طب الأُسرة: هل نحن بصدد خدمة صحية أمْ مادة إعلامية؟
عادة ما يكون الحديث ذا شجون إذا ما تطرقنا لمواضيع الصحة والخدمات الصحية، وقد لا ننتهي لاتفاق فنميل تارة ونتشعب تارة أخرى, ولكن في نهاية الحوار نعلق بعض الشؤون ونتسرع في وضع القرارات في أخرى ولا نصل لوضوح الصورة فيما تبقى فنهملها. نحن نأمل أن تكون كل المناقشات والمحاورات الصحية جيدة ومثرية للدراسات العلمية التي تمكن المختصين والخبراء من تحديد أطر العمل وآلياته وليستفيد من هذه النتائج المسؤولون التنفيذيون فيترجموها أداء فتكتمل صورة النظام الصحي المفترض فيه تحقيق أفضل النتائج عمليا بأكثر استفادة من القوى العاملة واحتواء للتكاليف (لا أقول أقلها) وعدالة توزيعها بين أفراد المجتمع في جميع المناطق وقابلية الخدمة للتحسين والتطوير.
الجميع يعلم أن إعلان مشروع "طبيب أسرة لكل أسرة" هدف نبيل يتوقع له أن يوفر خدمة لأكثر من 25مليون نسمة من مواطنين ومقيمين برعاية صحية أولية مجودة, ولكن كنت وما زلت أقول إن تنفيذ المشاريع الضخمة – في المملكة - التي تتضمن تأهيل موارد بشرية وتوظيف موارد مالية وتقديم خدمات لجميع أفراد المجتمع لا يمكن أن نتركها للرغبة والطموح والأحلام الوردية فقط بل لابد أن تخضع لإعداد جيد فيه "طحن وعجن" ومن ثم صناعة فتجارب من البداية حتى إخراجها كمنتج للمجتمع يفخر به المستفيد قبل مقدم الخدمة. في هذا الموضوع سيختلف معي البعض من المسؤولين والأكاديميين، ولكن قد أستميل رأي الممارسين والمفكرين وبعض المواطنين، ولكن ليكون الأمر كأمانة أنيطت بنا جميعا ونحن نسعى لصالح الجميع لابد من تحكيم العقل دون اللجوء لاستمالة رأي مجموعة أو جهة. لابد أن نضع الفكرة على طاولة التشريح لأنه قرار وطني، ولا بد من وجود أهل الخبرة في التخصصات المختلفة المشتركة في هذا المجال والوصول لحل قبل بداية العام الدراسي المقبل لنتمكن من احتساب الزمن لصالح الخدمة ومقدميها والعاملين على إعداد برامجها من الجنود المجهولين "أثابهم الله". في الوقت ذاته نستمر في تبرير مناقشة الحوافز للممارسين الصحيين المعرضين لكل أصناف المرضى وما يشتكون منه نفسيا وعضويا, وهم يعملون في صمت ساعين بغية تطبيب العليل وإرضاء النفس بالقليل.
قد أبدأ هنا بالتساؤل: لماذا لا تكون مدة برنامج الزمالة عامين بدلا من أربعة أعوام في هذا التخصص بالذات، خصوصا ونحن نستطيع منح أسماء لمستويات وظيفية متناسبة مع سنوات الدراسة والخبرة؟ ثم هل سنة واحدة كدبلوم تأهيلي للأطباء لتمكينهم من العمل في المراكز الصحية أو القيام بالمهمة يمكن أن تصل بجودة الأداء إلى المأمول أكاديميا ومهنيا خصوصا في المناطق البعيدة التي يجب أن يتم الاهتمام بها قبل القريبة أو المكتظة سكانيا؟ لماذا لا ينظر في زيادة ساعات العمل للمراكز الصحية التي أثبتت الدراسات الميدانية أنها في أحياء مكتظة بالسكان أو أنها يمكن أن تخدم أفرادا لديهم ظروف عمل مختلفة أو تخدم عدة أحياء من المدينة بغرض تخفيف الضغط على المستشفيات وأقسام الطوارئ فيها؟. هل ستحقق برامج الهيئة وتنظيم الوزارة وخطط الجمعيات المتخصصة وصولنا لتأمين العدد المطلوب من أطباء الأسرة الاستشاريين وتحقيق المعدل المناسب من هذه الفئة من الأطباء لكل عشرة آلاف من السكان بالمملكة؟. هل الهيكل التنظيمي المقترح من قبل وزارة الصحة في تنظيم العمل بمشروع "طبيب أسرة لكل أسرة" هو المفترض أن يقر؟. أما من ناحية البيئة الطاردة فهل حقا بدأنا في معالجة المشكلة بالشكل الصحيح أم أننا اجتهدنا في اختيار الأفراد والمادة والأسلوب والتوقيت؟. هنا قد أقترح أن تراجع تجارب الدول كـ "كندا, أستراليا, الولايات المتحدة وأخرى" ممن عانت من اختلاف أطياف المجتمع وتعدد الأصول والأعراق, وتمتعت بمساحات جغرافية كبيرة لها تضاريس مختلفة, وأنفقت في بعض السنوات مبالغ ضخمة ما كان لها أن تنفقها, وتدرجت في التغطية الصحية عبر تجارب عدة حتى فضلت استخدام التقنية عن إكمال بعض المشاريع الميدانية, واختلفت في رؤاها في هيكلة التنظيم الإداري والسلم الوظيفي المهني ووضعت بعض الاشتراطات, ولجأت لزيادة الحوافز والمخصصات للعاملين بالمناطق البعيدة عن المدن والخدمات.
أعرف تماما أن الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع لن تألو جهدا في سبيل القيام باللازم تساندها في ذلك الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ووزارة الصحة, إلا أنني أتمنى أن يشكل فريق علمي ومهني تشترك فيه بعض العناصر الإدارية المتميزة من الجهات التي يختارونها (في بعض فترات الدراسة) لقراءة الوضع القائم ووضع النقاط على الحروف في أهم مشروع وطني تنموي على الإطلاق. مبدئيا نريد أن نحدد بالضبط: ماذا نريد من طبيب الأسرة أن يعرفه ويطبقه ويكمل به منظومة الخدمات الصحية فيكون قادرا على اتخاذ القرار الطبي الصحيح، مستخدما أحدث التقنيات فيخفف الضغط على المستشفيات, ويرضي الفرد بما تلقى من خدمات, محتويا بذلك التكاليف ومقننا المصروفات؟ أما ما يلي ذلك من نقاط فقد تخصص لها مقالة أخرى ـ بإذن الله ـ. في الوقت نفسه المسؤولون في المستويات الإدارية المختلفة بأجهزة القطاع الصحي ومقدمو الخدمات الصحية مع بعض الجمعيات العلمية والخيرية أمام مهمة تثقيف المجتمع لتحويل الأنظار من المستشفى إلى المركز الصحي شيئا فشيئا. يمكن في هذه الحالة تبني البرامج المختلفة بشكل علمي ومنهجي وبالتدريج وبالتعاون مع وزارة الإعلام من خلال جميع وسائلها حتى نحقق الهدف بكل ما توافر من إمكانات. في الواقع لن نقلل شكاوى التأخير أو الإهمال, ولن نستطيع كبح كل انفعال, ولكن يمكن أن نهيئ المجتمع لتقبل ما يبذل ويقال, وبالله نستعين وعليه الاتكال.