الشركات السعودية وموجة إدارة الأرباح
لم تكن النتائج المالية التي نشرتها الشركات السعودية مفاجئة (إلى حد ما) ولم يكن فشل معظم مراكز الأبحاث المتخصصة في التنبؤ بنتائج الأرباح مفاجئا أيضا – خاصة إذا كانت هذه المراكز تستخدم أساليب البحث والتحليل الصرفة وليس أساليب المخابرات. مصدر "عدم" المفاجئة هذه ليست النتائج نفسها والأرقام التي وردت في القوائم المالية بل من الأسلوب الذي انتهجته الشركات للإعلان عن نتائجها. هناك شكوك كبيرة حول انتشار عمليات إدارة الربح في السوق السعودية، واعتقد أن عمليات إدارة أرباح قد تمت في العديد من الشركات والبنوك السعودية لذلك لم تفاجئني النتائج "المرسومة" حتى إن أعلنت الشركات خسائر ضخمة. هذا الأسلوب منتشر عالميا وأثبتت العديد من الدراسات وجوده, بل لقد أثبتت أكثر من خمس دراسات وجود هذه الظاهرة في السوق السعودية. هذه العمليات خطيرة جدا على السوق المالية وهي التي تتسبب في انهيار شركات عالمية كبرى ولذلك لم يكن مستغربا أن تطلق PCAOB تحذيرات للمراجعين الأمريكيين حول تأثيرات الأزمة المالية الحالية واحتمالية تورط الشركات في عمليات تضليل السوق المالية عن طرق ممارسات إدارة الربح.
إذا فعمليات إدارة الربح عمليات مضللة تهدف إلى تعديل رقم الأرباح الحقيقي الذي كان يجب أن تعلنه الشركة كنتيجة طبيعية لأعمالها إلى رقم آخر –يصعب التكهن به - تمت صناعته ليحقق للإدارة – فقط – أهدافها على أساس قاعدة "إذا جاء الطوفان ضع ابنك تحت قدميك". لكن هذا الأسلوب ليس تلاعبا في القوائم المالية وليس تزييفا لها، كيف؟ نحن نعرف أن الشركات مؤسسات هادفة للربح في معظم الحالات. لذلك فإن أهم رقم يظهر في القوائم المالية هو رقم صافي الأرباح. فهو رقم تقييم الأداء وعلى أساسه تحدد المكافآت وقرارات إبراء الذمة والتمديد للمجلس أو عزله ومقاضاته. تزييف القوائم المالية والتلاعب بها يمكن كشفه – غالبا - بواسطة المراجع الخارجي، لذلك فإن الإدارة المحترفة للشركات تقوم بتعديل رقم الأرباح بما يناسبها بطرق محاسبية سليمة ومقبولة يصعب على المراجع رفضها – تلك هي إدارة الأرباح. لماذا لا يمكن كشف الشركة المتلاعبة؟ ببساطة لأن إدارة الشركة هي الوحيدة التي تعرف ما مرت به الشركة من أحداث اقتصادية وعندما تعلن رقم أرباح ليس لدينا أي وسيله لنعرف الرقم الحقيقي الذي كان يجب أن تعلنه.
من التوضيح السابق لمشكلات إدارة الأرباح, قد نعتقد أن الشركة تتجه دوما إلى تعظيم رقم الأرباح فقط، لكن الحقيقية غير ذلك. أحيانا تعلن إدارة الشركة خسائر ضخمة, لأن ذلك سيخدم مصالحها فعلا, كيف؟ لاحظ الباحثون أن الشركات تريد إعادة رسم منحى الأرباح عندما تصبح أمور السوق سيئة والخسائر أمر محتوم. عندما تسوء الأوضاع تندر فرص الحصول على المكافآت وترف المنصب فلماذا لا تصبح أسوأ. هكذا تفكر الإدارة وببساطة تتجه إلى التمادي أكثر في مصروف الإهلاكات وتفاقم تكاليف إعادة التقييم والهيكلية, وتتشجع في إعدام الديون السيئة. الاستعجال في مثل هذه الإجراءات تضغط بقوة على أرباح الفترة, ولكنها ستسهم في تجميل أرباح الفترات المقبلة وتعطي الإدارة فرصة أكبر لادعاء السيطرة على الأمور, وتحسن رقم الأرباح مقارنة بالفترة السيئة, وبذلك يعود المنحى للصعود, وتبدأ رحلة جديدة للبقاء في المنصب والحصول على مكافآت الإنجاز. الاتجاه الآخر مرتبط بهيكل المكافآت أيضا. فإذا كانت المكافآت تقف عند حد معين من النمو في معدل الأرباح وعند معرفة إدارة الشركة بصعوبة تحقيق نمو فإنها تتجه إلى تخفيض رقم الأرباح بشكل حاد من خلال التعجيل بالاعتراف بالخسائر والتقييم وإعدام الديون وإعادة الهيكلة ثم تعاود النمو برقم الأرباح في الفترات المقبلة – مقارنة بالفترة السيئة - وتعود بذلك رحلة المكافآت.
بهذا يتضح أن الإعلان عن هيكل المكافآت مهم جدا لمعرفة – أو توقع – قرارات إدارة الشركة ورغبتها في تعديل رقم الأرباح. وهذا ما تطلبه الشفافية والإفصاح والحوكمة. ليس مجرد إعلان رقم المكافآت فقط بل كيف تم احتسابها أيضا, وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى الآن. فقد أعلنت الشركات مشكورة عن قيمة المكافآت لكنها لم تعلن خططها في ذلك.
من هنا يجب ألا تأخذنا الحيرة في الإعلانات العاصفة عن الخسائر والانخفاضات الحادة في أرقام الأرباح, بل علينا أن نتوقع ذلك, كلما ساءت الأمور أمام الشركات وكلما وصل النمو في الأرباح إلى مرحلة يصعب عليها زيادتها. ويجب ألا يفهم من كلامي أن الشركة لن تتعرض لانخفاض الأرباح أو الخسائر نتيجة لأوضاع السوق ولكن إدارة الشركة – وقد وقعت في ذلك – تبالغ في التخفيض بشكل أكبر من توقعات السوق وأكبر مما تظهره الشركات وهذا هو مدخل الباحثين والمحللين لاكتشاف تورط الشركة في إدارة الأرباح وهو الأمر الذي يجعلني أدعي بتورط عدد من الشركات السعودية في عمليات إدارة أرباح "مكشوفة". كما يجب ألا تبالغ السوق في تشاؤمها وردة فعلها بل أن تعرف أن إعلانات أرباح الفترات المقبلة يتم طبخها الآن.