الحيرة في التعامل مع صناعة الأسمنت
يبدو من القرارات المتخذة في السنوات الأخيرة تجاه صناعة الأسمنت أن هناك حيرة في التعامل مع هذه الصناعة. وهذه الحيرة نابعة من تضارب مصالح المنتجين والمستهلكين. فمن جهة هناك اتجاه للحفاظ على مصالح المستهلكين وجلب الاستقرار لسعر السلعة المحلي وبقائه عند مستويات منخفضة وضمان عدم ظهور أي نقص في الإمدادات المحلية. ولهذا تم تقديم دعم كبير لهذه الصناعة (والصناعات الوطنية كافة) لمساعدتها على التوسع في الإنتاج وتوفير كميات كبيرة في السوق المحلية عند أسعار منخفضة. وعندما ارتفع الطلب بقوة خلال الأعوام القليلة الماضية لجأت وزارة التجارة أخيرا إلى منع تصدير هذه المادة إلى الخارج. وتبدي الجهات الرسمية أيضاً حرصاً على مصالح صناعة الأسمنت والحفاظ على مكتسباتها. ولهذا يوجد حذر من أن تسبب سياسة منع التصدير الإضرار بصناعة الأسمنت في ظل تراجع الطلب المحلي، ولذلك تم السماح بتصدير هذه السلعة مع فرض بعض القيود مثل ضمان سعر منخفض للموزع المحلي. وأعتقد أن وجود سعرين لمادة معينة أمر غير مرغوب فيه حيث ينتج عنه تشوهات في قنوات توزيع السلعة. ولعل من الأفضل تبني أحد الخيارين الرئيسيين التاليين للتعامل مع هذه المعضلة. فالخيار الأول يسمح بحرية المصانع في تحديد أولوياتها وهذا سيمكنها والوسطاء من رفع الأسعار المحلية بسبب ارتفاع الطلب على الأسمنت السعودي في الخارج والذي يعود إلى ميزة الأسعار التي تتمتع بها صناعة الأسمنت السعودية مقارنةً بمثيلاتها في الأسواق المجاورة. ويبدو هذا الخيار الأصح والأكثر عدلاُ لو كانت السلعة غير مدعومة. ولكن مستويات الدعم الكبيرة المقدمة للسلعة وكذلك الآثار البيئية السيئة المترتبة على إنتاج هذه السلعة وغير المحتسبة في تكاليف الإنتاج، تدفع لضرورة إعادة تقييم لصافي المنافع العائدة من التصدير. وقد تنظر الجهات المسؤولة في إمكانية دفع المصدرين لكل أو جزء من تكاليف الدعم المحلي وتكاليف تلويث البيئة المحلية والتي تؤثر في مستويات المعيشة في البيئات المحيطة بالمصانع.
وتقدم المملكة مستوى كبيرا من الدعم لصناعة الأسمنت. ولعل أهم دعم تتلقاه هذه الصناعة هو انخفاض أسعار الطاقة المستخدمة في صناعة الأسمنت كثيفة الاستخدام لها. وتشير بعض مصادر صناعة الأسمنت إلى أن إنتاج طن واحد من الأسمنت يتطلب طاقة تراوح بين 5.3 و7.3 مليون وحدة حرارية. وهذا المستوى من الطاقة قريب من مستوى الطاقة الممكن توليدها من استهلاك برميل نفط خام واحد، والتي تبلغ نحو 5.8 مليون وحدة حرارية. ولهذا فإن تصدير طن واحد يشمل ضمنياً تقريباً تصدير برميل من النفط. وحتى لو افترضنا أن مصانع الأسمنت تستخدم أفضل تقنيات توفير الطاقة وينخفض معدل استهلاكها إلى نحو النصف، فإن تصدير طن واحد من الأسمنت يشمل على أقل تقدير تصدير نصف برميل من النفط. وتبلغ أسعار النفط في الوقت الحالي نحو 50 دولارا للبرميل، أما أسعار الأسمنت المكيس المنتج محليا فتبلغ نحو 240 ريالاً للطن أي ما يعادل 64 دولاراً. وبحسبة بسيطة لا تقل نسبة تكاليف الطاقة المستهلكة لإنتاج طن من الأسمنت عن 39 في المائة من سعر البيع عند الأسعار المحلية الحالية وقد تصل إلى ضعف هذه النسبة. وستتجاوز تكاليف الطاقة هذه النسب في حالة ارتفاع أسعار النفط. وتدفع المصانع جزءا يسيرا من تكاليف الطاقة بل وتكاد تحصل على الطاقة بأسعار مجانية. ويضاف إلى الدعم المقدم على صورة تكاليف الطاقة المنخفضة وسائل الدعم الأخرى المقدمة لصناعة الأسمنت والتي منها القروض الميسرة، والسماح باستقدام العمالة الرخيصة، وتدني تكاليف استخدام الخامات الأولية. وفي تقديري فإن قيمة الدعم المقدم لإنتاج كيس واحد من الأسمنت مقارب أو لا تقل عن ثلاثة ريالات وقد تصل إلى ثمانية ريالات للكيس الواحد. ويضاف إلى ذلك انخفاض تكاليف التلوث البيئي التي تتحملها مصانع الأسمنت، فهي لا تدفع أية تكاليف لتنظيف البيئة التي تتسبب بتلويثها. وتضيف صناعة الأسمنت أكثر من 150 كيلو جرام من ثاني أكسيد الكربون لكل طن منتج من الأسمنت، إضافة إلى بعض المنتجات الأخرى الملوثة للبيئة كالأتربة. ومن هذا يتضح أن العوامل الرئيسة التي تفسر انخفاض تكاليف إنتاج الأسمنت في المملكة وتمول تصديره تتركز في انخفاض تكاليف الطاقة المستخدمة في الصناعة وإعفاء المصانع من تكاليف التلوث البيئي. ولا يجري تقدير تكاليف تلويث البيئة المحيطة بمصانع الأسمنت والتي قد تفوق تكاليف الدعم المقدم. ومن المنطقي أن يتحمل المنتجين والمستهلكين تكاليف إنتاج هذه السلعة بالكامل وخصوصاً المستهلكين خارج المملكة.
إن التطور والتوسع الاقتصادي الذي تشهده المملكة في جميع المجالات وخصوصاً في القطاع الصناعي والذي يتمتع بمستويات دعم كبيرة ويتسبب في آثار بيئية بعضها مكلف يتطلب ضرورة النظر في جميع التكاليف التي يتحملها المجتمع ككل. ولا يدرك المجتمع بصفة عامة مستوى الدعم الكبير الذي يتم عن طريق خفض أسعار الطاقة. وتستهلك المملكة داخلياً نحو ربع إنتاجها من الطاقة، وهناك تزايد كبير في وتيرة استهلاك الطاقة مما يهدد بانحدار كبير في صادرات المملكة من الطاقة على المدى الطويل. لقد حان الوقت لإدراك جميع التكاليف المتعلقة بإنتاج أي سلعة وعدم قصر تكاليف الإنتاج في أي صناعة على التكاليف المباشرة التي يتحملها المنتجون، بل يجب أن تتضمن التكاليف جميع الخسائر (وكذلك المكاسب) التي يدفعها (يحصل عليها) المجتمع والتي تشمل الدعم وتكاليف الإضرار بالبيئة وتكاليف الفرصة البديلة وتكاليف استقدام العمالة.