رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاقتصاد السعودي من الملك عبد العزيز .. إلى الملك عبد الله

[email protected]

تحتفل المملكة العربية السعودية اليوم بمناسبة اليوم الوطني، والمتابع للتطورات في المملكة يجد أن الاقتصاد الوطني لعب دورًا رائدًا في تطور المجتمع السعودي ووضع المملكة في مقدمة دول منطقة الشرق الأوسط.
إن الاحتفاء باليوم الوطني للمملكة يلزمنا الوقوف على أهم محطات الاقتصاد الوطني السعودي لنتبين حجم التطورات التي طرأت على الاقتصاد السعودي من اقتصاد موارده لا تغطي المتطلبات الأساسية للمجتمع .. إلى اقتصادي تفيض موارده حتى أصبح من أكثر اقتصادات دول العالم تطورًا وازدهارًا. بمعنى أن إيرادات الاقتصاد السعودي في بداياته الأولى كانت تقوم على الإيرادات التي تدخل خزانة الدولة من رسوم الحجاج الذين كان عددهم لا يتجاوز 40 ألف حاج سنويًّا، يضاف إلى ذلك قيام الفعاليات الاقتصادية التقليدية ببعض الأنشطة والأشغال اليدوية.
وانطلاقًا من هذا الوضع الاقتصادي المتواضع كانت القضية الاقتصادية عند الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله - في بدايات حكمه هي شغله الشاغل، وكان يسعى بكل قوته للبحث عن موارد اقتصادية تعزز مشروعه الاستراتيجي الذي أعلنه وهو إعلان الحرب على الجهل والفقر والمرض .. ولذلك حينما بلغه أن الأراضي في المنطقة الشرقية ترشح بقعًا من الزيت وأن بقع الزيت فوق رمال الدمام، الظهران، رأس تنورة، وبقيق تعلن عن وجود كميات كبيرة من الذهب الأسود في باطن الأرض .. قفز بنفسه إلى المواقع وقام بزيارات ميدانية للمواقع التي تكتنز الزيت، ثم أمر عبد الله السليمان وزير المالية يوم ذاك بالتوقيع على اتفاقيات للبحث والتنقيب عن الزيت تحت رمال المنطقة الشرقية، وفي 29 أيار (مايو) 1933م وقع الوزير عبد الله السليمان في مدينة جدة على أول اتفاقية للتنقيب عن البترول في المملكة العربية السعودية.
وحينما كانت بشائر وجود البترول بكميات تجارية تلوح في الأفق القريب كانت الأخبار تنقل - أولاً بأول - إلى مسامع الملك عبد العزيز، وكان ـ رحمه الله - يستقبل هذه الأخبار بالاستبشار والجدية، ويقوم بنفسه بزيارات ميدانية لمواقع الآبار، وكان يلاقي العاملين ويتحدث إليهم ويشجعهم على الإخلاص في العمل والبحث والتنقيب عن الذهب الأسود، وكانت زيارات الملك عبد العزيز ـ رحمه الله - لهؤلاء العاملين في مواقع العمل ـ ومعظمهم من السعوديين - لها وقع طيب في نفوسهم مما جعلهم يتفانون في أداء عملهم وواجبهم. وبعد خمس سنوات من التوقيع على هذه الاتفاقية تم حفر بئر الدمام، وهي أول بئر منتجة في المملكة، وبعد عام واحد من حفر البئر الأولى شرف الملك عبد العزيز حفل تصدير أول شحنة بترول إلى الخارج، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939م (1358هـ) أوقف تصدير البترول، ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شهدت السوق السعودية للبترول ازدهاراً لم يسبق لـه مثيل، فقد زادت الكميات المنتجة، كما زادت بشكل ملحوظ الاكتشافات البترولية التي اتسمت بالضخامة، ومنذ منتصف الأربعينيات الميلادية بدأ الاقتصاد الوطني السعودي يشهد نموًّا هائلاً في قطاعاته كافة، وأخذت معدلات التنمية الوطنية تحقق أرقامًا عالية؛ نتيجة للزيادة في الدخل القومي التي ترتبت عليها زيادة في الإنفاق الحكومي.
فبعد أن كان إنتاج المملكة في عام 1936م (1355هـ) يساوي 19.777 برميل، قفز في عام 1949م/1368هـ إلى 144.852.766 برميل، وبينما كان دخل المملكة من البترول في عام 1939م/1358هـ يقدر بمبلغ 166.890 دولار أصبح في عام 1949م (1368هـ) يقدر بمبلغ 66 مليون دولار. أكثر من هذا قفز في عام 1953م (1372هـ) إلى 226 مليون دولار.
وتأسيسًا على هذه الزيادة الملحوظة فإن ميزانية الدولة ارتفعت في عام 1948م (1367هـ) إلى 214.586.500 ريال بعد أن كانت في عام 1934م(1353هـ) تقدر بنحو 14 مليون ريال فقط.
وهكذا أخذت الثروة البترولية تعيد تشكيل الاقتصاد السعودي من اقتصاد تقليدي ضعيف إلى اقتصاد عصري قوي يقوم بتمويل أكبر برامج للتنمية في منطقة الشرق الأوسط. ودخلت المملكة اعتبارًا من عام 1970م (1390هـ) عصر التنمية الاقتصادية المخططة، ومضى الاقتصاد المخطط يدك حصون الفقر والجهل والمرض عبر تنفيذ برامج سبع خطط تنموية آخرها الخطة الثامنة التي صدرت مع اعتلاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز زمام الحكم في هذه المملكة التي بات اسمها معروفًا باسم (مملكة الإنسانية).
والواقع أن ملف التنمية الاقتصادية الوطنية كان ومازال الملف الرئيسي الذي يشغل بال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله منذ أن كان وليًّا للعهد ورئيسًا للجنة العليا للاقتصاد، كما كان الملف ذاته يشغل بال والده الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه - حينما كان يركض وراء الثروة البترولية حتى استطاع أن يجعلها المصدر الرئيسي للدخل الوطني.
ولعله من حسن الطالع أن اعتلاء الملك عبد الله لسدة الحكم ترافق وتزامن مع زيادة عالية وغير مسبوقة في أسعار البترول؛ مما مكّن حكومة خادم الحرمين الشريفين إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتحويله من اقتصاد يعتمد على مورد واحد هو البترول إلى اقتصاد يتمتع بالعديد من الموارد، ولذلك تميزت مرحلة الملك عبد الله بإنشاء المدن الصناعية العصرية الكبرى وتوقيع اتفاقيات الشراكات الاقتصادية التي تهدف إلى دعم الاقتصاد السعودي وتهيئته للمنافسة مع أكبر اقتصادات الدول المتقدمة التي أصبحت بعد عضويتنا في منظمة التجارة العالمية تقف عند أبواب الاقتصاد الوطني السعودي، ولذلك أكسبت مدينة الملك عبد الله الاقتصادية وكذلك مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل، وأيضًا مشاريع التوسعة في سابك ومشاريع الشراكة مع الصين، الهند، ماليزيا، باكستان، وتركيا وغيرها من المشاريع الاقتصادية العملاقة .. اقتصاد المملكة يميزه تعدد الموارد وتنوع الإمكانات والدخول إلى أسواق المنافسة بالكفاءة والندية.
إن المراقبين الاقتصاديين يتوقعون أن يكون ثلاثة من أكبر أربع نظم اقتصادية في العالم خلال الـ 20 عامًا المقبلة موجودة في آسيا وحدها، وهو ما يؤكد صحة المقولة التي ترددت منذ فترة بأن القرن الحادي والعشرين سيكون آسيويًّا. ولقد اتفقت دول شرق آسيا على إنشاء منطقة للتجارة الحرة تكون مقدمة لتوحيد دول المنطقة اقتصاديًّا على غرار الاتحاد الأوروبي، وإذا استكمل هذا الاتحاد مقوماته، فإنه سيكون اتحادًا منافسًا للاتحاد الأوروبي، وإذا كنا نلهث لتوقيع الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي فإن توقيع الاتفاقات مع الاتحاد الجمركي الآسيوي لا يحتاج إلى لهثان وإنما يحتاج إلى مبادرات سريعة تضعنا جنبًا إلى جنب مع الدول المرشحة لبلوغ المنافسة في أكبر الأسواق العالمية.
ولذلك فإن القراءة الصحيحة للمسيرة الاقتصادية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله منذ أن تولى رئاسة المجلس الاقتصادي الأعلى في عام 1420هـ (2000م) تؤكد بأن الملك عبد الله يأخذ المجتمع السعودي من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع صناعي يقوم على تقنية المعلومات.
إن بناء علاقات اقتصادية عميقة مع دول مرشحة لقيادة الاقتصاد العالمي يصبح أمرًا بالغ الأهمية ويدل دلالة واضحة على عبقرية سعودية تستهدف وضع الاقتصاد السعودي جنبًا إلى جنب مع الدول الواعدة التي سوف تقود الاقتصاد العالمي في عصر العولمة.
إن تقنية المعلومات والاتصالات هي التي نقلت الصين والهند واليابان وكوريا من دول غائبة عن ركب الحضارة إلى دول مرشحة لقيادة الاقتصاد العالمي.

د. أمين ساعاتي

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي