"أوبك" تتبنى موقفا حذرا انتظارا لاجتماع الشهر المقبل
تبدو الأسابيع القليلة المقبلة وحتى اجتماع منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" أواخر شهر أيار (مايو) حاسمة لجهة تحديد مسار السوق وما يتوجب على المنظمة عمله فيما يتعلق بالإمدادات. ويشير التقرير الشهري للمنظمة الصادر الأسبوع الماضي إلى أنه طوال هذه الفترة وتحديدا النصف الثاني من العام ستكون السوق واقعة تحت ضغوط كبيرة، وبالتالي فإنه على "أوبك" مراقبة مختلف التحركات بدقة لمعرفة انعكاسات تطورات الوضع الاقتصادي العالمي من ناحية والطلب المتراجع من جانب آخر، إضافة إلى حجم الاستثمارات المخصصة لتوسيع الطاقة الإنتاجية، مع السؤال الملح الخاص بحجم الإمدادات التي ينبغي أن تذهب إلى السوق، وهو ما يتطلب نوعية أفضل من المعلومات الخاصة بالإنتاج والاستهلاك وتحركات المخزون يمكن اتخاذ القرارات في ضوئها. فمع أن الوضع الاقتصادي العالمي يظل ضعيفا وفي خضم حالة من الكساد الحاد، إلا أن هناك بعض المؤشرات الإيجابية أفرزت أجواء تفاؤلية انعكست إيجابيا على معدل سعر سلة "أوبك"، التي ارتفعت خلال الشهر الماضي بنسبة 10.5 في المائة، أو 4.37 دولارا ليصل سعر البرميل إلى 45.78 دولار، وهي أعلى زيادة منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. كما أن السعر شهد تحسنا إضافيا مطلع الشهر الجاري للدرجة التي وضع فيها أرضية في حدود 50 دولارا للبرميل. ولهذا بدأت التصريحات تتوارى من مسؤولي "أوبك" أنهم سيتكيفون مع هذا السعر حتى إشعار آخر رغم عدم رضاءهم عنه.
فقمة العشرين التي استضافتها لندن أخيرا أعطت إشارة واضحة إلى أن العالم ينسق خطاه لمقابلة الأزمة المالية العالمية خاصة فيما يتعلق بالموارد المالية الإضافية التي ستتوافر لدى صندوق النقد الدولي ومعاونته الاقتصادات الناشئة على مقابلة تبعات الأزمة المالية، الأمر الذي يمكن أن يحسن من الأداء في هذه الدول، مما ينعكس على وضع الطلب على النفط. ويعد أداء "ستاندارد آند بورز" للشهر الماضي أفضل إشارة، إذ تحسن بنحو 20 في المائة خلال الشهر. ويساعد في ذلك بروز بعض المؤشرات من أن قطاع العقاري في الولايات المتحدة يشهد بعض التحسن وتراجع كلفة القروض العقارية، كما أن الأرقام الخاصة بطلبيات التصنيع تبرز بعض المؤشرات الطيبة. من ناحية أخرى فإن صفقة التحفيز الاقتصادي الصينية يبدو أنها بدأت تعمل لجهة زيادة الطلب الداخلي خاصة في النصف الثاني من العام، رغم أن الصادرات مرشحة للبقاء ضعيفة لكن تظل أساسيات السوق النفطية ضعيفة وذلك انعكاسا للوضع الاقتصادي العام.
ولذلك تشير آخر تقديرات "أوبك" إلى أن الطلب على النفط سيتراجع هذا العام بنحو 1.4 مليون برميل يوميا، وهو ما يقل 40 ألف برميل عن آخر تقديرات نشرت في الشهر الماضي. وبالنسبة لـ "أوبك" تحديدا، فإن الطلب على إمداداتها من النفط سيتراجع بنحو 2.1 مليون برميل يوميا مما كان عليه العام الماضي إلى 28.7 مليون. وهذا نتيجة لخفض الإنتاج المستمر منذ العام الماضي وأضيف إليه الشهر الماضي إزالة نحو 200 ألف برميل بين شهري آذار (مارس) وشباط (فبراير) الذي سبقه، وهو ما يشير من ناحية إلى تضاؤل قدرة الدول الأعضاء على المضي قدما وإنفاذ كامل برنامج خفض الإنتاج الذي يصل حجمه الكلي إلى 4.2 مليون برميل يوميا. ويظهر هذا في أن حجم الخفض بين شهري كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) بلغ 600 ألف برميل وفي الشهر الذي سبق 1.7 مليون، وبالتالي الوصول إلى معدل إنتاجي لم تشهده المنظمة منذ مطلع العام 2003.
ويرى المركز الدولي لدراسات الطاقة أنه رغم المعدل العالي للتخفيضات التي قامت بها الدول الأعضاء في "أوبك" خلال الشهر الماضي، إلا أن إيران وفنزويلا مثلا لا تزالان تنتجان فوق حصتيهما، لكن قدرة المنظمة على المزيد من الخفض تراجعت، كما أن الحديث عن سعر أعلى تراجع أيضا، وهو في تقدير المركز يعكس الاحتياجات المالية للدول الأعضاء التي تعودت خلال السنوات الماضية على الإنفاق المرتفع استنادا إلى الدخل المرتفع، أكثر من احتياجها لهذه الأموال لتمويل توسيع الطاقة الإنتاجية في المشاريع الجديدة، خاصة وتكلفة إضافة برميل جديدة للطاقة القائمة تبلغ عشرة دولارات.
من ناحية أخرى فإن ضعف العائدات المالية بالنسبة للدول المنتجة أدت إلى تقليص حجم ما يستثمر في توسيع طاقة المشاريع القائمة أو تأجيل تلك المخطط لها، ولهذا يتوقع تراجع الإمدادات من قبل المنتجين من خارج "أوبك" بنحو 30 ألف برميل يوميا من التقدير السابق، إلا أنها تظل أعلى مما كانت عليه العام الماضي بصورة عامة إذ ستبلغ 50.61 مليون برميل يوميا خلال هذا العام بزيادة 290 ألفا عن العام السابق، أو 50.76 مليون في الربع الأول، تنخفض إلى 50.49 مليون خلال الربع الثاني ثم إلى 50.36 مليون في الربع الثالث ثم إلى 50.82 مليون في الربع الأخير من العام وذلك على التوالي. ويبرز وضع روسيا كأكبر منتج للنفط إذ يتوقع لإنتاجها أن يستقر هذا العام عند 9.6 مليون برميل يوميا متراجعا 120 ألف برميل يوميا عما كان عليه العام الماضي.
أحد العوامل التي تستحق المتابعة وضع المخزون التجاري، الذي لا يزال في أعلى معدل متجاوزا المستوى المعهود لخمس سنوات، بل ووصل إلى تغطية 60 يوم استهلاك، ومرتفعا بذلك سبعة أيام كاملة مما كان عليه قبل عام، ومحققا أعلى معدل منذ أيلول (سبتمبر) 1993، وهو ما يشكل عامل ضغط بدوره على سعر البرميل. لكن يبقى أهم من هذا كله الوضع خاصة في السوقين الأمريكية والصينية. ويلفت النظر إلى أن واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بلغت خلال الشهر الماضي 9.33 مليون برميل يوميا، وذلك بزيادة 303 آلاف، ولو أنها تظل أقل مما كانت عليه قبل عام. وبلغ حجم المخزون التجاري 1.054 مليون برميل، وذلك بزيادة 86 مليونا عما كان عليه قبل عام، لكنه في دول الاتحاد الأوروبي تراجع للمرة الرابعة على التوالي لكنها بلغت أعلى معدل في 22 شهرا وهو 1.144 مليون برميل. أما بالنسبة للصين، فإن الأعين تتركز على الطلب وإذا كانت خططها الخاصة بالوضع الاقتصادي ستنجح، مما ينعكس على وضع الطلب على النفط، الذي يعتقد أنه تراجع خلال الربع الأول من هذا العام إلى أدنى معدل له منذ الربع الأخير من العام 2005 على أن هذا الوضع سيخلق مشكلة ويوفر حلولا من نوع آخر. فعلى عكس ما كان سائدا في فترة الأعوام 2003- 2008، حيث كانت السوق تعاني من اضمحلال في الطاقة الإنتاجية الفائضة، فإنه بسبب حجم الخفض الكبير الحالي للإنتاج، أصبح للمنظمة طاقة إنتاجية فائضة تتجاوز 6.73 مليون برميل يوميا، منها أكثر من ثلاثة ملايين في السعودية لوحدها. ومشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة أنها تشكل إغراء لتجاوز الحصص الإنتاجية المقررة وللتعويض عن تراجع الأسعار، كما يوجد دافع إضافي أن الحفاظ على أي طاقة إنتاجية فائضة يتطلب إنفاقا عليها كي تكون جاهزة للاستخدام فيما إذا نشأت الحاجة إليها. لكنها من الناحية الأخرى توفر عامل أمان يمكن اللجوء إليه لتوفير الإمدادات اللازمة فيما إذا شهد الوضع الاقتصادي انتعاشا أسهم في زيادة الطلب.