ديكتاتورية الرئيس.. تهمش دور باقي أعضاء مجلس الإدارة

من أهم أسباب تعثر بعض الشركات أو انخفاض أرباحها وفي بعض الأحيان تكبدها خسائر كبيرة هو غياب الخبرة والثقافة الإدارية الكافية لدى رؤساء مجالس الإدارة، فبعضهم يعتقد أنه الكل في الكل فهو الآمر الناهي الذي لا ينبغي معارضته حتى لو كان بطريقة لبقة، وهذا الصنف يعتقد أن مهام بقية أعضاء المجلس هو موافقته فقط أما من يعارضه فهو معرض للإقصاء والتهميش.
بعضهم يتخذ القرارات بنفسه دون مناقشة باقي الأعضاء ويمررها عليهم للتوقيع فقط، وبعضهم لا يتيح لزملائه أن يناقشوا المواضيع المطروحة على جدول الاجتماع ويصل الحد لإسكات هذا أو ذاك، تلك الفئة لا تعترف بمبدأ التصويت، فكيف تعترف به وهي لا تعترف بالرأي المخالف أصلا، وعلى هذا ظل كثير من مجالس الإدارة لدينا تنطق صوت الرئيس فقط وتعبر عن توجهاته وآرائه، رغم أن جميع أعضاء المجلس لهم الحق بالتساوي في إدارة الشركة وما الرئيس إلا مدير للاجتماع ومنظم له وربما مرجح في التصويت إذا ما تساوت الأصوات.
حسب نظام الشركات يعد مجلس الإدارة هو السلطة التنفيذية التي تمثل جميع المساهمين أي أنهم وكلاء المساهمين لإدارة الشركة لأنهم لا يملكونها ولكنهم وكلاء لإدارتها فقط، وهذا يخالف الانطباع السائد اليوم عن مجالس الإدارة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد فرئيس مجلس الإدارة في بعض الأحيان يقمع من عينه أي المساهمين في اجتماعات الجمعية العمومية، فهو ربما لا يعلم أنه أجير لديهم فهم الملاك ومن حقهم الاستفسار عن أي موضوع يخص شركتهم حتى لو طال الاجتماع حتى لو كان السائل يملك عشرة أسهم فقط، وربما يلاحظ من يحضر الجمعيات العمومية للشركات انتشار هذه الظاهرة السلبية التي تعبر للأسف عن قصور في فهم وظيفة رئيس المجلس أو غرور أسهم في ظهوره ضعف أعضاء مجالس الإدارة والمساهمون كذلك.
لو كان المشرع يريد أن يظهر رئيس المجلس بهذه الصورة الديكتاتورية لما عجز عن ذلك لكنه أراد أن يكون جميع أعضاء المجلس مساهمين بالتوازي في إدارة الشركة بما يملكونه من خبرة وتأهيل متنوع من هنا حرص على أن القرارات تقر بالتوافق وإذا لم يحصل ذلك يتم التصويت بشفافية عليها ودون أن يؤثر ذلك في علاقة الأعضاء بعضهم بعضا.
من الأسباب التي أسهمت في ظهور وبقاء ظاهرة ديكتاتورية الرئيس هو القوائم الانتخابية التي يحرص كثير من رجال الأعمال على تنظيمها قبل انتخابات مجلس الإدارة, وكذلك طريقة التصويت المتبعة التي تمكن كل صوت من انتخاب أكثر من عضو في وقت واحد، لأنها جاءت بأعضاء تابعين للرئيس ومكملين للعدد ليس إلا، وهم على كل حال لن يخسروا أي شيء وسيحصلون على مبالغ كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى 75 ألفا للاجتماع الواحد، كما سيضاف في سيرهم الذاتية تلك العضويات التي يطمح لها الكثير.
أنا هنا لا أشكك في رؤساء مجالس الإدارة ممن هم على تلك الشاكلة لكني لا أتمنى أن تدار شركاتنا مساهمة عن طريق شخص واحد، لأن هذا الشخص حتى لو كان ممن يمتلكون خبرات واسعة في نشاط المال والأعمال فسيظل دون بقية الأعضاء الآخرين معرضا للخطأ أو التقصير وهو ما ينعكس على أعمال الشركة ونتائجها، كما أن من أهداف المجلس الاستفادة من تنوع الخبرات وتنوع المؤهلات في تحقيق أهداف الشركة لا العكس.
الدولة تمتلك عن طريق صندوق الاستثمارات العامة ومؤسستي التقاعد والتأمينات حصص الأغلبية في كثير من الشركات المدرجة في السوق، لكن الملاحظ أن السياسة المتبعة في تعيين رؤساء مجالس الإدارة أو الأعضاء تعتمد على جانب التقدير لهذا أو ذاك, وفي بعض الأحيان المكافأة لو كانت الشركة صغيرة والعضو موظفا في تلك الجهات, وهذا أسلوب ينبغي مراجعته، لأن وظيفة المجالس ليست وجاهية في المقام الأول بل تنفيذية تهتم بجانب التخطيط والرقابة وهذا يتطلب أن يكون العضو من أصحاب الخبرة والتأهيل للقيام بهذا الدور الخطير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي