صوموا... طفاصيل (3)
كنا قد توقفنا في مقال الأسبوع الماضي عند سر كبير، والبوح به أمر ملزم في هذه السطور، فبينما يكون والدي، متعه المولى بالصحة، مشغولاً بالتوصية على الفول من عند أبومحمد الفوال، كنت أنتهز الفرصة لاستلال يدي من قبضته القوية في حنّو، وأتجه إلى زاوية الشارع العام بتبوك حيث توجد بسطات الكتب. وأبدأ من فوري، مستحضراً لهفة الشمال بأكمله، في تأمل مجلدات "طرزان" ومجلات الخارق "برهان" التي كانت تترجم في بيروت وتباع بثروة قوامها عشرون ريالاً فقط.
لا أحد يعرف الشعور عندما تكون أحد هذه الكلاسيكيات بين يديك سوى من كان مهووساً بالرسم، كنت أتأمل براعة أساطين الرسم في تصوير أجساد الأبطال المفتولة العضلات، ووضعية أياديهم المليئة بالعروق النافرة... وتفاصيل أخرى لا أعتقد أن أحداً سيستشعر أثرها في كمية "الأدرينالين" في دم طفل تنحبس أنفاسه كلما قلب صفحة!
المهم، كنت أسترق دقائق قليلة لتمتيع ناظري بإبداع أثرياء التجسيد والإثارة، لأعود لاهثاً إلى محل الفوال وأحاول جاهداً أن أجد كف والدي في وسط زحام الصائمين.
من هناك، كنا ننتقل إلى محال بيع الـ "طرمبة" ليشتري لنا والدي ما كنا نحب من قطرها وقرمشتها، وكان البائعون يضعون "وصاية" سخية إذا كان شقيقي الأصغر معنا، فقد كانت له ابتسامة لا تقاوم وكان يلقي بكلمات لا تملك معها إلا أن تضحك. كان طفلاً مشاكساً وله شعر ناعم منسدل على عينيه، الآن رجل شاحب الوجه وأب لأطفال ثلاثة يصطحبهم معه إلى كل مكان!
في تلك الفترة، كان لرمضان رائحة مميزة، وأصر هنا على التأكيد أن لرمضان رائحة! وهذا لا علاقة له بكميات المقالي والروائح الشهية التي كانت تتصاعد من كل مكان، فحتى في الحارة، وبعيداً عن السوق بأميال، كانت هناك رائحة لأيام رمضان حتى قبل أن يبدأ!
ومن أشهر ما يميز رمضان في تلك الفترة هو المعارك بين الحواري، والأسلحة حينها كانت عبارة عن أغطية "قواطي" يتم ثنيها على أعواد يابسة ليصبح لها مقدمة مدببة تشبه الرماح، ويتم صناعة القوس من الخيزران أو أعساب النخيل المجزأة مع ربط "مغاط" ياباني في طرفيها، كان يستخدم لدك السراويل في البيوت، ليصبح بهذا لدى كل منا سلاح... قوس ورمح! ويتم الاحتكام لأكبرنا لكي يتولى توزيعنا على المواقع الاستراتيجية تحسباً لأي غزو من حارة مجاورة، وفي الغالب يكون هذا الحكم هو شقيقي الأكبر، فكان يختار لي منطقة ميتة لا صلة لها بتكتيك الحرب حفاظاً علي من الاعتداءات! عموماً، كانت تنشب معارك بين الحين والآخر، وكنت لا أدري من المنتصر... إلا أنني أعلم يقيناً أني كنت فاشلاً في التصويب!
من هنا، كنا ننتقل، بعد "التحارب"، إلى كرة القدم، ويغدو العدو صديقاً بسبب "التفريق" في الكورة!
الليل في مجمله كان حافلاً، ولكن تسلية النهار كانت بصيغة مختلفة، فمنصور عليان له حكاية مع الجري... سنتعرف عليها في "طفاصيل" الأسبوع المقبل.