف. وقد فوجئت هذه الدولة أن جزءاً من عروضها الجديدة المعدلة لا يلاقي التعاطف من قبل عدد من الدول الأعضاء لكونها لا تحقق رغباتهم ولا تفي بمتطلباتهم. إلا أن هذه الخطوة تعطي الفريق التفاوضي في الدولة المستجدة معلومات أوفر عن استراتيجية الفرق المناظرة، والتي تنحصر في تحقيق الأهداف التالية:
1 ـ تفوق طلبات الدول الأعضاء المستويات المتعارف عليها، لكون هذه الطلبات تمثل في بعض الأحيان المواقف التفاوضية المثلى التي تتأمل هذه الدول، من خلالها، إقناع الدولة المستجدة بها والحصول على موافقتها لتعظيم مكاسب هذه الدول. ولكن في أغلب الأحيان تأتي هذه الطلبات بناء على ما تم الاتفاق عليه مع الدول الأخرى حديثة الانضمام Newly Acceding Countries، التي تعد المستوى Benchmarking، الذي يجب على الدول المستجدة الأخذ بها لاكتساب استحقاقات العضوية.
2 ـ تختار الدول الأعضاء أساليب متفاوتة في المفاوضات الثنائية، إلا أنها تخضع جميعها لمبدأ الترغيب والإقناع المشوب بالمناورات التفاوضية النابعة من إتقان هذه الدول لفنون التفاوض، تفوق في مستواها المعرفي القدرات المتواضعة المبتدئة للفريق التفاوضي في الدولة المستجدة. وكثيراً ما يُقال إن مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية التي تمر بها هذه الدولة لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التلقين والتعريف بأهداف النظام التجاري العالمي الغريب عليها، كما أن طلبات الفرق التفاوضية المناظرة والممثلة للدول الأعضاء ليست سوى إملاء شروط Dictations of Terms، على الدولة المستجدة، بدلاً عن كونها مفاوضات مباشرة Direct Negotiations، نداً لند.
3 ـ قناعة بعض الدول الأعضاء المؤسسة للمنظمة أنها بذلت الغالي والنفيس لتأسيس هذا النظام التجاري متعدد الأطراف Multilateral Trading System، وبالتالي أصبح لديها الحق المطلق في طلب ما تراه مناسباً لتحقيق مصالحها من الدولة المستجدة وفرض الشروط الواجب على هذه الدولة الأخذ بها لاكتساب عضويتها، بل ذهبت بعض الدول الأعضاء إلى أبعد من ذلك عن طريق إخطار الدولة المستجدة بأنها ما زالت خارج المنظمة، لذا عليها الانصياع لطلبات الدول الموجودة داخل المنظمة إذا أرادت جني مكاسب الانضمام.
4 ـ التزام بعض الدول المتقدمة الكبرى Developed Countries، أمام الدول الفقيرة الأقل نمواً Least Developed Countries الأعضاء في المنظمة، والتي لا تملك الإمكانات المادية والبشرية لخوض المفاوضات الثنائية، بالتفاوض نيابة عنها مع الدولة المستجدة والحصول على التزامات إضافية تحقق جميع رغبات هذه الدول الفقيرة، ويأتي هذا الالتزام حرصاً من الدول المتقدمة في الحصول على مكاسب صافية لصالح الدول الأقل نمواً ضمن مبدأ تبادل المنافع Benefits Mutual، من أجل كسب أصواتها في اجتماعات مجالس المنظمة ولدى طرح الموضوعات المصيرية التي تحتاج إلى الإجماع في الرأي.
5 ـ اهتمام الشركاء التجاريين بتنسيق المواقف التفاوضية مع باقي الدول الأعضاء في المنظمة عن طريق تكوين مجموعة من هذه الدول تعرف بأصدقاء الدولة المستجدة Friends of Acceding Country. وتجتمع هذه المجموعة دورياً للتشاور والتنسيق والتأكد من أن المفاوضات الثنائية تجري بطريقة تفي بمصالح المجموعة.
لا شك أن هذه الخطوة الشائكة من المفاوضات الثنائية تعد جزءا مهما من مراحل انضمام الدولة المستجدة للمنظمة، لأنها تفتح أمام متخذي القرار السياسي في هذه الدولة آفاقاً واسعة، تسهم إلى حد كبير في تحقيق نجاح مسيرة الإصلاح الاقتصادي المناط بهم. وقد يكون من صالح هذه المسيرة في كثير من الأحيان أن تأتي طلبات تنفيذ هذا الإصلاح ضمن الصفقة الواحدة Single Package، التي تمليها شروط ومتطلبات الانضمام للمنظمة WTO Accession Requirements. لذلك لجأت الدول المستجدة إلى تسريع انضمامها للمنظمة والاقتناع بمتطلبات الانضمام، لأنها سوف تخدم في نهاية المطاف سياسات هذه الدول وتطلعاتها الهادفة إلى تحقيق الرفاهية لشعوبها. وقد يستغرب بعض المسؤولين عن القطاعات الاقتصادية والعديد من فئات المجتمع المدني من هذه الخطوات المتسارعة التي تخطوها الدولة المستجدة في هذه المرحلة من الانضمام، محاولين كشف مساوئ التسرع في اكتساب العضوية. وهنا أيضاَ تتجه الأنظار إلى القيادة السياسية في هذه الدولة، التي سرعان ما تبت في هذا الموضوع وتصدر أوامرها لفريقها التفاوضي بضرورة تحقيق الهدف المطلوب واكتساب استحقاقات العضوية.

الأكثر قراءة