البنوك الأجنبية مسؤولة عن إغراق الشركات الإماراتية بالقروض
كشف عبد العزيز الغرير الرئيس التنفيذي لبنك المشرق عن اعتزام البنك دخول السوق المصرفية السعودية ضمن خطة توسعاته التي تشمل أسواق مصر والكويت داعيا إلى سرعة تفعيل قرارات قادة دول مجلس التعاون الخليجي بشأن انفتاح الأسواق الخليجية على بعضها بعضا.
وأكد الغرير الذي يترأس المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات في حوار مع "الاقتصادية" أن الاقتصادين السعودي والإماراتي سيكونان الأكثر استفادة من الانفتاح الكامل باعتبارهما الأكبر في المنطقة، في ضوء الارتفاع الكبير في حجم التبادل التجاري بين البلدين في الفترة الأخيرة, وتزايد أعداد المستثمرين السعوديين في الإمارات.
وحمل الغرير في الحوار على ما وصفه باندفاع البنوك الدولية في إقراض الشركات والمؤسسات الإماراتية التي أفرطت هي الأخرى في الاقتراض لمواجهة عمليات توسعها في الداخل والخارج، كما حمل أيضا على البنوك الإماراتية التي قال إنها تغاضت عن المعايير التي كان يتعين الالتزام بها عند تقديم القروض.
وأكد أن وضع البنوك الإماراتية "مطمئن" لأسباب منها أن نسبة الملاءة المالية لديها تعتبر الأعلى عالميا وكذلك نسبة الربحية إلى المصارف مشيدا في الوقت ذاته بالدعم الذي قدمته الحكومة الاتحادية للبنوك سواء عن طريق ضمان الودائع أو تحويل الودائع الحكومية إلى الشق الثاني من رأس المال.
ورشح الغرير الإمارات لأن تكون من أوائل الدول التي ستتعافى من تداعيات الأزمة المالية، متوقعا أن تبدأ بوادر التعافي من الأزمة في نهاية العام المقبل وأن يعود النمو إلى مستوياته المعقولة .. فيما يلي نص الحوار:
الأزمة وخطة "المشرق" الثلاثية
العام الماضي 2008 كان الأول في الخطة التي أعلنها بنك المشرق لثلاث سنوات حتى عام 2010 وبنيت على أساس أن الاقتصاد الإماراتي سينمو بمعدل 20 في المائة سنويا لكن جاءت الأزمة المالية لتعصف بالخطة.. ما الذي تغير في بنودها؟ وما نسبة النمو التي تتوقعونها للبنك؟
في الحقيقة أن كل مؤسسة عادة ما تضع خطة مستقبلية تحدد فيها أهدافها وتقوم الإدارة بمساعدة الموظفين على تحقيقها وهو ما جرت العادة على فعله طيلة السنوات السابقة لكن ما حدث أن الأزمة المالية خلقت ظروفا صعبة على جميع اقتصادات المنطقة بما في ذلك الاقتصاد الإماراتي وكان لا بد من إعادة النظر في الخطة، حتى تكون واقعية وتتماشى مع الظروف الجديدة التي تمر بها الأسواق.
لكن بنيت الخطة على أرقام أكثر تفاؤلية ذلك أن متوسط نمو الاقتصاد الإماراتي في السنوات السابقة كان يراوح بين 10 و 12 في المائة؟
الاقتصاد الإماراتي كان ينمو بنسب قياسية وكنا في بنك المشرق ننمو سنويا وعلى مدار السنوات الثلاث السابقة بين 30 و 35 في المائة وهي النسبة نفسها التي كان ينمو بها الاقتصاد حتى منتصف العام الماضي, كما أن القطاع المصرفي كان ينمو بطريقة أسرع من نمو اقتصاد الدولة، وكنا في بنك المشرق ننمو مع الاقتصاد وكثيرا ما كنا نحقق نسب نمو أعلى.. وعلى هذا الأساس وضعنا خطتنا لثلاث سنوات مقبلة.
هل تغيرت بنود الخطة كافة بناء على المتغيرات الجديدة ؟
بالتأكيد، لكن هدفنا الأساس أن نحافظ على الأرباح نفسها التي حققناها العام الماضي البالغة 1.9 مليار درهم، وفي حال تحقق ذلك فإننا نكون قد حققنا إنجازا كبيرا في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الاقتصادات كافة، ويكفي أننا لا نزال نحقق أرباحا وعائدا على رأس المال في حدود 20 في المائة في حين أن بنوكا دولية تمنى بخسائر أو أفلست وخرجت من السوق بعكس الوضع عندنا في الإمارات فكل البنوك تحقق أرباحا.
لم يكن بالإمكان توقع مدى وطول وشدة الأزمة التي أصابت النظام المالي العالمي، وكان طبيعيا أن تتغير خطتنا في ضوء ذلك، وسنركز في العام الجاري على إدارة التزاماتنا "الودائع" بشكل أكثر جرأة وإدارة أصولنا "القروض" بشكل محافظ، كما ستتصدر إدارة السيولة ورأس المال أولوياتنا كما سنركز على سلامة خدماتنا المصرفية وليس على نمو العائدات بالتزامن مع مواصلة الاستثمار في دعم المؤسسة، سوف يؤدي ذلك بالتالي إلى جعلنا قادرين على إدامة نمونا على المدى الطويل وظهور فرص جديدة مرة أخرى.
جرأة "المشرق" وشروط الإقراض
هل سيتخلى "المشرق"عن سياسته التي عرف بها على مدار السنوات الماضية كونها أكثر البنوك الإماراتية جرأة في السوق، خصوصا فيما يتعلق بالإقراض الموسع للأفراد؟
الوضع الاقتصادي تغير، والحذر مطلوب، ففي السابق كانت نسبة نجاح المشاريع عالية، وقد لا يحتاج صاحب المشروع إلى كثير من الخبرة لأنه كان يجد الدعم من السوق النشطة، كما كان البنك يقدم القروض دون مخاوف لكن مع تغير ظروف الأسواق نتيجة للأزمة المالية باتت الخبرة أهم وضرورية، كما أصبحت شروط الإقراض مختلفة ففي السابق لم يكن مطورو العقارات يضعون شيئا من رؤوس أموالهم في مشاريعهم العقارية وكان البنك يقدم لهم كامل التمويل دون أن يطلب منهم سداد جزء من رأس المال.. الآن نطلب منهم ضخ جزء من رأس المال مقابل نسبة من البنك 40 في المائة مثلا منهم مقابل 60 في المائة من البنك.
من هذا المنطلق هل تغيرت شروط الإقراض بالنسبة لبنك المشرق؟
كما قلت الأمور تغيرت، وظروف السوق لم تعد كما كانت في السابق لكن من ناحية زبائننا القدامى الذين يعملون معنا منذ أكثر من 20 عاما نحن نقف معهم ويتعين علينا أن نتفهم ظروفهم ووضعهم المالي وأن نساندهم سواء من ناحية الربحية أو من ناحية التدفق النقدي، وبالتأكيد سيجدوننا بجانبهم في حال مروا بظروف صعبة.
"المشرق" في السعودية
كيف تفسر توسع بنك المشرق خارج الإمارات في مثل هذه الظروف التي وصفتها بالصعبة؟
خروجنا إلى خارج الإمارات خصوصا إلى السوق المصرية كأحدث سوق لـ "المشرق" جاء بهدف اقتناص الفرص من جانب وقناعتنا أن هذه الأسواق واعدة وينتظرها مستقبل وتسجل معدلات نمو جيدة، كما أنه لابد على مؤسستنا المالية من أن تتواجد في الأسواق القريبة حتى يمكنها تلبية متطلبات زبائنها الحاليين.
من هذا المنطلق قررنا أن نخرج إلى مصر وإلى بقية أسواق الخليج، حيث سنكون في الكويت خلال العام الجاري إضافة إلى وجودنا منذ سنوات طويلة في قطر والبحرين وستكون السعودية محطتنا المقبلة بعد الكويت ولن يهمنا في البداية تحقيق ربحية في هذه الأسواق في فترة زمنية قصيرة لأن الهدف الأساس في البداية التواجد في الأسواق الواعدة، التي ستلعب دورا كبيرا في يوم من الأيام.
معنى ذلك أن لدى "المشرق" خطة لدخول السوق السعودية خلال المرحلة المقبلة؟
السوق السعودية من أهم وأكبر أسواق المنطقة ونحن بالفعل ندرس أسلوب دخولنا هناك ولدينا قناعة أن السوقين الإماراتية والسعودية أمامهما فرصة أكثر من غيرهما لتحقيق تكامل فهما أكبر سوقين في المنطقة، وفي الفترة الأخيرة تزايد عدد المستثمرين السعوديين الذين لديهم استثمارات في الإمارات، كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين سجل قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة.
وفي اعتقادي أن الإسراع في تنفيذ قرارات قادة دول مجلس التعاون الخليجي بشأن انفتاح الأسواق الخليجية على بعضها بعضا دون شروط أو قيود سيحقق كثيرا من الفوائد للاقتصادين الإماراتي والسعودي، حيث يمكن أن تتواجد المصارف والمستثمرون والمصدرون والشركات بين البلدين بشكل أكبر مما عليه الآن، وفي حال تحقق الانفتاح الكامل بين السوقين ستكون قطاعات المصارف والاستثمار والسياحة أكثر القطاعات استفادة من هذا التكامل.. من هذه الرؤية نحن نولي في بنك المشرق اهتماما كبيرا بالسوق السعودية التي سنتواجد فيها قريبا وهى على رأس خطتنا.
أخطاء البنوك ودروس من الأزمة
كيف تفسر المصاعب التي توجه البنوك في الإمارات من تداعيات الأزمة المالية ؟ هل أخطات البنوك في الإفراط في الإقراض؟
وضع البنوك في الإمارات "مطمئن" رغم المصاعب التي تواجهها، وهناك رقابة من المصرف المركزي على البنوك، كما أن نسبة الملاءة لدى بنوك الإمارات تعد الأعلى بين بنوك العالم وتعد "صمام أمان" لأية مفاجآت قد تحدث، كما أن نسبة ربحية المصارف الإماراتية إلى المصاريف تعد من أعلى النسب، على سبيل المثال كل 100 درهم نربح منها 60 درهما في حين تصل النسبة في دول أخرى إلى 20 درهما وربما صفر.
وجاءت خطة الحكومة الاتحادية لدعم القطاع المصرفي لتزيد من الاطمئنان، حيث حولت البنوك الودائع الحكومية لديها إلى الشق الثاني من رأس المال وهو ما يؤكد أن الحكومة تدعم مصارفها وقبل هذا الدعم كانت الحكومة قد أعلنت ضمان الودائع لدى المصارف كافة.
ما الأخطاء التي وقعت فيها البنوك في الإمارات، التي كشفت عنها الأزمة المالية؟ هل من دروس من الأزمة؟
أبرز هذه الأخطاء.. الاندفاع الكبير في الإقراض وعدم الاعتماد على الإقراض التقليدي في ضرورة أن يكون لدى الشركة الراغبة في الاقتراض من البنك عمل تجاري وتدفق نقدي مستمر واحتياطي نقدي آخر يمكن اللجوء إليه عند توقف التدفق النقدي التقليدي ومدة خبرة طويلة تراوح بين خمسة وعشر سنوات وتاريخ معروف من النجاح للشركة.
كل هذه المعايير تم التغاضي عنها كثيرا من قبل البنوك، وكنا نجد بنوكا تمنح الشركة أو المقترض فترة سنة يعود بعدها المقترض وبكل سهولة لتمويل قرضه من جديد وكان يجد سهولة في ذلك رغم أنه يدرك تماما أنه ليست لديه القدرة على السداد لكن السوق وقتها كانت تدعم هذا الاتجاه ..وكنا نرى في ذلك "ناقوس خطر".
لكن المعروف عن بنك "المشرق" أنه الأكثر جرأة في الإقراض.. ألم تكونوا من بين هذه البنوك؟
على العكس تماما كنا متحفظين منذ البداية عندما رأينا الحماس الزائد من قبل البنوك في الإقراض، خصوصا عندما دخلت البنوك العالمية على الخط في مطاردة الشركات للاقتراض منها، وحمست شركاتنا ومؤسساتنا على طلب القروض بأي حجم وكنا نحن في "المشرق" نحذر من ذلك لكن في أيام الطفرة لا تجد أحدا يسمعك، فقد كان كل شيء مقبولا.
ورطة البنوك الأجنبية
معنى ذلك أن البنوك الأجنبية "ورطت" الشركات الإماراتية في الاقتراض الزائد؟
البنوك الأجنبية اندفعت بالفعل وحمست شركاتنا ومؤسساتنا على الاقتراض منها وهى بذلك تكون قد ساعدت على تفاقم تداعيات الأزمة خصوصا أن مؤسساتنا لجأت إلى الاقتراض منها لتكبير حجمها بالإقراض المجمع لمواجهة توسعاتها في الداخل والخارج.
ومع اندلاع الأزمة المالية أوقفت البنوك الدولية إقراضها لشركاتنا ومؤسساتنا المالية لأن أولوياتها تغيرت، إضافة إلى تلقيها أوامر من حكوماتها بتوجيه الدعم المالي لسوقها المحلية وليس للأسواق الخارجية، ومن هنا جاءت المشكلة، وأصبح على شركاتنا البحث عن بدائل أخرى لإعادة تمويل قروضها.
من هنا تأثر الاقتصاد الإماراتي بالأزمة.. أليس كذلك؟
اقتصاد الإمارات أكثر انفتاحا على الأسواق العالمية وأكثر ترحيبا بالاستثمارات الأجنبية، ويتميز أيضا بسرعة اتخاذ القرار ومن هنا كان تأثره قويا لكن سيكون أسرع الاقتصادات تخطيا للأزمة، وتوقعاتي أن اقتصاد الإمارات سيكون أول المتعافين وسيكون ذلك في نهاية العام المقبل، حيث ستبدأ الأوضاع في الاستقرار ويعود النمو إلى مستوياته المعقولة.