منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (54)

منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (54)

المراحل التنفيذية للمسارات التفاوضية (الجزء الثاني)

مع نهاية المرحلة الأولى من جمع المعلومات والإجابة عن التساؤلات وتوزيعها على الدول الأعضاء في المنظمة، قد تقوم هذه الدول بإعداد قوائم أخرى من الأسئلة أو تطالب بمعلومات أخرى من الدولة المستجدة. ولدى ارتياح هذه الدول للإجابات والمعلومات الواردة، تطلب هذه الدول من إدارة الانضمام بالمنظمة الانتقال إلى مرحلة المفاوضات الفعلية، ويبدأ الإعداد للقاء فريق العمل الرسمي الأول، أي جولة المفاوضات متعددة الأطراف، لمناقشة وثيقة السياسات التجارية للدولة المستجدة والإجابات الواردة منها عن تساؤلات واستفسارات الدول الأعضاء. وتستمر هذه الجولة لعدة أيام في مراحلها الأولى وتختصر إلى يوم واحد أو نصف يوم لكل جولة في المراحل النهائية لانضمام الدولة المستجدة. وبالتزامن مع لقاءات فريق العمل، تبدأ بعض الدول الأعضاء في المنظمة بطلب عقد جولات من المفاوضات الثنائية مع الدولة المستجدة، تهدف إلى التوصل لاتفاقات ثنائية خاصة بالنفاذ للأسواق في قطاعي السلع والخدمات. وبهذا تبدأ المرحلة الأساسية الثانية من مراحل المفاوضات.
تهدف المرحلة الثانية إلى تعرف الدول الأعضاء في المنظمة عن كثب على السياسات الاقتصادية والتجارية والمالية والاستثمارية والقضائية للدولة المستجدة. ويتم ذلك عن طريق عقد مفاوضات مباشرة Face-to-Face Negotiations، بين الفريق التفاوضي الممثل لهذه الدولة والفرق التفاوضية المناظرة والممثلة للدول الأعضاء في المنظمة، سواء كان ذلك في مقر المنظمة بمدينة جنيف أو في عواصم هذه الدول، ويعتمد نجاح هذه المرحلة بشكل رئيسي على المواقف السياسية المتسقة والمصالح الاقتصادية المشتركة التي تسعى إليها جميع هذه الدول، سواء الأعضاء في المنظمة بشكل عام أو الدولة المستجدة بشكل خاص، لما لهذه المواقف والمصالح من روابط قوية تهدف في نهاية المطاف إلى تنمية العلاقات الدولية بين هذه الدول على الأصعدة كافة. كما يعتمد نجاح هذه المرحلة من المفاوضات الشاقة على مستوى القدرات الذاتية لأعضاء الفرق التفاوضية الممثلة لجميع الأطراف ومدى خبرتهم وبراعتهم على إقناع الطرف الآخر بمواقفهم الجادة والحقيقية. وفي هذه المرحلة تتطلع الدول الأعضاء في المنظمة إلى استخدام المعلومات التي حصلت عليها في المرحلة الأولى للتفاوض مع الدولة المستجدة وإقناعها، من خلال اتفاقات المنظمة، على تخفيف أو إلغاء العوائق والقيود والشروط أمام نفاذ صادرات هذه الدول من سلع زراعية، وصناعية، أو خدمات في أسواق الدولة المستجدة ولا شك أن هذه الأطراف المتفاوضة تسعى أولاً إلى تنظيم التبادل التجاري بينها ضمن حدود وأحكام منظمة التجارة العالمية، ولكن الدول المؤسسة للمنظمة، التي تكبدت تكاليف التأسيس، ترغب أيضاً في انتهاز فرص الانضمام المتأخـر للدولة المستجدة من أجل حصد المكاسب وجني الأرباح، من هذا المنطلق قد تجد الدولة المستجدة نفسها مطالبة بالالتزام بشروط وأحكام تفوق في مستوى تعهداتها ما التزمت به الدول الأعضاء التي تتفاوض معها.
وتتم مرحلة خوض المفاوضات من خلال ثلاثة مسارات محددة ومتزامنة، على النحو التالي:

المسار الأول: المفاوضات ثنائية الأطراف:
من خلال هذا المسار، تقوم بعض الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، خاصة الشركاء الرئيسيين للدولة المستجدة، بالإعلان رسمياً عن رغبتها في إجراء مفاوضات ثنائية Bilateral Negotiations ، كل على حدة، مع الدولة الساعية للانضمام. وتتقدم هذه الدول بطلبات محددة بشأن تيسير نفاذ صادراتها لأسواق الدولة المستجدة في قطاعي السلع والخدمات Market Access in Goods and Services . وتهدف هذه المفاوضات إلى توسيع نطاق هذا النفاذ وإزالة المعوقات الجمركية والفنية كافة، لتسهيل تصدير السلع والخدمات بسهولة ويسر، وفقاً لمبادئ المعاملة الوطنية وحق الدولة الأولى بالرعاية والشفافية والقدرة على التوقع بشأن استقرار الأنظمة التجارية والاستثمارية وتطبيقاتها. وتستمر هذه المفاوضات الثنائية إلى أن تختتم بالتوقيع مع كل دولة من هذه الدول على اتفاق ثنائي يشمل كافة التعهدات والالتزامات والحقوق المتفق عليها ضمن الإطار العام لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية وقواعدها الملزمة، ويتم في نهاية المطاف تجميع نتائج هذه الاتفاقات الثنائية في جداول التزامات موحدة Unified Schedules of Commitments ، تحتوي على جميع الالتزامات الخاصة بالنفاذ لأسواق الدولة المستجدة في قطاعي السلع والخدمات، وتقوم إدارة الانضمام بتعميم حصيلتها النهائية على جميع الدول الأعضاء في المنظمة تنفيذاً لمبدأ حق الدولة الأولى بالرعاية MFN Treatment ، سواء قامت هذه الدول بخوض المفاوضات الثنائية مع الدولة المستجدة أم لم تقم، وبهذا تحصل الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة، التي لم تتفاوض ثنائياً على جميع المزايا وكافة المكاسب التي التزمت بها الدولة المستجدة في اتفاقاتها الثنائية المبرمة مع عدد محدود فقط من الدول الأعضاء في المنظمة.
وحيث إن نتائج المفاوضات الثنائية تعتمد بشكل مباشر على كل القطاعات الاقتصادية التنموية في الدولة المستجدة، كان لزاماً توضيح أهمية هذه القطاعات ومدى تأثرها سلباً أم إيجاباً من جراء انفتاح أسواقها في المنافسة الدولية لدى اندماجها في النظام التجاري العالمي.

الأكثر قراءة