المحافظون ورؤساء المجالس البلدية وإعداد الاستراتيجية المحلية

كانت الدورة التدريبية التي نظمها مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية الأسبوع الماضي بعنوان "إعداد وصياغة استراتيجية التنمية المحلية"، والتي جمعت نخبة من المحافظين ورؤساء المجالس البلدية، فرصة  نادرة للاجتماع والتباحث في العمل المحلي المشترك. فعلى الرغم من أن المجلسين المحلي والبلدي يشتركان في الإدارة المحلية، إلا أنه ليس هناك علاقة نظامية تجمع بينهما وتنسق نشاطهما! لقد اغتنم المشاركون وجودهم في الدورة للنقاش وجها لوجه في موضوعات وقضايا تتطلب التنسيق والاتفاق على رؤية مشتركة لمستقبل المجتمع المحلي. الموضوع الأهم والمشكل الرئيس الذي ظل يتردد في ثنايا نقاشات الدورة التدريبية، أن المجالس المحلية والبلدية لا تمتلك الصلاحيات والسلطات اللازمة التي تمكنها من أداء مهمتها والأدوار المطلوبة كما ينبغي ويتطلع إليه سكان المدن والمحافظات.. وقد استغرب بعضهم كيف يمكنهم صياغة استراتيجية في ظل الوضع الإداري البيروقراطي المركزي الخانق! الذي لا يتيح أي فرصة للإبداع والتطوير لتظل الأمور على ما هي عليه تدور في حلقة مفرغة من الإجراءات الروتينية الورقية.
كان التساؤل الاستنكاري للمشاركين: كيف للمجلس المحلي أو البلدي أن يعد استراتيجية للتنمية المحلية وهو لا يملك صلاحيات التوجيه والتنسيق والمتابعة لأعمال الأجهزة الحكومية المحلية؟! وهو تساؤل منطقي وواقعي. لم يكن السؤال للتخلي عن المسؤولية وإلقاء اللائمة على النظام الإداري أو هروبا من مواجهة التحديات والاستكانة للبيات الإداري الذي يشجع الركود والإتكالية وعمل القليل، وإنما كانوا متحفزين لمعرفة الوسائل التي تمكنهم من عمل التطوير اللازم وكيفية رفع الأداء وتحقيق أوضاع أفضل لمجتمعاتهم المحلية في ظل التنظيمات البيروقراطية الجامدة. ترى وتسمع وتحس في المشاركين الطموح والدافعية نحو العمل والرغبة الأكيدة في خدمة مجتمعهم المحلي وخلق ظروف اقتصادية وعمرانية تجتذب الاستثمارات وتهيئ الفرصة لمعالجة المشكلات وتجسر الهوة بين الوضع القائم والمرغوب، وفي الوقت ذاته لا يتوانون عن إبداء امتعاضهم ومعاناتهم وحالة الإحباط التي يواجهونها في أداء أعمالهم لعدم  تملكهم الحد الأدنى من الصلاحيات المطلوبة لتسيير الأمور الموكلة إليهم!
لقد أثار المشاركون نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالتحديات والمستجدات التي تتطلب الاستجابة بفاعلية وكفاءة وإبداعية. لم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق، فوتيرة التغير سريعة ومتزايدة وقادمة من كل اتجاه، فالمجتمعات المحلية أصبحت أكبر وأكثر تعقيدا من ذي قبل، فأنماط الاستهلاك تغيّرت، والطلب على الخدمات العامة تضاعف، وأصبحت هناك تحولات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسكانية وظهرت مشكلات لم تعهد من قبل.. جميع هذه التغيرات تحتم إعادة النظر في طريقة وأسلوب إدارة المجتمعات المحلية. إن لدى المشاركين قناعة بأهمية تطوير الإدارة المحلية لترتقي لمستوى التحديات وتكون قادرة على احتواء المتغيرات والمستجدات. الإدارات المحلية هي جذور التنمية الوطنية، وإن لم يكن ذلك واضحا في السابق، فهو اليوم أكثر وضوحا وأهمية في ظل العولمة وتحديات المنافسة العالمية وما تفرضه من ضغوط تتطلب قدرة فائقة على الإنتاج والتميز والمرونة والاستجابة لمتطلبات السوق العالمية. لم يعد التنافس فيما بين الدول، بل تحول إلى تنافس بين المدن في مختلف أرجاء العالم. فتقنية الاتصال ألغت البعد المكاني وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة يتأثر ويؤثر فيها الجميع.. وأصبح باستطاعة أي إنسان من أي موقع الحصول على مبتغاه من المنتجات والخدمات من أي مكان في العالم.. هذا يدعو إلى استصدار نظام للإدارة المحلية يحدد الأدوار والمسؤوليات ويمنح المجالس المحلية والبلدية صلاحيات صنع القرارات العامة المحلية.
الدورة أكدت للمشاركين أنه حتى في ظل ضيق الصلاحيات، فإن إعداد الاستراتيجية وصياغتها ممكن وضروري، فالمجالس المحلية والبلدية كهيئات متخصصة في إدارة الشأن المحلي بإمكانها المبادرة بالدعوة إلى اجتماع تشاوري لجميع أطراف المجتمع المحلي بما في ذلك الغرف التجارية الصناعية والمؤسسات الأهلية والقيادات المحلية، يتم فيه التوصل إلى رؤية مشتركة لما ينبغي عمله وتحديد الأهداف المستقبلية والأوضاع المنشودة. الاستراتيجية ليس أمرا كماليا أو ترفا إداريا وإنما ضرورة ملحة لإدارة المجتمعات المحلية. الاستراتيجية بمنزلة وثيقة تنسق جهود التنمية المحلية بين الجهات المحلية المختلفة، تحدد الأولويات والموارد المطلوبة. قد يكون هناك صعوبات وعوائق كبيرة وكثيرة في تنفيذ الاستراتيجية وقد لا يتم تنفيذ إلا النزر اليسير منها، لكن تبقى وثيقة مهمة ومرشدا عاما لجميع المتداخلين في الشأن المحلي فيما يتعلق بالتوجه العام والإفصاح عن رغبات ومصالح وأولويات المجتمع المحلي وخطة طريق لتحريك الموارد وتحديد الفجوة بين الوضع القائم والوضع المرغوب.  
لقد أظهر المشاركون حماسا وشغفا في التدريبات للتعرف على أدوات ووسائل إعداد وصياغة استراتيجية التنمية المحلية. وبدا واضحا اقتناع معظمهم بجدواها وأنهم عاقدو العزم على تبني مبادرة إعداد الاستراتيجيات في المحافظات والمدن. وقد تكون هذه هي الغاية والنجاح والمقصد الرئيس من تنظيم مثل هذه الدورة بتغيير الفكر والفلسفة والتوجه والميول لدى المسؤولين المحليين تجاه التخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى تزويدهم بالمعارف والمهارات والأدوات التي تمكنهم من الارتقاء بالأداء وتحسين بيئة العمل. هذا بلا شك نابع من إدراكهم حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم وحبهم وتفانيهم لمجتمعهم المحلي ودافعيتهم نحو الإنجاز وعمل الأفضل. لذا لم يكن مستغربا أن طالب المشاركون بمزيد من الدورات التدريبية في مجالات الإدارة المحلية، بما في ذلك تنمية مهارات القيادة والتعرف على الجوانب القانونية في العمل المحلي والإلمام بالمالية العامة والموازنات وإدارة واقتصاديات المدن وتحسين مهارات الاتصال وإدارة الاجتماعات والمفاوضات وغيرها.
الدورة التدريبية التي امتدت على مدار ثلاثة أيام اختتمت بحضور سمو الدكتور عبدالعزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، الذي حرص على الوجود دعما وتشجيعا لجهود مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية، كيف لا، وهو الممارس ذو الخبرة والتجربة الثرية في العمل البلدي، وقبل ذلك الأستاذ الجامعي المتخصص في التخطيط الحضري وإدارة المدن واللامركزية. لقد أثرى سموه حفل اختتام الدورة حينما تحدث عن التجربة الثرية والتقليد الإداري المميز الذي اختطه الملك عبدالعزيز ( يرحمة الله) في انتهاجه اللامركزية متمثلا مقولة "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب" . ثم عرج في حديثه إلى أسلوب ومنهج الأمير سلمان ذي التجربة التي تمتد إلى نحو خمسة عقود في الإدارة المحلية والذي يعد – بحق - رائد الإدارة المحلية، تشهد بذلك الإنجازات والنجاحات التي تحققت، ومن أهمها التنظيم الإداري الأكثر تميزا "الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض" التي أسهمت في تحويل العاصمة الرياض، إلى مدينة عصرية جذابة في زمن قياسي. الهيئة مثال حي وواقع نعيشه ودليل على أهمية صياغة استراتيجية محلية تتداخل فيها جميع القطاعات الحكومية المحلية وتوحد الجهود نحو تحقيق التنمية المنشودة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي