تخصيص المرافق العامة أم إعادة هيكلتها على أساس تجاري .. أيهما نختار؟
هناك ثلاثة نماذج في العالم أو على الأقل هذا ما أعرفه لطبيعة التنظيم المالي والإداري والملكية للأجهزة أو الشركات المختصة بتقدم خدمات عامة للجمهور, وأعني بها المنشآت التي توفر خدمات الكهرباء والماء والغاز والصرف الصحي والنقل العام البري والجوي وحتى الاتصالات. النموذج الأول يمكن ملاحظته فيما يسمى دول العالم الثالث, ويعتمد على ملكية كاملة للدولة لتلك المرافق مع ضعف في الإنتاجية وسوء في الخدمات والبنية التحتية والتكنولوجيا المستخدمة, كما أنها تعتمد هياكل إدارية ومالية حكومية ولا يتميز موظفوها بمزايا عن موظفي القطاع العام الآخرين. والثاني ملكية كاملة للدولة مع اعتماد هيكلة إدارية تعمل على أساس تجاري, وهذا النموذج يمكن ملاحظته في الدول الاشتراكية المتقدمة وعلى رأسها فرنسا. أما النموذج الثالث والأخير فيعتمد على ملكية القطاع الخاص لمثل تلك الشركات مع رقابة حكومية عليها, وبالتالي فهي تعمل على أساس تجاري خالص, وهذا النموذج يمكن ملاحظته في الولايات المتحدة وبعض الدول الرأسمالية الأخرى.
نحن في المملكة لا يوجد لدينا توجه استراتيجي أو أهداف واضحة معلنة للتعامل مع الوضع القانوني والمالي لتلك المنشآت رغم وجود برنامج لتخصيصها يسير ببطء شديد بدأ قبل سنوات طويلة مع شركات الكهرباء المتناثرة في مناطق المملكة التي تم توحيدها في شركة واحدة تسيطر الحكومة على معظم أسهمها، ومن ثم قطاع الاتصالات الذي تمت إعادة هيكلته على أسس تجارية بما في ذلك تقييم أصوله وخصومه ومن ثم طرحت للاكتتاب العام لكن الدولة لا تزال تمتلك معظم أسهمه, وهي التي تديره بالكامل مثله مثل قطاع الكهرباء، وأعلن قبل مدة تخصيص قطاع المياه بإعلان قيام شركة المياه الوطنية والبدء في تخصيص المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، كما أن الحكومة تمتلك نحو 30 في المائة من أسهم شركة النقل الجماعي وتستعد منذ سنوات لطرح الخطوط الجوية السعودية للاكتتاب العام.
يلاحظ أن المملكة تحولت من النموذج الأول رغم الاختلافات البسيطة إلى نموذج يخلط بين النموذجين الثاني والثالث، أي أنها أعادت هيكلة الأجهزة التي تقدم الخدمات العامة لكي تعمل على أسس تجارية ربحية لكنها طرحت أو باعت "حصص أقلية" للعامة كما هو واضح في شركة الاتصالات وشركة الكهرباء وما تنوي تنفيذه في الخطوط السعودية وشركة المياه الوطنية وغيرها، وهي بذلك لم تتخل عن السيطرة على تلك الشركات رغم أنها أبعدتها عن بيروقراطية العمل الحكومي ومعوقاته المعروفة.
من المهم أن ينتبه المخططون لدينا إلى أن تخلي الحكومة عن تقديم الخدمات العامة لشركات القطاع الخاص أمر بالغ السلبية وربما يؤثر في مستوى وجودة وانتشار هذه الخدمات في المستقبل، فالشركات لا تلتفت في الغالب لمصالح المستهلكين وليست مستعدة دائما لإيصال هذه الخدمات لمناطق نائية رغم التزامها بذلك، وهي على كل حال شركات تبحث عن تحقيق الأرباح وليس نشر تلك الخدمات وتحسين جودتها، حتى لو كانت النية لفتح الباب أمام شركات أخرى كما حدث في قطاعي الاتصالات والطيران، لأن الوصول إلى مرحلة التنافس في سوق ضيقة أمر صعب, والدليل ما يحدث اليوم في نشاط الاتصالات, حيث إن العملاء لم يستفيدوا بالشكل المأمول من فتح باب المنافسة للشركات العاملة من خلاله.
أردنا القول إن إعادة هيكلة تلك الأجهزة على أسس تجارية أمر مطلوب لرفع الجودة ونشر الخدمة وخفض التكاليف وسرعة العمل والإنجاز لكن ذلك لا يعني التخلي عن الملكية أو جزء منها كما يحدث لدينا، فلا فائدة ترجى من امتلاك أسهم في شركة الكهرباء إذا كانت الدولة تضمن توزيع أرباح لحملة الأسهم حتى في حال تحقيق خسائر، لأن هذا يثقل كاهل الدولة بمصروفات إضافية كان يمكن تجنب دفعها، كما أن ملكية بعض الأفراد في شركة الكهرباء على سبيل المثال لم تؤثر إيجابا في جودة الخدمات المقدمة أي أن وجودهم كملاك في الجمعية العمومية شكلي لا غير في ظل انعدام تأثيرهم.
عليه فإن النموذج الثاني هو الذي يناسب ظروف المملكة الجغرافية والتنموية والاقتصادية أي العمل على أسس تجارية وملكية كاملة للدولة، لكن يحتاج هذا النموذج إلى مجلس أعلى يراقب عمل تلك الشركات ويساءل مجالس إداراتها عوضا عن مندوب صندوق الاستثمارات العامة الذي لا يمكن أن يلم بجميع تفاصيل عملها الضخم، رغم الثقة التي عادة ما يمنحها الصندوق لأعضاء مجلس الإدارة، بما في ذلك الاعتماد عليهم في الحفاظ على المال العام وحسن صرفه.
لا يمكن لنموذج التخصيص الذي تتبعه الحكومة اليوم من رفع مستوى الخدمات ونشرها دون رقابة صارمة لا تتوافر اليوم بالشكل المأمول, وهذا ربما يفتح الباب على الخيارات المثلى لتحقيق الرقابة والمساءلة بما يكفل تحقيق الأهداف التي من أجلها تم تخصيص تلك القطاعات. وهنا يمكن ذكر أحد الخيارات التي أراها والمتمثل في إنشاء مجلس رقابة أعلى في كل شركة عامة يتفرغ بعض منسوبيه لمتابعة أعمال تلك الشركات يكون عمله مشابها لعمل مكاتب المراجعة القانونية, وهذا يحتاج إلى متخصصين مؤهلين في المحاسبة وبعض التخصصات الأخرى ذات الصلة في مجال عمل تلك الشركات، على أن تكون تلك المجالس بمثابة الجمعية العمومية لتلك الشركات، وتقدم تقاريرها لوزارة المالية ومجلسي الوزراء والشورى في وقت واحد.