إصدار مؤسسة النقد سندات قصيرة الأجل يمتص السيولة ويسيطر على التضخم في السعودية
تؤثر تغيرات الأسعار في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في بلدان العالم، ولا يقتصر تأثيرها في المستوى المحلي لبلد ما بل قد يمتد تأثيرها إلى بلدان أخرى. والتضخم على مستوى الاقتصاد ككل هو باختصار التغير العام لأسعار السلع والخدمات. ويتوقف تأثير التضخم على مقداره ودرجة توقعه. فكلما ارتفع مستوى التضخم وقلة درجة توقعه كلما كان تأثيره سلبياً في أنشطة الحكومات والأفراد والمنشآت. وينتج عن التضخم تحولات في مداخيل القطاعات الاقتصادية والأفراد والشركات. ويؤدي ارتفاع الأسعار، إن لم يصاحبه ارتفاع مساو في الأجور على الأقل، إلى انخفاض الدخول الحقيقية للشرائح السكانية المعتمدة على الأجور والتي تتركز في الطبقات الفقيرة بالدرجة الأولى ثم متوسطة الدخل، مما يفاقم معضلات توزيع الدخل بين الشرائح السكانية (1). وقد تؤدي مستويات التضخم المرتفعة إلى ارتفاع مستويات الفقر وإلى معضلات اجتماعية وسياسية. وقد يكون التضخم جزئياً ومحصوراً في مجموعة محدودة من السلع أو الخدمات وفي هذه الحالة يكون تأثيره محدوداً في الأنشطة الاقتصادية لتلك المجموعة من السلع أو الخدمات.
وينشأ التضخم من عدة مصادر؛ فقد ينشئ عن السياسة النقدية أو السياسة المالية، وقد يكون مدفوعاً بارتفاع معدلات أجور العمالة، أو ناتجاً عن هزات العرض أو الطلب، كما قد يكون مستورداً أو مصدرا، وقد ينشأ التضخم من تغيير الأنظمة والسياسات الحكومية أو ناتجاً عن نشوء الاحتكارات، أو التطور التقني أو التغير في السياسات التجارية.
وعانت المملكة العربية السعودية في السبعينيات من ارتفاع معدلات التضخم بسبب ارتفاع معدلات النمو الكلي الناتج عن ارتفاع أسعار النفط وارتفاع الإنفاق الحكومي وارتفاع معدلات السيولة وارتفاع الأجور ومعدلات التضخم على المستوى العالمي. وعادت المخاوف في الوقت الحالي من ارتفاع معدلات التضخم بسبب عودة بعض الظروف (2) التي كانت سائدةً في تلك الفترة مضافاً إليها انخفاض معدلات صرف الريال مقابل بعض العملات الرئيسية مثل اليورو.
التضخم في المملكة
استناداً إلى بيانات مصلحة الإحصاءات العامة حول الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة، فقد شهد الاقتصاد السعودي استقراراً في مستويات الأسعار خلال الأعوام الماضية، وفي بعض الأعوام كان يشهد انخفاضاً في مستويات الأرقام القياسية. ففي فترة السنوات الخمس المنتهية في عام 2001م، تراجع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بنسبة 4.1 في المائة. وفي عام 2002م، بدأ الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يسجل ارتفاعات إيجابية ولكن متواضعة.
وكانت مصلحة الإحصاءات العامة تستخدم في حساب الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة أوزان السلع والخدمات التي استقيت من بحث الإنفاق الأسري لعام 1985م. وقامت المصلحة بإجراء بحث إنفاق أسري شمل عدداً أكبر من البنود وغطى عدداً أكبر من المدن في عام 1999م. وعلى أساسه، تم تغيير الأوزان المستخدمة في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، كما تم تغيير سنة الأساس لتكون عام 1999م. وكانت نشرات الأرقام القياسية المصدرة حتى عام 2003م مبنية على بحث الإنفاق الأسري لعام 1985م. وعند استخدام بحث الإنفاق الأسري لعام 1999م، أعيد إصدار أرقام قياسية لتكاليف المعيشة ما بين عام 1999م وعام 2003م. وتظهر الأرقام القياسية المبنية على الإنفاق الأسري لعام 1999م أن معدلات التضخم كانت أقل لفترة ما قبل 2001م، ثم بدأ الرقم القياسي الجديد يسجل معدلات أعلى من المعدلات التي كان يسجلها الرقم القياسي السابق للفترة ما بين أيلول (سبتمبر) 2001م وشهر تموز (يوليو) 2003م. ونتج هذا عن تغيير أوزان البنود وإدخال عدد أكبر من البنود وشمول مدن أكثر.
ويعود انخفاض معدلات التضخم في الاقتصاد السعودي في الأعوام الماضية إلى عدة أسباب أهمها:
الانفتاح التجاري على بقية دول العالم وانخفاض معدل التعرفة الجمركية على كثيرٍ من السلع. فقد أدى هذا الانفتاح إلى ارتفاع الكميات المعروضة من السلع وارتفاع عدد العارضين وارتفاع تنوع السلع.
الدخل النفطي الذي ساعد في تنفيذ سياسات التوازن المالي والنقدي الحكومية ووفر كميات كبيرة من العملات الصعبة مكنت المؤسسات المالية من تحويل الريال مقابل العملات الأجنبية وجلبت الاستقرار لمعدلات صرف الريال مقابل هذه العملات.
معدلات النمو الاقتصادي المعتدلة التي لم تولد ضغوطاً على الطلب الكلي على السلع والخدمات أو على اليد العاملة.
أسهمت أوضاع سوق العمل في المملكة والمتمثلة بوفرة العمالة الأجنبية الرخيصة وغياب الاتحادات العمالية وعدم ارتباط الأجور قانونياً بارتفاع الأسعار، في استقرار معدلات الأجور بل وتراجعها في بعض الأحيان مما ألغى تأثير الأجور على الأسعار.
أسهمت القيود المفروضة على أسعار بعض السلع الأساسية ومنها الوقود والخبز في استقرار أسعار هذه السلع. فقد وفر دعم وتثبيت أسعار الخبز في عدم المساس بتكاليف سلعة أساسية حساسة في معيشة الشرائح السكانية منخفضة الدخل. وأسهم دعم أسعار الوقود في إلغاء تأثير تقلبات أسعار المشتقات النفطية على تكاليف النقل والتي يمكن أن تنتقل إلى تكاليف السلع والخدمات.
أسهم انخفاض معدلات التضخم في الدول الرئيسية المصدرة للمملكة في استقرار أسعار السلع المستوردة والتي تمثل جزءا رئيسياً من السلع المستهلكة كما تدخل في مكونات المنتجات المحلية.
أسهم ارتفاع حدة المنافسة بين المنتجين المحليين والعالميين في الحد من المبالغة في أسعار معظم السلع والذي ينتج عن القوى الاحتكارية في السوق.
أسهم التقدم التقني المخفّض لتكاليف إنتاج بعض السلع والخدمات والرافع لجودتها في خفض تكاليفها، وكان هذا واضحاً في أجهزة الحاسب الآلي والإلكترونيات وخدمات الاتصالات.
غياب صدمات أو هزات العرض والطلب.
تغيرات الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة يقيس الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة التغيرات في أسعار المستهلكين. وقد شهد هذا الرقم تذبذباً في مستوياته خلال الأعوام الخمسة الماضية. ففي سنة الأساس المستخدمة حالياً، وهي سنة 1999م، يعد الرقم القياسي العام شبه مستقر عند 100. وفي كانون الثاني (يناير) عام 2000م، بدأ الرقم القياسي بالتراجع التدريجي الطفيف حتى بلغ 97.5 في أيلول (سبتمبر) 2001م، ثم عاود ارتفاعه التدريجي حتى بلغ 103.5في كانون الأول (ديسمبر) عام 2006م.
أولا: التحليل الكلي
تشير بيانات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة التي تصدرها مصلحة الإحصاءات العامة إلى وجود صعود بطيء للأسعار منذ عام 2002م. ويبدو من التحليل الكلي للاقتصاد أن هناك عدة عوامل تدفع بالأسعار إلى أعلى. وفيما يلي أهم التطورات الاقتصادية الكلية التي دفعت الأسعار إلى أعلى:
1- ارتفاع وتيرة النشاط الاقتصادي
وفقاً للتضخم الناتج عن جذب الطلب demand pull inflation، فإن من شأن تزايد الطلب الكلي على السلع والخدمات أن يؤدي إلى تزايد معدلات نمو الطلب الكلي بدرجة أكبر من نمو العرض الكلي، مما يدفع بالسعر الكلي في الاقتصاد إلى أعلى. فالإنفاق الحكومي في المملكة العربية السعودية يتزايد مع ارتفاع العوائد النفطية الناشئة عن ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع الإيرادات غير النفطية بسبب زيادة نمو الناتج المحلي. وترتفع إيرادات القطاع الخاص بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي والتحويلات الحكومية إلى الموظفين والمواطنين وارتفاع مستوى الإقراض للقطاع الخاص وارتفاع الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية كافة.
وتختلف المملكة عن كثير من الدول في كون ارتفاع الإنفاق الحكومي في الآونة الأخيرة قد صاحبه انخفاض في العجوزات المالية بل وحتى فوائض مالية، ولكن النتيجة النهائية لارتفاع الإنفاق الحكومي هو ارتفاع مستوى الطلب الكلي على السلع والخدمات وارتفاع مستوى عرض النقود بشكل أسرع من ارتفاع العرض الكلي للسلع والخدمات، وبالتالي ارتفاع مستوى الأسعار. ويختلف ارتفاع مستوى الإنفاق الحكومي في السنوات الأخيرة في كونه لم يخفض مستوى الادخار في الاقتصاد الوطني ولم يزاحم اقتراض القطاع الخاص، ولكن الفوائض المالية أدت إلى مزاحمة القطاعات الحكومية وشبه الحكومية للقطاع الخاص في مجالات الاستثمار، مما أدى إلى إبطاء عملية تخصيص الشركات الحكومية وارتفاع أسعار الأصول، وهذا يفسر جزءًا من الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم قبل انهيار السوق المالية.
2- ارتفاع معدلات نمو السيولة
يؤدي زيادة عرض النقود إلى ارتفاع الإنفاق الاسمي على السلع والخدمات ويتسبب في رفع الأسعار(3). ومن الجدول (2) يظهر أن عرض النقود (ن2) ارتفع بنسبة 14.5 في المائة في عام 2002، وهذا يفوق بكثير النمو في الطلب المحلي على السلع والخدمات في ذلك العام والذي بلغ 1.1 في المائة. ويرجع الارتفاع في عرض النقود بدرجة كبيرة إلى عودة جزء من الأموال السعودية المستثمرة في الخارج بسبب تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001م.
وفي عام 2003م، ارتفع عرض النقود (ن2) بنسبة 8.4 في المائة، وهو مقارب لمعدل نمو الإنفاق على الناتج المحلي لتلك السنة البالغ 7.5 في المائة. وترجع معظم الزيادة في السيولة إلى ارتفاع الإنفاق على الناتج المحلي بسبب ارتفاع أسعار النفط. وارتفع عرض النقود (ن2) بقوة في عام 2004م، حيث بلغ معدل نموه 18.9 في المائة، ويعد هذا الارتفاع أعلى بكثير من ارتفاع الطلب المحلي البالغ 8.1 في المائة. وفي نهاية عام 2005م، ارتفع عرض النقود (ن2) بنسبة 12.2 في المائة مقارنةً بنهاية عام 2004م.
وتشير بيانات السيولة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006م إلى نمو عرض النقود (ن3) بنسبة 19.3 في المائة مقارنةً مع الشهر نفسه لعام 2005م، مما يدل على استمرار نمو السيولة بالارتفاع عند معدلات عالية. ويعود الارتفاع في السيولة إلى توسع البنوك في معدلات الإقراض وإلى ضخ العوائد النفطية في الاقتصاد المحلي وإلى ارتفاع المكاسب الرأسمالية (4). ويأتي معظم الارتفاع في عرض النقود في الفترة الأخيرة إلى توسع البنوك في الإقراض. فقد ارتفعت مطلوبات البنوك على القطاع الخاص من 60.9 في المائة من إجمالي الودائع في نهاية عام 2002م إلى 89.1 في المائة في نهاية عام 2005م. وبدأت نسب مطلوبات البنوك على القطاع الخاص بالتراجع منذ شباط (فبراير)عام 2006م حتى بلغت 80.5 في المائة من إجمالي الودائع في كانون الأول (ديسمبر) عام 2006م. ويبدو أن انخفاض هذه النسبة متزامن مع تراجع النشاط في السوق المالية مما قد يقود إلى الاعتقاد بوجود ترابط قوي بين النشاط في السوق المالية ومعدلات مطلوبات البنوك على القطاع الخاص.
وارتفعت مطلوبات البنوك على القطاع الخاص في كانون الأول (ديسمبر) 2006م إلى 476.0 مليار ريال من 435.9 مليار ريال في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2005م، وهو ما يمثل نسبة ارتفاع مقدارها 9.2 في المائة. وسجلت مطلوبات البنوك على القطاع الخاص ارتفاعات قوية في عامي 2003م و2004م. من جهةٍ أخرى، انخفضت مطلوبات البنوك على القطاع العام في كانون الأول (ديسمبر) 2006م بنسبة 10 في المائة مقارنةً بنهاية 2004م. وهذا يدل على التوسع الكبير للبنوك في الإقراض إلى القطاع الخاص وانخفاض مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الحصول على الاعتمادات.
3- الارتفاع الناشئ عن ازدياد التكاليف cost push
ارتفعت تكلفة الواردات بسبب تراجع معدلات صرف الريال مقابل بعض العملات وخصوصاً اليورو والعملات غير المرتبطة بالدولار الأمريكي. فمن الجدول (2) يمكن ملاحظة أن أسعار صرف العملات الأجنبية الرئيسية مقابل الريال (ما عدا الدولار الذي يرتبط به الريال السعودي) انخفضت في عامي 2000م و2001م. أما في الأعوام التالية، فقد ارتفعت أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال السعودي بنسب متفاوتة. وبشكل إجمالي، ارتفعت أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال السعودي في أيلول (سبتمبر) 2006م مقارنةً بمتوسطات عام 2000م، فقد ارتفع اليورو والدولار الكندي والجنيه الاسترليني بنسب 29.5 في المائة، 27.1 في المائة ، 22.2 في المائة على التوالي، بينما ارتفعت قيمة الين الياباني بنسبة 5.1 في المائة فقط.
ولهذا، فمن الطبيعي أن ترتفع أسعار الواردات بنفس نسبة ارتفاع أسعار صرف هذه العملات مضافاً إليها معدلات التضخم في هذه البلدان. وقد قلل من تأثير التضخم المستورد خفض معدلات الرسوم الجمركية على كثير من السلع، كما أن الأهمية النسبية للواردات حسب البلدان المصدرة تتغير باستمرار. وارتفعت حصص البلدان الأقل تكلفةً مثل الصين والهند من إجمالي واردات المملكة، وإن كان ارتفاع أنصبة هذه البلدان على حساب نوعية السلع.
ونظراً لانفتاح سوق العمل في المملكة على استخدام العمالة، فلا توجد شواهد على ارتفاع أجور العمالة والذي يرفع تكاليف العمالة. وقد يؤدي الحد من استخدام العمالة الأجنبية وتنظيم المهن وسعودة الوظائف إلى رفع معدلات الأجور في بعض القطاعات الاقتصادية مما سيرفع تكاليف الإنتاج مستقبلاً.
وأدى ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته وبعض المواد الأولية مثل الحديد والنحاس والذهب والسكر إلى رفع تكاليف السلع التي تدخل في تكوينها مما رفع من أسعار تلك السلع. وكان النمو القوي في بعض الدول الآسيوية كالهند والصين الدافع القوي وراء ارتفاع أسعار المواد الأولية. ومن المتوقع أن يؤدي النمو القوي مستقبلاً في تلك البلدان إلى مزيد من الضغوط على أسعار المواد الأولية مما قد يسهم في استمرار إضافة المزيد من التضخم إلى أسعار بعض المنتجات.
4- ارتفاع القيمة السوقية للأسهم
شهدت سوق الأسهم منذ عدة سنوات ارتفاعاً متواصلاً في القيمة السوقية للأسهم، فقد ارتفعت القيمة السوقية للأسهم من 255 مليار ريال في عام 2000م حتى بلغت القيمة السوقية للأسهم 2.907 تريليون ريال في نهاية شهر شباط (فبراير) 2006م وهو ما يمثل ارتفاعاً مقداره 1040 في المائة، يبلغ نصيب القطاع الخاص منها ما يقارب الثلثين. وتضاعفت القيمة السوقية للأسهم خلال 2005 مما رفع ثروات المستثمرين الخاصين بنحو 800 مليار ريال خلال عام واحد. ومن المتوقع أن يؤدي شعور معظم حَمَلَة الأسهم بازدياد ثرواتهم إلى رفع مستويات استهلاك أصحابها إما بتسييل بعض هذه الثروات، وإما بالاقتراض أو خفض معدلات توفيرهم. وسيؤدي ارتفاع استهلاك المستثمرين إلى المساهمة في جذب الأسعار ورفع مستويات التضخم. كما أسهم تحول الاستثمار إلى سوق الأسهم في تيسير عملية تسييل الأصول، مما ساعد في رفع حجم السيولة. وقد ارتفعت أيضا قيمة الأصول التي تملكها الحكومة من الأسهم وارتفعت عوائدها، مما حسن الملاءة المالية للحكومة وزاد من قدرتها على زيادة الإنفاق. وكانت القيمة السوقية للأسهم التي تملكها الحكومة في الشركات المساهمة تفوق إجمالي قيمة الدين العام عندما وصلت السوق المالية إلى أوجها في شباط (فبراير) من عام 2005م. كما لعبت سوق الأسهم دوراً كبيراً في امتصاص السيولة الزائدة من سوق السلع والخدمات والأصول الأخرى كالعقار مما هدأ من ارتفاع أسعار هذه السلع والخدمات والأصول الأخرى.
وفي الفترة الأخيرة تراجعت القيمة السوقية للأسهم بدرجة كبيرة حتى بلغت 1.191 ترليون ريال في 31/3/2007 وهو يمثل انخفاضاً مقداره 59 في المائة من قيمتها في نهاية شباط شباط (فبراير) (5). ومن المتوقع أن يؤدي تراجع القيمة السوقية للأسهم إلى خفض ثروات الأفراد مما سيقود إلى خفض الإنفاق الخاص وبالتالي خفض الاستهلاك. ولهذا فإن تأثير ارتفاع الثروة الذي سببه ارتفاع قيمة الأسهم قد تلاشى في الوقت الحالي، وقد يكون للانخفاض الأخير في قيمة الأسهم أثرا سلبياً على إجمالي إنفاق المستهلكين بسبب الخسائر التي لحقت بأغلبية الأسر في المملكة والناتجة عن تدهور قيمة الأسهم.
ولا يقتصر تأثير تغير أسعار الأسهم على التأثير في حجم الثروة لدى الأفراد وإنما يتعداه إلى التأثير في توزيع السيولة المتدفقة بين أسواق السلع وأسواق رأس المال. فقد شهدت أسواق بعض السلع المعمرة والاستثمار في العقار والصناعة والتجارة نوعاً من التراخي في أوج ارتفاع أسعار الأسهم، وهذا ناتج عن توجه السيولة إلى المضاربة في سوق الأسهم. ولهذا فقد يكون لخروج السيولة من سوق الأسهم دور إيجابي في رفع الطلب على السلع المعمرة والاستثمارات الأخرى كالعقار مما أدى إلى رفع أسعار العديد منها.
5- هزات العرض والطلب
لم يعان الاقتصاد السعودي من أية هزات رئيسية في العرض والطلب. واقتصرت الهزات على ارتفاع أسعار بعض مواد البناء بسبب زيادة الطلب المحلي والعالمي. فقد ارتفعت أسعار حديد التسليح خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب تزايد الطلب العالمي (آسيا والصين خصوصاً) والمحلي على حديد التسليح ومنتجاته. كما عانت السوق المحلية خلال العام الماضي من ارتفاع أسعار مواد البناء بسبب زيادة الطلب محلياً وإقليمياً على هذه السلع وعجز المنتجين عن تلبية النمو في الطلب. وهذه المواد لا تدخل مباشرةً في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، ولكنها تؤثر بصورة غير مباشرة في تكاليف السكن، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإيجارات. وبالإضافة إلى ارتفاعا أسعار النفط، تشهد أسواق المواد الأولية ارتفاعات في أسعار بعض المواد الأولية مثل الذهب والفضة والألمنيوم والنحاس والأخشاب وسيؤدي ارتفاع هذه المواد إلى ارتفاع تكاليف المواد المصنعة التي تدخل فيها هذه المواد مما سيدفع مستقبلاً بأسعار المستهلكين.
وقد عانت أسعار الخضار وبعض أنواع الأغذية من ارتفاعات كبيرة في أسعارها وهذا ناتج عن انخفاض العرض بسبب الطقس البارد في الشتاء الماضي وبسبب عدم توافر عمالة كافية لجني المحاصيل. وقد تراجعت أسعار الخضراوات في الفترة الأخيرة بسبب تلاشي الظروف الموسمية التي أدت إلى ارتفاعها. أما بعض السلع مثل السكر فقد كان هناك ارتفاع في الطلب على هذه السلعة على المستوى العالمي مما قد يمثل هزة من هزات الطلب.
6- تثبيت الأسعار
أدت سياسة الحكومة في تثبيت أسعار المنتجات النفطية إلى عزل شبه كلي للاقتصاد السعودي عن تقلبات أسعار النفط. وقد أدى خفض أسعار البنزين إلى خفض معدل تكاليف المعيشة، وعلى النقيض من ذلك، من المتوقع أن يؤثر ارتفاع أسعار النفط بصورة غير مباشرة في أسعار السلع عالية الاستخدام للطاقة أو التي يدخل النفط أو الغاز في صناعتها. وسترتفع أسعار البتروكيماويات والأسمدة التي تزامن ارتفاع أسعارها مع ارتفاع أسعار النفط مما سيدفع بأسعار المنتجات المعتمدة على البتروكيماويات كالبلاستيك والأسمدة إلى أعلى.
التحليل الجزئي للرقم القياسي لتكاليف المعيشة
يتكون الرقم القياسي لتكاليف المعيشة من ثماني مجموعات رئيسية، وتتكون كل مجموعة من مجموعات فرعية تتألف بدورها من بنود فردية هي عبارة عن سلع يتم قياس أسعارها. وتظهر التغيرات في المجموعات الرئيسية المكونة للرقم القياسي لتكاليف المعيشة وجود تباين أكبر من التغيرات في الرقم القياسي العام. وفيما يلي استعراض سريع للتغيرات في المجموعات الرئيسية:
1. مجموعة الأطعمة والمشروبات
تعتبر مجموعة الأطعمة والمشروبات أكبر المجموعات تأثيراً في الرقم القياسي العام والأكثر حساسيةً للفئات السكانية الأقل دخلاً، نظراً لارتفاع حصتها من إنفاق هذه الفئات. وارتفع الرقم القياسي لهذه المجموعة في كانون الأول (ديسمبر) 2006 بنسبة 19.7 في المائة مقارنةً بالرقم القياسي لهذه المجموعة في شهر تموز (يوليو) من عام 2002 م عندما بدأت موجة الارتفاع التدريجي في أسعار بنود هذه المجموعة. ويرجع ارتفاع تكاليف هذه المجموعة بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن، والسكر والبيض، والخضراوات والفواكه الطازجة. ويعود الارتفاع في أسعار بعض هذه المواد الغذائية إلى ارتفاع الطلب المحلي على هذه المنتجات وسياسة الحماية الموسمية لبعض المنتجات الزراعية. وقد أسهم الدعم المقدم لبعض المنتجات الغذائية النهائية والسلع الوسيطة الداخلة في بعض المنتجات الغذائية في الحد من ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية كالخبز واللحوم.
2. مجموعة الأقمشة والملابس
انخفض الرقم القياسي لهذه المجموعة في كانون الأول (ديسمبر) 2006 بنسبة 16.1 في المائة مقارنةً بالرقم القياسي لشهر كانون الثاني (يناير) من عام 1999م. ويرجع هذا الانخفاض إلى تراجع أسعار مكونات هذه المجموعة. ويبدو أن ارتفاع درجة المنافسة بين المنتجين العالميين وتوجه المستوردين بدرجة أكبر إلى منتجين أرخص سعراً كالصين والهند أدى إلى تراجع الرقم القياسي لهذه المجموعة.
ويتضح من الشكل (3) أن الرقم القياسي لمجموعة الأقمشة والملابس قد أسهم في خفض الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة؛ حيث تراجع الرقم القياسي لهذه المجموعة بشكل متواصل تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية. ويبدو من الرسم البياني أن اتجاه الرقم القياسي لهذه المجموعة تنازلياً في الوقت الحالي.
والملاحظ على بيانات هذه المجموعة هو الانخفاض المستمر في تكاليفها، مما قد يثير تساؤلات حول دقة البيانات أو اختيار السلع الممثلة لهذه المجموعة. وقد يكون تراجع أسعار بعض بنود هذه المجموعة راجعاً إلى انحدار نوعيتها وليس أسعارها وذلك بسبب اتجاه المستوردين إلى جلب سلع أقل أسعاراً ولكن بجودة أقل.
3. مجموعة الترميم والإيجار والوقود والمياه
شهد الرقم القياسي لمجموعة الترميم والإيجار والوقود والمياه (السكن) تغيراً بسيطاً بين شهري كانون الثاني (يناير) 1999م وكانون الأول (ديسمبر) 2006، حيث ارتفع بنسبة 2.6 في المائة. وتركز معظم الارتفاع في الأشهر الأخيرة، فقد ظل الرقم القياسي لهذه المجموعة شبه مستقر حتى بداية 2006م. وهذا الارتفاع لا يشير إلى وجود ضغوط تضخمية لهذه المجموعة خلال هذه الفترة.
ومع ما يشهده سوق الإيجارات من ارتفاعات في الآونة الأخيرة إلا أن الرقم القياسي لهذه المجموعة لا يعكس ما يجري في السوق، مما قد يقود إلى الاعتقاد بعدم كفاءة الرقم القياسي لهذه المجموعة بقياس التغيرات في أسعار بنود السكن. وإذا ما ثبت قصور الرقم القياسي لهذه المجموعة بقياس التغيرات الحادثة فعلاً في سوق السكن، فإن ذلك يتطلب مراجعة أسلوب قياس بعض البنود وخصوصاً الإيجارات والتي تمثل الجزء الأكبر من هذه المجموعة. ويشير الشكل البياني رقم (4) إلى وجود ثبات مستمر لتكاليف هذه المجموعة خلال فترة زمنية طويلة مع تعدد مكوناتها مما يضيف المزيد من الشكوك حول دقة الرقم القياسي لهذه المجموعة في قياس التكاليف الفعلية للسكن، وقد يدل على وجود خلل واضح في منهجية أو أسلوب القياس.
ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع أسعار الأراضي في السنوات الماضية والقادمة وارتفاع أسعار مواد البناء مثل الحديد والأسمنت إلى رفع تكاليف بناء الوحدات السكانية، ما سيدفع بالإيجارت إلى أعلى ويزيد كلفة السكن بشكلٍ عام. وتشهد المملكة تنامياً للطلب على المساكن بسبب ارتفاع معدلات النمو السكانية والنمو الاقتصادي القوي. وسيؤثر ارتفاع كلفة السكن إيجابياً على الأرقام القياسية لباقي المجموعات المكونة للرقم القياسي لتكاليف المعيشة، حيث تدخل تكاليف السكن في تكاليف توفير السلع والخدمات وأي ارتفاع في تكاليف السكن سيمرر بدوره إلى المستهلكين مما يوجد دورة من ارتفاع الأسعار ناتج عن ارتفاع تكاليف السكن.
ومن المتوقع أن تؤدي زيادة الدعم لصندوق التنمية العقارية ورفع مخصصات الإسكان الشعبي وتطور المنتجات العقارية وزيادة التسهيلات المصرفية الخاصة للقطاع العقاري إلى رفع مستويات الطلب على مواد البناء، ما سيدفع بأسعارها إلى أعلى. وفي المقابل، فإن ارتفاع عدد الوحدات السكانية المزمع بناؤها سيسهم في الحد من ارتفاع تكاليف السكن. وقد أسهمت سياسة تثبيت أسعار المياه والكهرباء والغاز في الحد من ارتفاع تكاليف السكن.
4. مجموعة النقل والاتصالات
انخفض الرقم القياسي لمجموعة النقل والاتصالات بنسبة 14.3 في المائة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006 مقارنةً بتموز (يوليو) 1999م. وتتكون هذه المجموعة بشكل رئيسي من السيارات والهاتف والجوال والخدمات والسلع المتصلة بها. وتكون السيارات عادةً الجزء الأكبر في هذه المجموعة ويدل انخفاض تكاليف هذه المجموعة على تراجع أسعار السيارات وتكاليف الاتصالات. ويرجع انخفاض أسعار الاتصالات إلى التقدم التقني الذي تحقق في مجالات الاتصالات وإلى تخصيص قطاع الاتصالات ما أسهم في خفض أسعارها. وأسهم خفض الرسوم الجمركية بنسبة (7 في المائة ) في الحد من ارتفاع أسعار السيارات ولكن تكاليف شراء السيارات لم تشهد انخفاضاً خلال السنوات الماضية يبرر التراجع في الرقم القياسي لهذه المجموعة. وحتى إذا أخذ في الحسبان تحسن نوعية المواصفات والتقنيات المستخدمة في صناعة السيارات والذي يبدو أن المصلحة بالغت في تحسن هذه المواصفات فعند المقارنة بالسوق الأمريكية والتي ترتفع بها مواصفات البيئة والسلامة في السيارات باستمرار انخفضت تكاليف السيارات خلال الفترة المقارنة بنسب أقل. من جهةٍ أخرى، أسهمت سياسة خفض أسعار المحروقات من بنزين وديزل في خفض تكاليف هذه المجموعة.
5. مجموعة الأثاث المنزلي
انخفض الرقم القياسي لهذه المجموعة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006 بنسبة 4 في المائة عن مستواه في تشرين الأول (أكتوبر) 1999م. وقد يعود هذا الانخفاض إلى زيادة حدة المنافسة بين المستوردين والمنتجين المحليين والعالميين ما أدى إلى تراجع أسعار معظم مكونات هذه المجموعة.
6. الرعاية الطبية
ظلت تكاليف هذه المجموعة شبه مستقرة طوال السنوات الست الماضية ولكن أسعار هذه المجموعة بدأت في الارتفاع التدريجي في شهر يونيو 2006م حيث ارتفعت بنسبة 2.5 في المائة بين شهري كانون الأول (ديسمبر) 2006م مقارنةً بشهر يونيو الماضي. وقد كانت الارتفاعات في أسعار هذه المجموعة محدودة بما في ذلك تكاليف. ويبدو أن الارتفاع المتواضع في تكاليف هذه المجموعة لا يتناغم مع ما شهدته أسعار الأدوية والمعدات الطبية من ارتفاع في تكاليفها، وازدياد تعقد الإجراءات الطبية والذي رفع تكاليف الخدمات الطبية.
ويلاحظ أن مستوى الرقم القياسي لمجموعة الرعاية الطبية كان أعلى من مستوى الرقم القياسي العام، ولهذا فقد دفع الرقم القياسي لهذه المجموعة بالرقم القياسي إلى أعلى ولكن بتأثير محدود. ويبدو أن تأثير الرقم القياسي لهذه المجموعة شبه محايد على الرقم القياسي العام.
7. التعليم والترفيه
تراجع الرقم القياسي لمجموعة التعليم والترويح في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006م بنسبة 0.7 في المائة مقارنةً بنظيره في 2001م. وقد يكون هذا الانخفاض راجعاً إلى انخفاض أسعار أجهزة الترفيه والترويح، والذي نتج من التقدم التقني في عالم الإلكترونيات وحدة المنافسة في مجال إنتاجها عالمياً. وعلى النقيض من ذلك، فمن المتوقع أن تكون تكاليف التعليم الخاص بكافة مراحله قد ارتفعت بسبب ارتفاع الطلب على هذه الخدمة. كما أن أهمية هذه الخدمة قد ارتفعت في تكاليف المعيشة. ومن المتوقع أن يسهم ارتفاع أهميتها وتنامي الطلب عليها إلى دفع تكاليف المعيشة مستقبلاً إلى الأعلى.
8. سلع وخدمات أخرى
ارتفع الرقم القياسي لهذه المجموعة في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006م بنسبة 18.6 في المائة من مستواها في كانون الثاني (يناير) من عام 2002م. وكان ارتفاع أسعار الحلي والمجوهرات هو السبب الرئيسي لارتفاع الرقم القياسي لهذه المجموعة. ومن المعلوم أن أسعار الذهب ارتفعت خلال الأعوام الستة الماضية.
ومن الملاحظ أن التغيرات في الرقم القياسي لمجموعة السلع والخدمات الأخرى قد تشابهت مع تغيرات الرقم القياسي العام في بداية عام 1999م حتى شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2001م، وبعد ذلك بدأ الرقم القياسي لهذه المجموعة في دفع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة إلى أعلى. ويبدو أن اتجاه الرقم القياسي لهذه المجموعة تصاعدياً في الوقت الحالي وأنه يدفع بالرقم القياسي إلى أعلى.
التعامل مع التضخم
هناك بعض المؤشرات الإحصائية المستمدة من الاقتصاد الأمريكي التي تدل على أن التضخم يصاحب الدورة الاقتصادية ولكن مع بعض التأخير، حيث يرتفع معدل التضخم بعد تحقيق نمو اقتصادي قوي لفترة من الزمن، ثم يبلغ أوجه بعد بلوغ النمو الاقتصادي أوجه بفترة أخرى. وتشير التطورات الأخيرة في الأسعار إلى ارتفاع إمكانية حدوث الفرضيات نفسها على الاقتصاد السعودي، فقد بدأت معدلات التضخم في الاقتصاد السعودي بالارتفاع مع بعض التأخير عن الدورة الاقتصادية.
وكانت معدلات التضخم منخفضة أو سلبية في السنوات الماضية ولكن يصعب في الوقت الحالي تحديد مستويات ارتفاع الأسعار المتوقعة. ويظهر اتجاه الرقم القياسي منذ نهاية عام 2001م، صعوداً في حدود 0.5 في المائة في السنة، وهذا المعدل منخفض ويعتبر مقبولاً. ولكن في الفترة الأخيرة بدأت وتيرة الارتفاع في تكاليف المعيشة تتصاعد حيث ارتفعت بنسبة 1.7 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2006م، وهو ما يعادل معدل نمو سنوي مقداره 5.2 في المائة. ومثل هذا المعدل يعتبر مرتفعاً بالمعايير السعودية حيث لا يوجد ارتباط قانوني بين تغير الأجور وتغير الأسعار كما أن ثقافة الأسعار الثابتة تسيطر على الفكر الاجتماعي.
ويرى البعض أن بيانات مصلحة الإحصاءات العامة حول الأسعار غير دقيقة بسبب أسلوب جمع الأسعار (6)، وبسبب عدم استقلالية المصلحة، وعدم وجود شفافية كاملة حول هذه البيانات. فبيانات الأسعار والأرقام القياسية حول العالم تنشر بكامل تفاصيلها ولكن مصلحة الإحصاءات العامة لا تنشر إلا الأرقام القياسية للمجموعات الرئيسية، كما أنها لا تنشر الأسعار وأوزان البنود وأسلوب القياس المتبع. ولو نشرت مصلحة الإحصاءات العامة تفاصيل الأرقام القياسية لأمكن التحقق من دقتها من المراقبين وأمكن إصلاح الأخطاء المحتملة في قياس التضخم. ولكن إخفاء التفاصيل يرفع من مستوى التكهنات حول دقة قياس التضخم في المملكة. وهناك الكثير من الناس الذين يرفضون مستوى التضخم الذي تعلن عنه مصلحة الإحصاءات العامة ويرون أنه يقلل كثيراً من مستوى التضخم الحقيقي. وفي حالة عدم القبول بدقة بيانات مصلحة الإحصاءات العامة حول الأسعار، فإن معدلات ارتفاع الأسعار المتوقعة ستكون أكبر ولكن يصعب تحديد حجمها لعدم وجود جهة أو مؤسسة أخرى تجمع الأسعار.
وقد أدى انخفاض معدلات التضخم في المملكة لفترة طويلة من الزمن إلى تعود سكان المملكة على معدلات تضخم منخفضة، وقاد ذلك إلى توقع استقرار الأسعار. كما ولد عدم ربط الأجور بالأسعار وثقافة استقرار الأسعار حساسية شديدة ضد تغير الأسعار. وتحاول الحكومة تفادي ارتفاع الأسعار نظراً لتوقع الجمهور معدلات تضخم منخفضة.
السيطرة على التضخم
للحد من التضخم، يمكن استخدام العديد من الوسائل للتعامل مع مسببات ارتفاع معدلات التضخم. فللحد من ارتفاع معدلات السيولة، يمكن استخدام الوسائل النقدية من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي لامتصاص السيولة الفائضة على الأمد القصير مثل إصدار سندات قصيرة الأجل. أما على الأمد المتوسط والطويل، فيمكن رفع أسعار الفائدة، كما يمكن للحكومة امتصاص السيولة في سوق الأسهم ببيع بعض الأسهم التي تملكها بشرط إلا يعاد إنفاقها ثانيةً داخل الاقتصاد المحلي أو التعجيل بالإصدارات الأولية لإنشاء شركات جديدة. كما يمكن إدراج أسهم بعض الشركات الأجنبية مثل الشركات الخليجية أو الدولية في سوق الأسهم السعودية. وللتأثير على أسعار الصرف، يمكن تعديل سياسة أسعار صرف العملة وذلك برفع قيمة الريال مقابل العملات الرئيسية وفك ارتباطه بالدولار وجعله مرتبطاً بسلة من العملات الرئيسية.
وتستطيع الحكومة استخدام السياسة المالية لكبح التضخم ولكن ذلك قد يصطدم مع سياسات تحفيز النمو. ويمكن للسياسة المالية التأثير في التضخم من خلال الحد من نمو الإنفاق. ويتأتى خفض معدلات الإنفاق عن طريق ترشيد الإنفاق الحكومي والحد من نمو التحويلات إلى القطاع الخاص سواءً الشركات أو الأفراد. وقد يؤدي خفض معدلات نمو الإنفاق الحكومي إلى التأثير في مستويات التنمية ما يقود إلى القبول بمعدلات تضخم معقولة مقابل استمرار البناء والتنمية.
أما على صعيد التحليل الجزئي لمكافحة التضخم، فيمكن دراسة أسواق السلع التي تشهد ارتفاعات حادة في الأسعار ودراسة تأثير السياسات الحكومية التي يمكن أن تقود إلى تراجع أسعار هذه المواد. فقد أدى ارتفاع أسعار الأسمنت مثلاً إلى رفع الحماية عن صناعة الأسمنت، وكان من الممكن إلغاء الرسم كلياً بسبب ارتفاع الأسعار، كما كان في الإمكان إلغاء أي قيود أخرى قد تكون مفروضة على استيراد الأسمنت. كما يمكن الإسراع في إنشاء مصانع جديدة وتوفير الدعم الرسمي لها. ويمكن أيضا التحرك ضد الاحتكارات (7) وفك الاختناقات التي ترفع أسعار سلع معينة.
كما يمكن أن يسهم تعديل بعض الأنظمة التجارية في خفض القوى الاحتكارية التي يملكها بعض الأفراد والمؤسسات على بعض السلع. فأنظمة الوكالات الحصرية قد ترفع أسعار بعض السلع. كما أن الامتيازات الممنوحة مثلاً للخطوط السعودية أدت إلى رفع أسعار النقل الجوي (8). وقد أدى ظهور شركات خطوط جديدة إلى خفض تكاليف السفر بالطائرة. وقد تلعب الأنظمة البلدية دوراً في رفع أسعار الأراضي حيث إن تحديد مساحات دنيا وارتفاعات قصوى يرفع من أسعار الأراضي والذي يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السكن والإيجارات.
وقد يؤدي الانتهاء من تنفيذ بعض المشاريع الأساسية إلى خفض تكاليف النقل وسرعة انسياب السلع، ولعل من أهمها مشاريع النقل كالسكك الحديدية داخل المملكة والتي تربطها بالدول المجاورة. من جهةٍ أخرى، لعبت سياسة الحكومة في تثبيت أسعار الوقود والطاقة ومراقبة أسعار الأدوية دوراً كبيراً في خفض معدلات التضخم.
خاتمــة
يشهد الاقتصاد السعودي نمواً اقتصادياً قوياً في الوقت الحالي، ويشهد في الوقت نفسه نمواً مرتفعاً في السيولة النقدية وارتفاعاً في تكاليف الاستيراد بسبب تراجع أسعار صرف الريال خلال الأعوام الماضية أمام بعض العملات الرئيسية مثل الين الياباني واليورو وعملات بعض الدول الآسيوية، كما أن من المتوقع ارتفاع معدلات التضخم في دول العالم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع أسعار المواد الأولية. ومن المرجح أن تضغط هذه العوامل على أسعار السلع والخدمات في المملكة وبالتالي ترتفع معدلات التضخم. ويصعب تحديد مستويات الارتفاع، ويؤمل أن تكون هذه المستويات في حدود مقبولة نظراً للسياسة الرسمية الرافضة لمعدلات التضخم المرتفعة وحساسية المجتمع تجاه ارتفاع الأسعار.
وترتفع حدة التساؤلات حول دقة الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في قياس التضخم في المملكة، بسبب الشكوك المثارة حول بياناته المنشورة والتي قد يبدو أنها تقلل من موجة الارتفاع في أسعار كثير من السلع والخدمات. وقد يكون هناك ما يبرر هذه الشكوك، حيث إن هناك شعوراً بأن الرقم القياسي يقلل من ارتفاع بعض المجموعات الرئيسية والتي منها مجموعة السكن والرعاية الطبية. كما يبالغ الرقم القياسي في الانخفاض في تكاليف مجموعة الملابس ومجموعة النقل والاتصالات. فإذا ما تم الأخذ بالتحفظات حول بيانات هذه المجموعات وتعديل الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بما يتناسب مع الواقع الملموس، فإن معدلات التضخم ستعلنها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات. فإذا ما تم الأخذ بالتعديلات كافة فإن معدل ارتفاع تكاليف المعيشة سيرتفع لعام 2006م، حيث من المتوقع أن يراوح ما بين 5 في المائة و10 في المائة وذلك بدلاً من معدل ارتفاع شهر كانون الأول (ديسمبر) 2006م مع مماثله من عام 2005م والذي بلغ 2.9 في المائة. ويأتي هذا الاستنتاج إذا تم أخذ ارتفاع أسعار السلع والخدمات الحاصل في الأسواق. فأسعار السكر والخضراوات ارتفعت بنحو الضعف بينما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن والبيض. وشهدت أسعار السيارات بعض الارتفاع في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى بروز أزمة سكن في الأفق قد تدفع بالأسعار إلى معدلات أعلى. وارتفعت أسعار الأدوية بنسب لا تقل عن 50 في المائة، كما شهدت الآونة الأخيرة ارتفاع أسعار كثير من السلع والخدمات.
وسيسهم تبني مصلحة الإحصاءات العامة لمبدأ الشفافية ونشرها كافة بيانات الأسعار والأرقام القياسية في التحقق من صحة البيانات من قبل المحللين. فنشر التفاصيل إما سيثبت أن الأرقام المنشورة دقيقة وتعكس الواقع أو أن هناك أخطاء يمكن للمحللين تحديدها ومن ثم تقوم المصلحة بتصحيحها والحصول على نتائح تعكس الواقع. ولهذا فإن تبني الشفافية سيؤدي إلى إبراز الحقيقة. وقد أدى عدم نشر مصلحة الإحصاءات لتفاصيل الأرقام القياسية والأسعار والأوزان المستخدمة إلى ضبابية حول الأرقام القياسية.
1- من البديهي أن يؤدي التضخم إلى انخفاض القيمة الحقيقية للدخول الاسمية الثابتة أو التي ارتفعت بنسب تقل عن معدلات التضخم. وتشير تجارب كثير من الدول وخصوصاً الدول النامية إلى تسبب التضخم في تردي وضع الشرائح السكانية منخفضة الدخل.
2- كانت المملكة تعاني من اختناقات في البنية الأساسية، فضلاً عن أن التغيرات كانت أكثر حدةً في السبعينيات.
3- يتطلب تساوي ارتفاع عرض النقود مع التضخم والطلب الحقيقي على النقود وجود توازن في أسواق الأصول (رأس المال).
4- أدى ارتفاع المكاسب الرأسمالية إلى رفع مستويات استهلاك أصحابها ام بتسييل جزءٍ منها أو خفض التوفير من دخول ملاك رؤوس الأموال أو الاقتراض من البنوك.
5- ولكن ومع هذا الانخفاض مازالت قيمة الأسهم في الوقت الحالي تزيد على قيمتها في عام 2000م بأكثر من أربعة أضعاف.
6- يقوم متعاونون من المدرسين بجمع الأسعار الميدانية ويحتاج هؤلاء إلى المزيد من التدريب لإنجاز أعمالهم على مستوى مرتفع من المهنية، ومن الأفضل تعيين مختصين متفرغين في مجال جمع الأسعار. ولا تتوافر في السوق السعودية بيانات كافية عن الأسعار مما يلقي بكامل ثقل قياس الأسعار على مصلحة الإحصاءات العامة. ففي دول أخرى قد يستعان بالبيانات التي تصدرها المؤسسات المهنية مثل رابطة بائعي السيارات في قياس متوسط لأسعار السيارات.
7- يتمتع بعض الوكلاء الحصريين بقوى احتكارية في السوق المحلية مثل وكلاء توزيع السيارات. كما تقوم بعض المؤسسات العامة بدور احتكاري ربما لا يؤثر في أسعار الخدمات ولكن يؤثر في نوعيتها ومن هذه المؤسسات الاحتكارية الخطوط السعودية.
8- أدى مثلاً عدم وجود نقل بالحافلات من المطارات الرئيسية إلى رفع تكاليف النقل من المطارات الرئيسية.
متخصص في الدراسات الاقتصادية