واقع الصناعة التحويلية "المصافي" في ظل انهيار الطلب العالمي على النفط "الجزء الثاني"
في المقال السابق تم التطرق إلى جانب مهم وحيوي وذي علاقة مباشرة بالطلب العالمي على النفط وهو: واقع الطلب العالمي على المنتجات النفطية أو المنتجات المكررة Refined products وانعكاسات ذلك على الصناعة التحويلية (المصافي). في هذا الخصوص تعرفنا على مستقبل الطلب على المنتجات النفطية في ظل الطلب العالمي الحالي على النفط. وكذلك تطرقنا إلى الآثار السلبية الرئيسية المترتبة على أسواق الصناعة النفطية التحويلية Downstream oil market نتيجة للمستجدات الحالية في الطلب على المنتجات. في هذا الخصوص قدمنا نظرة مفصلة عن أسباب ضعف الهامش الربحي, خصوصا للمقطرات المتوسطة Middle distillate؛ مثل وقود الديزل ووقود الطائرات، والتي تعد من الوقود الرئيسة المرتبطة بالتجارة والشحن. في هذا المقال سنتحدث عن التأثير السالبي الآخر على أسواق الصناعة النفطية التحويلية.
التأثير السالبي الثاني على أسواق الصناعة النفطية التحويلية هو تقارب فروقات أسعار النفط Crude oil price differentials بين نفوط الخام الخفيفة والثقيلة. بالرغم من أن هذا التغير قد يعد إيجابيا للدول المنتجة والمصدرة للنفوط الثقيلة، لكنه ليس كذلك بالنسبة للصناعة التحويلية.
إن الفروقات الكبيرة في الأسعار بين نفوط الخام الخفيفة والواطئة المحتوى الكبريتي وتلك الثقيلة وعالية المحتوى الكبريتي والتي تعرف بالـ Crude oil price differentials ، كانت السمة المميزة لأسواق النفط العالمية على مدى السنوات الخمس الماضية، وذلك لنقص الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في الأسواق العالمية. حيث إن في تعاملات أسواق النفط العالمية، النفوط الخفيفة عادة، تباع بسعر أعلى من نفوط الخام الثقيلة، وذلك بسبب زيادة قيمة المنتجات الخفيفة مثل البنزين والديزل التي يمكن استخلاصها منها. ولكن، هذا الفرق في السعر بين النفط الخام الخفيف والثقيل يمكن أن يختلف بشكل كبير من وقت إلى آخر ومن مكان إلى آخر، وذلك تبعا لظروف العرض والطلب.
في هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى أن الفرق بين سعر النفط الخام الخفيف والثقيل يعد مهما لكل من المنتجين والمستهلكين (المصافي) على حد سواء. لمنتجي النفط الثقيل، وجود فروقات واسعة بين سعر النفط الخام الخفيف والثقيل، يمكن أن يؤدي إلى تسعير نفوطهم بأسعار قد لا تكفي لتغطية تكاليف الإنتاج، وخصوصا إذا كان سعر النفط الخام الخفيف هو في الأساس منخفض نسبيا. أما بالنسبة للصناعة التكريرية (المصافي)، وجود فروقات واسعة بين سعر النفط الخام الخفيف والثقيل سيزيد من هامش الربحية للمصافي، وخصوصا تلك المزودة بمعدات تكسير مثل Coker and Hydrocracker والتي يمكنها تحويل النفط الخام الثقيل إلى منتجات خفيفة. كما أن وجود فروقات واسعة بين سعر النفط الخام الخفيف والثقيل يعد أساسيا أيضا بالنسبة للاستثمارات الجديدة في المصافي الحديثة ذات المعدات الخاصة، وذلك لتحقيق عائدات كافية لسد تكاليف التشييد الباهظة لمثل هذه المصافي.
إن الفرق بين سعر النفط الخام الخفيف والثقيل يتوقف على نسبة العرض والطلب على الخامات الخفيفة والثقيلة، وهذه الأخيرة تتأثر بدورها بكل من: حجم الطاقة التحويلية المعقدة Deep Conversion Capacity المتوافرة في الصناعة التكريرية (المصافي) القادرة على تكرير النفوط الثقيلة وتحويلها إلى منتجات خفيفة، ونسبة العرض والطلب بين المنتجات النفطية الثقيلة والخفيفة (مثل زيت الوقود الثقيل والديزل أو البنزين).
في الفترة الممتدة من عام 2002 إلى عام 2008 شهد فارق السعر بين الخامات الثقيلة والخفيفة من النفط الخام اتساعا كبيرا على النطاق العالمي. فعلى سبيل المثال، الفرق بين خام غرب تكساس الوسيط WTI والخام المكسيكي الثقيل مايا، ازداد من نحو 9.0 دولارات إلى 16.0 دولارا للبرميل الواحد خلال تلك الفترة. والفرق بين خام بحر الشمال البريطاني برنت والخام الإماراتي دبي، ارتفع من 1.20 للبرميل إلى 3.50 دولار للبرميل الواحد خلال الفترة نفسها. ولكن في ظل الطلب الحالي على النفط وحجم الطاقات التكريرية الاحتياطية المتوافرة، فمن المتوقع أن تشهد أسواق النفط العالمية خلال الفترة المقبلة تقاربا في الفرق بين أسعار النفوط الخام الخفيفة والثقيلة، وذلك لعدة أسباب، أهمها انخفاض التنافس على نفوط الخام الخفيف ذات المحتوى الكبريتي الواطئ، حيث إن الهبوط المفاجئ والحاد في الطلب على النفط وبالذات انخفاض الطلب على المقطرات المتوسطة والخفيفة، كما بينا في المقال السابق، أدى إلى انخفاض التنافس بين المصافي للحصول على نفوط الخام الخفيفة وذات المحتوى الكبريتي الواطئ، والتي لها القابلية على توفير كميات كبيرة من المنتجات الخفيفة. كما أن إضافة طاقات تكريرية معقدة جديدة كبيرة Deep Conversion Capacity قد فاقم هو الآخر من هذا العامل.
انخفاض إنتاج النفوط الخام الثقيلة، حيث من المتوقع أن تخفض الدول إنتاجها من النفوط الثقيلة على الأقل خلال فترة الأزمة الاقتصادية وانخفاض الطلب على النفط. وذلك لعدة أسباب لا مجال لبحثها في هذا المقال, انخفاض إنتاج الوقود الثقيل من جانب المصافي.
السبب الأخير لتقارب الفرق بين أسعار النفوط الخام الخفيفة والثقيلة هو الانخفاض المتوقع في كمية زيت الوقود الثقيل التي ستنتجها معامل التكرير في 2009 و2010 مقارنة بالسنوات السابقة. وذلك لأن المصافي تعمل حاليا دون طاقاتها التصميمية بكثير، وذلك لضعف الطلب على المنتجات الخفيفة، وعليه إنتاجها من الوقود الثقيل سينخفض أيضا.
هذا وما لم يعود الطلب على النفط وتقل الطاقات التكريرية الاحتياطية بدرجة كبيرة، فإن تقارب الأسعار بين نفوط الخام الخفيفة والثقيلة سيكون أضيق بكثير.