رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الرعاية الصحية: بين تقديم الخدمة وإعادة تأهيل مقدميها

في وقت ليس ببعيد صدر قرار بوقف جميع الترقيات للممرضين السعوديين لحين الحصول على درجة البكالوريوس في برنامج التمريض بدلا من الدرجة الممنوحة (حاليا على الأقل) وهي درجة الدبلوم أو المشارك في العلوم الصحية أو الشهادة الجامعية المتوسطة، وذلك بناء على توجه منظمة الصحة العالمية بضرورة رفع مستوى الممرضات. لقد زاد ذلك التوجه إثارة التساؤلات العلمية والعملية والتنموية وانتهى بتصريح بأن أكثر من 75 في المائة من السكان هم من الأطفال والنساء ويحتاجون إلى ممرضات متمرسات. في وقت سابق وبناء على ما تناولته وسائل الإعلام المقروءة، فقد كشف تقرير رسمي أعدته الإدارة العامة للتمريض في وزارة الصحة أن أبرز المعوقات التي تواجه القطاع "ضعف الحوافز وقلة مقاعد الابتعاث وغياب نظام الإيفاد الداخلي"، كما حذرت من تسرب الممرضين، حيث تخطى الرقم أكثر من 2500 ممرض خلال العام الماضي، وبالتالي لا بد من تعديل السلم الوظيفي, وإعادة تأهيل الممرضين الذين مرّ عليهم عشر سنوات في العمل, وتخصيص أكثر مما اعتمد لذاك العام (30 مقعدا) للتمريض بمستوياته الثلاثة (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراة)، منتقدا أيضا محدودية التعاقد مع كوادر تمريضية تتمتع بخبرات رفيعة المستوى. هذا جعل المسؤولين في الإدارة يطلبون إعطاءهم الصلاحية للتعاقد في مجال التمريض العام والمتخصص والارتقاء بالدراسة إلى مستوى بكالوريوس حتى لا يؤثر ذلك سلبا في الرعاية الصحية المقدمة. وانتقد التقرير تكليف بعض الممرضين والممرضات بأعمال غير تمريضية (وجود 2516 ممرضا وممرضة من مجموع 45,691 يقومون بمهام وظائف خارج المهنة)، ما يستوجب توحيد الهياكل التنظيمية وإعادة النظر في نظام توقيت العمل. لقد ذكر التقرير أن نسبة السعودة في التمريض حاليا لا تزيد على 21 في المائة، مما يصعب مهمة الارتقاء بالسعودة إلى المعدلات المطلوبة حتى مع التوسع الكبير.
كثيرون هم من بدأوا التساؤل والتساؤلات في محلها: كيف نفسر استمرار تخريج كوادر بمستويات أدنى من درجة البكالوريوس في الدول الأوروبية والأمريكية إلى الآن إذا كان هذا ما تستوجبه منظمة الصحة العالمية؟, هل نريد أن تكون شهادة البكالوريوس أقل مؤهل في مجال التمريض لرفع مستوى الأداء أم لحث الممرضات على نيل درجتي الماجستير والدكتوراة. ونحن نعلم أن الدرجتين الأخيرتين لا تمنح في التخصص المهني فعليا ولكن في طرق التعليم والتدريب والإدارة والتخطيط والتنظيم والدراسات التحليلية والأبحاث.. إلخ؟. هل في هذه الحالة سيكون حامل الماجستير والدكتوراة ممرضا يحمل رخصة عمل وله ساعات عمل في المرافق الصحية أم مشرفا ومنظما، ونعود حيث كنا عندما نطلب عدم تكليفهم بمهام إدارية؟. إذا كان جميع الممارسين بعد 5 – 10 سنوات سيكونون من حملة شهادة البكالوريوس ولا يقبل الممرض أو الممرضة أن يرأسه إلا حامل ماجستير أو دكتوراة أو أقدم منه في المهنة, فهل استعدت القطاعات الصحية لمواجهة نتائج مثل هذه القرارات بتنظيم موحد؟. ثم أخيرا أين هذه الوثيقة العلمية أو المستندة إلى دراسات علمية وعالمية التي أُصدرت و"تستوجب" هذا الإجراء؟. من "المعروف" أن في الستينيات بدأ هذا المفهوم يتولد وفي الثمانينيات راحت إسبانيا تتبنى أفضلية التعيين لحملة البكالوريوس، ثم تلتها بريطانيا في التسعينيات ولكن لم يكن إجبارا أو تم تحديد وقت معين والتزمت به الدول، والدليل وجود معاهد وكليات جامعية مازالت تخرج ممرضين وممرضات في المستويات نفسها من التأهيل، مثلا Associate degree. مع أن التوجه سيحسن من تقديم الرعاية الصحية ويحسن من المستوى المعيشي للممرضين والممرضات، إلا أن التوجه نحو الهدف دفعة واحدة وعلى عجل ودون تخطيط وإعداد مسبق جيد وبخطى جادة مبنية على برامج تطبق بشكل تدريجي سيسبب إشكالات على أصعدة مختلفة يمكن تفاديها وأهمها الخدمات الصحية.
أعتقد أننا الآن أمام وضع خطة عاجلة وخطط بعيدة المدى و"خطط بديلة" تتعامل مع عناصر المشكلة، وأهمها توزيع فئات الممرضين والممرضات الحاليين حسب التأهيل والمستوى الوظيفي والأعمار وسنوات الخدمة لتحديد إمكانية التأهيل أو إعادة التأهيل خلال عام أو عامين أو أكثر؟, لا بد أن نهتم بوضع ضوابط حتى فيما يتعلق بمنهج الدراسة وتوافقه مع ما تم اتباعه خلال دراساتهم السابقة، ولا يكون ذلك إلا من قبل أصحاب الاختصاص، وبعد مراجعة مع أهل الخبرة الأكاديمية والمهنية والإدارية. ثم إعادة النظر في المهام الوظيفية للممرضة في التخصصات كافة وللمستويات كافة، ومن ثم إعادة النظر في آلية منح الشهادات ومنح الرخص ومنح العلاوات. هذا سيوجه الاهتمام إلى تحديد الجهات ذات العلاقة في هذا الشأن ووضع آلية عمل تكون فيها المسؤوليات محدودة والمراجع العلمية والدراسات موجودة لتنتهي بتنفيذ إجراءات ملزمة للجهات كافة المقدمة للخدمات الصحية ولتكن محل تقييم بعد عدد من السنوات لتحقيق جودة التنظيم والأداء (يمكن أن يتم كل ذلك خلال أسابيع معدودة فقط). لا بد أيضا أن نهتم بتنظيم وضع الإدارات المعنية بهذا المجال المهني الإنساني الراقي هيكلة وتنظيما وإدارة، ليس فقط على مستوى الجهاز المركزي، بل أيضا على مستوى المناطق وللجهات المعنية كافة، معتبرين التوجه وكأنه دراسة أو مشروع وطني كبير لا بد أن يشارك فيه كل مختص ومعني ولو بفكرة أو منظور. كلمة أخيرة ... التنسيق لتخريج كفاءات وطنية متخصصة في تمريض الأورام، أو الكلى، أو العلوم العصبية أو العمليات يحتاج إلى ثبات إدارة متخصصة لديها وضوح الفكرة والأهداف, إضافة إلى توافر برنامج تنموي لمدى طويل صمم بعد تنسيق كامل مع جهات الاختصاص تعليمية كانت أم خدمية أو تشريعية، لأن هذا ما يمكن أن يقلل من الاجتهادات ويصوب القرارات, والله المستعان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي