رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"عولمة" الهموم!

"حيث يوجد الألم.. تختفي الكلمات"
الأديبة الأمريكية توني موريسون

هل يستطيع رئيس دولة كبرى أو صغرى أن يقول: "عفوا ليس لدينا المال الكافي لزيادة الميزانيات المخصصة للصحة والعلاج ومحاربة الأوبئة والأمراض؟". هل بإمكان أي مسؤول ـ وإن كان قلبه من حجر ـ أن يتخذ الأزمة الاقتصادية العالمية، وسيلة لتبرير أي نقص في هذه الميزانيات؟ هل لصاحب القرار ـ مهما كان حادا ـ القدرة على متابعة مشهد أطفال يموتون بسبب نقص الأدوية، لا بسبب اليأس من حالاتهم الصحية؟ أغلب الظن أنه - لو وجد هذا الرئيس - سيكون عاجزا عن تسويق حجته، وسيكون المسؤول ـ إن وجد أيضا ـ فاشلا في تبريره، وسيكون صاحب القرار ـ إن وجد أيضا وأيضا ـ ضعيفا في متابعة المشهد الإنساني المريع. هذا الجانب الإنساني لا يخضع ـ حتى وإن وجد من يقول العكس ـ لمعايير السوق، وليس له علاقة، بوضعية المصارف الغارقة ومصير المؤسسات المنكوبة، ولا دخل له بخطط التحفيز الاقتصادية، ولا يرتبط بنوايا انتخابية. إنه الجانب الوحيد في هذه الدنيا، الذي يشكل المعايير الأخلاقية الأساسية، ويحدد علامات النجاح والرسوب فيها، ويدخل الناجحين التاريخ من البوابة الأمامية، بينما يحشر الراسبين عند البوابة الخلفية لهذا التاريخ.
قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، كانت الجهود في مجال توفير الدواء ـ خصوصا للبلدان الفقيرة ـ تسير بصورة جيدة، لكنها لم تصل إلى مرحلة الـ "جدا". كانت المبادرات لا بأس بها، وكان العالم يتطلع إلى مزيد من التحفيز والتطوير لهذه المبادرات. كانت الحرب على مرض فقدان المناعة المكتسبة المعروف اختصارا بـ "الإيدز"، متواصلة، وارتفع الأمل بصورة أكبر مع فوز باراك أوباما الديمقراطي برئاسة الولايات المتحدة، استنادا إلى المعايير الأخلاقية التي أطلقها، لكن مع اندلاع الأزمة تبدلت الأمور، أو على الأقل تأخرت وتيرة المواجهة مع "الإيدز" ومع غيره من الأمراض، ووضعت مشكلات الدول الفقيرة الناجمة عن الأزمة، في ذيل قوائم الإنقاذ.
لا أحد يطالب أصحاب القرار العالمي، بترك بلدانهم غارقة في مشكلاتها الاقتصادية، والتوجه إلى البلدان الفقيرة، لكن يجب على هؤلاء أن يعرفوا أن المصائب التي تنزل على الفقراء لن تكون بمعزل عنهم في المستقبل، وأن التأخر في المواجهة، يعني زيادة حجم هذه المصائب، و ارتفاع صدى أنين المعذبين. وما على أصحاب القرار إلا مراجعة التاريخ الحديث ـ لا القديم لكيلا يجهدوا أنفسهم كثيرا - ليعرفوا أن إقدام الدول على خفض الميزانيات الخاصة بالرعاية الصحية ومكافحة الأمراض المزمنة والمستعصية، خلال أزمات اقتصادية سابقة، مثل الأزمة النفطية والركود العالمي، تسببت في مشكلات خطيرة في المناطق الأكثر فقرا حول العالم، وأن أخطاء كبيرة ارتكبت في إعادة هيكلة ميزانيات تلك الدول وقتذاك.
إنه التاريخ الحديث ـ القريب الذي ينبغي أن يشكل المحاضرة المستمرة لأصحاب القرار. إنها التجربة المرة التي يجب أن تكون ماثلة أمامهم في كل الأوقات، خصوصا عندما يضعون الخطط لتحفيز المصارف والمؤسسات المتهاوية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها. إنها المأساة التي يمكن تفاديها، لو تعلموا منها، وراجعوا "أكوام" الحسرات والآلام، التي نجمت عن فوضى الأولويات. إنه الهم الإنساني، الذي يمكن أن يضعهم، إما على مسرح التاريخ وإما في كواليسه. يقول الفيلسوف الأمريكي - الإسباني جورج سانتايانا: "هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي.. محكوم عليهم بإعادته"، لكن حتى تلك الأخطاء التي ارتكبت، لم تكن في ماض بعيد، كانت في "حاضر سابق"، لذلك فإن تذكرها ليس أحجية. هي متوافرة على أجهزة الكمبيوتر، لا على أوراق بهتت خطوطها، ولا على مخطوطات البردي المتآكلة. ينبغي على أصحاب القرار أن يعرفوا أن مساعدة قطاع الأعمال والتجارة والصناعة.. والاقتصاد برمته هي ضرورة حتمية، لكن يجب أن تشمل "هذه الضرورة" مكافحة الأمراض والفقر، وتوفير الدواء الأساسي. إنه ليس دواء لإنقاص الوزن أو زيادته، ولا زيت لاكتساب اللون البرونزي.
الأزمة الاقتصادية العالمية ستؤدي إلى وفاة بين 200 و400 ألف طفل سنويا. هذه الأرقام ليست من عندي، هي من منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أيضا، أن الأزمة ستعرقل جهود تحسين العناية بالأمهات وإنقاذهن من الموت لأسباب بسيطة. الحرب ضد "الإيدز" والملاريا والكوليرا وغيرها، تحتاج إلى أربعة مليارات دولار أمريكي، والحاجة المالية في مناطق متفرقة من العالم ستؤدي عام 2009 والعام الذي يليه، ليس فقط إلى تراجع وتيرة مكافحة الأمراض، بل إلى ظهور أمراض وأوبئة جديدة أيضا. هذا حسب دراسة لمنظمة الصندوق الدولي لمكافحة الإيدز. المعارك المستمرة ضد السرطان، تحتاج إلى مزيد من الأموال، ولا سيما أن هذا المرض الخبيث يقتل أكثر مما يقتل مرض "الإيدز" نفسه، هذا حسب الأمم المتحدة. القائمة طويلة.. وطويلة جدا. إنها لا تحدد الكوارث فحسب، بل تنذر بكوارث أخرى جديدة، سيحتاج العالم ـ ربما ـ إلى عالم آخر للوقوف في وجهها.
الأمور لا تبشر بالخير، ليس بسبب فوضى الأولويات فقط، بل أيضا بتأثيرات الأزمة في المؤسسات المصنعة للدواء في العالم، ففي الولايات المتحدة خسر أكثر من 56 ألف موظف في شركات إنتاج الأدوية وظائفهم، في فترة أشهر، ولا يوجد في الأفق أي مؤشر على توقف عمليات التسريح في هذا القطاع. ماذا يعني هذا؟ يعني أن حجم إنتاج الدواء سيتراجع، في الوقت الذي يزداد فيه الطلب عليه. ويعني أيضا أن الشخص الذي يستطيع الوصول إلى حبة "الأسبرين" في قرية قابعة في أشد البلدان فقرا سيفقدها، لماذا لم نسمع عن عملية تحفيز واحدة لإحدى المؤسسات المنتجة للدواء؟ لماذا لا تسرع حكومات الدول الكبرى ـ مثلا ـ في تأميم هذه الشركات إن اقتضى الأمر؟ لقد أقدمت شركة جلاكسو سميث كلاين البريطانية (ثاني أكبر شركة أدوية في العالم) مطلع عام 2009 على خطوة إنسانية، يصعب أن توازيها خطوة في هذا المجال، فقد قررت تخفيض أسعار كل منتجاتها الدوائية المصدرة للدول النامية. والذي يرفع من زخم إنسانية القرار، أنه جاء في عز الأزمة الاقتصادية العالمية.
لكن هل هذا يكفي لمواجهة الاحتياجات العالمية ـ ولا سيما احتياجات الدول الفقيرة ـ من الدواء، ومن المنتجات التي تساعد في الحروب على الأمراض والأوبئة؟ بالتأكيد لا تكفي. هي مبادرة فردية، مهما بلغ حجم هذه الشركة، فالقضية من الضخامة بحيث لا تعفي أية دولة من مسؤولياتها. هي من الضراوة بحيث لا تقوى أية جهة ـ مهما عظمت ـ على مواجهتها منفردة. هي مشروع إنساني دائم، لا ينتهي في وقت محدد. هي محفز للتعبير عن المكونات الإنسانية، في أرقى ساحة لها. هي الهم الأول الذي يجب أن "يعولم". هي أخطر وأكبر من أن تترك لأصحابها لحلها فرادى، فالعولمة ـ أيا كانت قوة من يقف وراءها ـ لا تستطيع الصمود أمام أنين مريض، إذا لم توفر له ما يبدد أنينه، وإذا ما فشلت في تخفيف آلامه. العولمة.. لا تقوم بقرار رسمي، بل تظهر عبر الفهم الإنساني الشامل، ومن خلال اتحاد مصالح نزيهة، لا وطنية أو قومية أو عشائرية أو ما شابه ذلك. هي أفضل مجال لتجسيد الحالة "الأبوية العالمية". هي أقصر طريق لوصول أصحاب القرار العالمي، إلى صدارة التاريخ.
إن العولمة النزيهة، هي الشيء الوحيد في هذه الدنيا القادر على استبدال الأنين، بأنغام بشرية جميلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي