رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأمير سلمان وهوية الإدارة المحلية

[email protected]

كشف الاجتماع الذي عقد الثلاثاء الماضي الموافق 26 أيلول (سبتمبر) برئاسة الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض عن أهمية تنسيق الجهود في تحقيق التنمية المحلية. الاجتماع المشترك الذي تخلله حوار مفتوح مع سموه بحضور أعضاء المجلس البلدي ومجلس المنطقة وهيئة تطوير الرياض والغرفة التجارية الصناعية وعدد من رجال الأعمال والإعلاميين، يعكس إيمان وفلسفة الأمير سلمان بالعمل المشترك والتعاون بين جميع القطاعات الحكومية والخاصة في إنجاز المشاريع التنموية. إن التنسيق والترابط بين جميع الأطراف في عملية التنمية المحلية والخروج برؤية واستراتيجية موحدة أو على أقل تقدير الإفصاح عن التوقعات والتوجهات وما ينبغي عمله في المستقبل هو بمثابة خريطة إرشادية يستدل بها وتكون قاسما مشتركا يمثل صلب الإدارة المحلية وجوهرها. إن الاجتماع له دلالاته الفلسفية أكثر منها فنية وينبئ عن حرصه على تحقيق هذه النظرة الجماعية تجاه العمل المحلي على الرغم من صعوبة ذلك في ظل الاعتماد على التنظيم البيروقراطي والمركزية الشديدة في تقرير وتنفيذ المشاريع المحلية والمناطقية من خلال فروع الأجهزة المركزية.
إن قياديا بحجم الأمير سلمان وخبرته في العمل الحكومي المحلي يدرك حقيقة وأهمية توحيد القرار المحلي وتحديد المسؤوليات والأدوار بين جميع الفاعلين في الشأن المحلي بدلا من حال التشرذم والتراخي واللامبالاة والتنافس السلبي بين الأجهزة الحكومية في ظل غياب استراتيجية موحدة تقيس الأداء وترصد النتائج. إن سعي الأمير سلمان إلى إيجاد صيغ للعمل المشترك ودعوته إلى الاجتماع والتداخل والتفاعل بين الفاعلين في المجتمع المحلي لفتة تحسب لسموه، تعبر عن عمق تجربته الإدارية وخبرته الواسعة في الإدارة المحلية ورؤيته المستنيرة المبنية على مواصلة تطوير العمل الحكومي بما يتوافق مع المتغيرات والمستجدات والتطلعات على الساحتين الداخلية والخارجية. لقد أتيحت لي في مرات سابقة الالتقاء بسموه تطرق فيها بالحديث عن أهمية الإدارة المحلية وضرورة وضع تصورات جديدة ونظم وأدوار تتناسب مع المرحلة المتقدمة من النضج السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي وصلت إليه المملكة. ما يجذبك في حديث الأمير سلمان عن الإدارة المحلية حيويته وسعة ثقافته واطلاعه وإدراكه الواقع بكل أبعاده وتطلعاته الطموحة إلى المستقبل عبر الاستفادة من التجارب والخبرات والإنجازات الماضية في الانتقال إلى أوضاع تنظيمية تزيد من لحمة الناس بقيادتهم والعلاقة المميزة بين الحاكم والمحكوم وتحقق المصالح العليا للوطن. إنه يدرك بفطنته أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في النظام الإداري ليكون قادرا على احتواء المتغيرات خاصة فيما يتعلق بتزايد عدد السكان وارتفاع المستوى الثقافي لأفراد المجتمع والتأثر بثقافات الشعوب الأخرى عبر التواصل الإعلامي والثقافي والاقتصادي. إن هناك ضرورة في تضييق مدى الرقابة بإيجاد وحدات إدارية مستقلة ماليا وإداريا تكون مسؤولة عن رعاية المصالح المحلية, وفي الوقت ذاته تكون مساءلة مباشرة من الأجهزة المركزية. لم يعد بالإمكان الاعتماد على القرارات المركزية في ظل تسارع وقع التغيرات وتعددها. إن الوضع الراهن يتطلب نظما محلية مرنة وتتمتع بسلطات اتخاذ قرار واسعة تمكنها من الاستجابة بكفاءة وفاعلة لمتطلبات السكان.
إن حديث سموه عن الإدارة المحلية حديث العارف بدهاليزها السابر لأغوارها عبر خبرة طويلة مليئة بالمبادرات والبحث الدائم عن أساليب جديدة ترتقي بأداء العمل المحلي. إن ما يميز الأمير سلمان كقيادي وممارس للعمل المحلي هو جمعه بين التجربة والخبرة العملية الميدانية وقدرته المذهلة في تأطير هذه التجربة الثرية نظريا وصياغتها فلسفيا والحديث عنها بمفردات ومصطلحات علمية ما يسهم في بناء النموذج الإداري السعودي ويساعد على تطوير نظرية إدارية نابعة من التجربة الخاصة بالمجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده. هذا يعكس ـ بلا شك ـ قدرته على التعلم المستمر واطلاعه الواسع وحرصه على الاستفادة من التجارب العملية في توسيع دائرة التطوير والتراكم المعرفي. لم تكن تلك الخبرة روتينية رتيبة وإنما كانت متجددة ومتنوعة مدركا جميع أبعادها متحكما فيها حريصا على توجيهها بفكر واع وإيجابي. إن هذه الخاصية في ديناميكية العمل استنادا إلى إطار فلسفي محدد وواع جعلت المهتمين والمختصين في مجال الإدارة الحكومية يلقبون سموه برائد الإدارة المحلية.
إن الحديث عن تجربة ومناقب شخصية فذة مثل الأمير سلمان لا يأتي من باب المجاملة لأنه في الأساس شخصية عملية جادة ورجل دولة لا يلتفت إلى تنميق الكلمات والحديث المزيف ولا ينتظر المديح، وغني عن تلك القائمة الطويلة بالإنجازات والنجاحات التي تملأ المكان ويشاهدها ويحسها ليس سكان منطقة الرياض وحسب بل المواطنون على امتداد الوطن. الحديث هنا ليس عن المشاريع الاقتصادية العملاقة والنقلة الحضارية للعاصمة الرياض وحسب التي تذهل الكثيرين وإنما الأهم الفكر الإبداعي وأسلوب صنع القرار الحاسم والحازم والملتزم. إن هناك مشاريع كثيرة وأعمال جليلة بعضها بازغة واضحة للعيان وبعضها خفية يبذل فيها من جهده ووقته في تهيئة المناخ العام للعمل المحلي ويوجه الجهود ليكون الحصيلة أفكار جديدة تنبت مشاريع تنموية يعود نفعها على المواطنين بجميع مكوناتهم وتفاوت طبقاتهم. إن الحديث عن شخص الأمير سلمان كقيادي متميز وناجح حديث مهم وجاد لأنه يمثل رمزا ونموذجا إداريا وطنيا يعزز الهوية الوطنية ويقود بالقدوة والمثال ويؤكد أن بالإمكان صناعة نموذج إداري ناجح وفاعل عبر التجربة المحلية. إنها صناعة الهوية الوطنية من خلال نظم إدارية واجتماعية محلية لا يمكن استيرادها وإنما تكون من نبت التراب الوطني ومن بنات أفكار قيادات مميزة وبخبرات قادرة على تجسيدها ونقلها إلى الآخرين والأجيال المقبلة.
إن مجتمعنا يحتاج إلى تطبيق هذه الرؤية الجديدة لسمو الأمير سلمان في العمل الإداري المحلي وتحويلها إلى مشروع وطني لبناء الإدارة المحلية. هذه الرؤية تتضمن: أولا، أن التنمية المحلية تتطلب مشاركة جميع الأطراف في المجتمعات المحلية في صياغتها، ثانيا، أن كمية ونوع وتوزيع الخدمات العامة يجب أن يكون مرتبطا بالاستراتيجية المحلية ويقود نحو التنمية المحلية . ثالثا، أن هناك ضرورة في إيجاد هيئة محلية مستقلة ماليا وإداريا ومسؤولة عن جميع الشؤون المحلية. رابعا، أن جوهر صناعة القرار المحلي ونضجه مرتبط بالقدرة على التمويل الذاتي للوحدات المحلية. خامسا يحب التفريق بين الإدارة المحلية والإدارة المناطقية والإدارة الوطنية أو المركزية، وإن ما يحدث الآن من قيام الأجهزة المركزية بمعالجة القضايا المحلية أثبت عدم جدواه وعدم كفاءته وبطئه. خامسا، أن المحلية تعني التميز بقاعدة اقتصادية وأن لكل مجتمع محلي قدرات وثقافة وموارد تمكنه من المنافسة والتفوق بميزات تفضيلية عبر رعاية وتطوير وبناء خبرات ومعارف في مجال محدد. سادسا، أن إدارة المدن لن تستطيع تلبية احتياجات سكان المدن ولا تحقيق الأفضل إلا إذا كان هناك ربط بين الإنفاق والتحصيل وقياس الأداء بناء على المدخلات والمخرجات وليس أحدهما دون الآخر. سابعا، يجب النظر إلى المدن كوحدات سياسية في نطاق جغرافي محدد وموثق قانونا وليس كمستقرات عمرانية فقط. ثامنا، المسؤولية الإدارية يجب أن تكون محددة بسلطة نطاق الإشراف المكاني ومسؤولة عن رعاية مصالح السكان ضمن النطاق الجغرافي المحدد. تاسعا، يلزم إصدار نظام للإدارة المحلية يحدد تكوين الوحدة المحلية وأدوارها وصلاحياتها وإجراءات اتخاذ القرار. عاشرا، يجب إعادة النظر في عدد الوحدات الإدارية وتوحيد مرجعيتها ويقترح أن يكون في كل مدينة مجلس تشريعي (المجلس البلدي ولكن بسلطات شاملة لكل قطاعات المدينة) ومجلس تنفيذي (المجلس المحلي المكون من فروع الوزارات) بحيث يتولى المجلس البلدي إصدار التشريعات وسن القوانين بينما يتولى المجلس المحلي تنفيذها. ونافلة القول نحتاج إلى تبسيط الإدارة المحلية من حيث الهيكلة ولكن في الوقت ذاته منحها صلاحيات وسلطات واسعة تتفق مع الأدوار التي يجب أن تقوم بها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي