الرجل المهم التالي في إفريقيا
إذا تجنب جاكوب زوما تحويل القيادة الإفريقية إلى صورة هزلية، قد يغير القارة بأكملها نحو الأفضل.
في غضون أسابيع، سيصبح جاكوب زوما أقوى رجل في إفريقيا، القارة التي تضم مليار شخص، التي لا تزال القارة الأكثر فقرا، على الرغم من التحسينات الأخيرة، والأسوأ حكما على وجه الأرض. وتسهم جنوب إفريقيا بنسبة تزيد على الثلث في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء البالغة 48 دولة. وهي الدولة الإفريقية الوحيدة العضو في مجموعة العشرين التي تضم الدول القوية التي لها تأثير كبير في الدبلوماسية العالمية. ويعد خروجها من حقبة الفصل العنصري المريعة معجزة في مجال المصالحة. ولا يزال الأفارقة في القارة والشعوب المضطهدة في أماكن أخرى يعتبرون زعيم جنوب إفريقيا التاريخي نيلسون مانديلا منارة الأمل.
ومن المقرر انتخاب رئيس الدولة من قبل البرلمان بعد الانتخابات العامة في الثاني والعشرين من نيسان (أبريل)، التي يعتقد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي المهيمن جازما أنه سيفوز بها مرة أخرى. وبوصفه مرشح الحزب، لا شك أن زوما سيصبح "الرجل المهم" التالي في إفريقيا. إلا أن هذه العبارة تعبر عن جوهر مشكلات القارة. فالكثير جدا من الدول الإفريقية دُمّرت على يد قادة سياسيين شكلوا حكوماتهم من تجميع السلطة الشخصية وتوزيع الخدمات. وحقيقة أن الأمة المتنوعة لنيلسون مانديلا الموقر تدعم الآن رجلا على شاكلة زوما قد تزيد حدة الأفكار المسبقة بشأن إفريقيا. والأمر منوط بزوما لكي يثبت للمتشككين أنهم على خطأ.
ولا شك أنه رجل يتميز بصفات رائعة. فخلافا لسلفه القاسي، تابو مبيكي، يستطيع زوما التأثير في الناس بصورة كبيرة. وخلافا لمبيكي المتكدر، فإن زوما واثق من نفسه، ولا يمانع أبدا في الاعتراف بخلفيته المتواضعة، بل والاعتزاز بها. فقد قام بتثقيف نفسه بصورة جيدة خلال السنوات العشر التي قضاها كسجين في جزيرة Robben، إلى جانب مانديلا. ويملك زوما شخصية ساحرة ويتمتع بالدهاء، كما هو متوقع من مقاتل ارتقى ليصبح رئيس الاستخبارات للحزب الحاكم الحالي، أي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي. وهو مفاوض ذكي، نجح في إنهاء الصراع بين أفراد قبيلته الزولو في بداية مرحلة ما بعد الفصل العنصري. وهو يتواصل بسهولة مع سكان الأحياء الفقيرة السود ومع الأثرياء البيض، على حد سواء.
رجل مهم ومشكلات كبيرة
إلا أن عيوبه واضحة بالقدر نفسه. فهو متورط منذ سنوات في مجموعة من القضايا القانونية المحرجة التي لم يتم إنقاذه منها إلا أخيرا - بسبب ثغرة قانونية. وتم الحكم على مستشاره المالي بالسجن 15 عاما بتهمة طلب رشا لزوما. وتمت أيضا محاكمته بتهمة الاغتصاب وتبرئته منها. وأقل ما يقال إنه كان دائما يقترب من حافة الخطر. وألطف تفسير يمكن تقديمه فيما يتعلق بتعاملاته المالية هو أنه كان ساذجا ومتهورا، وليست تلك أفضل الصفات التي يجب أن تتوافر في شخص من المفترض أن يدير أكبر اقتصاد في إفريقيا. وخلال محاكمته بتهمة اغتصاب صديقة للعائلة كانت تحمل فيروس نقص المناعة البشرية، في ذروة انتشار وباء الإيدز في دولة تسجل أعلى نسبة من حالات الاغتصاب، أظهر تعصبا للرجال وجهلا مذهلا، حيث أوضح أنه استحم بعد ممارسة الجنس لتجنب الإصابة بالمرض. وهو شعبوي غير ليبرالي، يحتقر المثليين جنسيا ويلمّح بإعادة تطبيق عقوبة الإعدام.
وفيما يتعلق بالسياسة، ليس لدى زوما كثير من الأفكار العميقة. فبعد الواقعة المشينة التي نفى فيها مبيكي العلاقة بين فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، أشرف بنفسه على تعيين وزير صحة جديد أكثر حكمة. ويبدو أنه يريد خلع روبرت موجابي في زيمبابوي، مع أن تصريحاته تفاوتت فيما يخص ذلك. وبعد أن كان عضوا في الحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا، الذي كان يتودد إلى الكرملين، تحول بكل وقاحة إلى الرأسمالية بعد أن قام أسلافه، مانديلا ومبيكي، بإقناع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بالتخلي عن الاشتراكية. واليوم، يقول للأغلبية السوداء الجائعة من الشعب إنه يضع مصالحهم في المقام الأول، في حين يطمئن رجال الأعمال أنه لن يتحول إلى نظام إعادة التوزيع بزيادة الضرائب. ولا أحد يعلم إلى أي اتجاه سيدفع زوما الاقتصاد، الذي يتذبذب الآن بعد سنوات من النمو المطرد المدفوع بالسلع.
وكما هو الحال مع جميع الشخصيات المهمة، فإن المخاوف الرئيسية تدور حول الجمع بصورة قاتلة بين الحزب والدولة. وبالنظر إلى المزيج القبلي والعنصري في جنوب إفريقيا، فإنه من الضروري جدا وجود هيئات مستقلة قوية، من البرلمان والسلطة القضائية إلى هيئات مراقبة حقوق الإنسان والمؤسسات الطبية الإعلام الحر، إلا أن المؤتمر الوطني الإفريقي قام بملء جميع هذه الهيئات بالموالين للحزب لترسيخ هيمنته. ويبدو أن المرشح زوما يرى أن الولاء لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي يأتي فوق كل شيء آخر، حتى الدستور الذي كان الحزب نفسه مسؤولا إلى حد كبير عن كتابته. وليس من المؤكد أنه يؤمن بضرورة الفصل بين السلطات، حيث يسمح لأنصاره باتهام القضاة بانتهاك القانون حين أصدروا حكما ضده.
أربك الجميع
ويجب على الرئيس زوما أن ينتهز الفرص المبكرة لتهدئة هذه المخاوف. وعليه أن يعلن بصورة لا تقبل الشك أنه لن يقترح قانونا يجعل رئيس الدولة محصنا ضد الملاحقة الجنائية. وينبغي عليه مقاومة الإغراء لترقيه بعض أصدقائه المراوغين لشغل مناصب قضائية رفيعة. ويجب أن يتم تقوية البرلمان ليكون على قدم المساواة مع السلطة التنفيذية؛ يسهم النظام الانتخابي الحالي القائم على القوائم الحزبية بتقليص استقلال الأعضاء ويحتاج إلى الإصلاح. وللحد من المحسوبية، يجب أن يسجل جميع أعضاء البرلمان والوزراء وأعضاء مجالس الإدارة للمؤسسات التي تمولها الدولة أصولهم وأصول عائلاتهم. وعليه أيضا أن يبقي Trevor Manuel في منصبه كوزير للمالية. وأخيرا، يجب على زوما أن يطلب من حكومته تعديلا، وربما التخلص تدريجيا من، سياسة "التمكين الاقتصادي للسود". ولعل هذا كان ضروريا قبل 15 عاما لتمكين السود من المشاركة في الاقتصاد. إلا أن المنتفعين الرئيسيين منه الآن هم زمرة من الأشخاص المرتبطين بحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وليس الشعب الفقير.
ولعل أصعب ما يمكن أن يتقبله زوما هو أن ديمقراطية جنوب إفريقيا بحاجة، على المدى الطويل، إلى معارضة أقوى. ويقدم التحالف الديمقراطي الليبرالي، الذي تقوده امرأة بيضاء شجاعة هي Helen Zile، أفكار جيدة، إلا أن الحزب فشل في توسيع نطاق شعبيته لتتجاوز البيض. ولدى حزب مؤتمر الشعب الجديد، الذي انشق عن المؤتمر الوطني الإفريقي ويرأسه شخص أسود، قادة أقوياء، إلا أن سمعة عديد منهم مشوّهة بسبب علاقتهم مع مبيكي. وبقليل من الحظ، قد تتمكن أحزاب المعارضة من منع المؤتمر الوطني الإفريقي من الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان، الأمر الذي من شأنه أن يسمح له بتجاوز الدستور.
وقد يتمكن زوما من أن يثبت أنه النوع الصحيح من الشخصيات المهمة: قوي بما فيه الكفاية لمنع حزبه من إيجاد دولة الحزب الواحد، ومهم بما فيه الكفاية لتقبل مبدأ أن لا أحد، حتى هو، فوق القانون. وإذا اختار أن يمضي سنواته الخمس في السلطة بهذه الطريقة، ستكون جنوب إفريقيا حقا نموذجا يحتذى به للقارة بأكملها. ولكن هل سيفعل هذا؟