من الكونجرس إلى الأسواق الناشئة
تعتبر أقدم قضية تمت مناقشتها في الكونجرس الأمريكي في القرن الماضي تدور حول المشتقات المالية وتركز السؤال مدار الحوار "هل المشتقات المالية أدوات مقامرة أو أدوات استثمارية؟" وكانت النظرة من زاوية أن المقامرة يكوّن فيها الإنسان مخاطر غير موجودة أصلا، في حين في المشتقات المالية تكون المخاطر موجودة والمشتقات وسيلة لتحيدها والتحوط منها، وحتى تتضح الصورة تم أخذها من مثال مزارع البرتقال الذي يرغب في إنتاج برتقال في مزرعته ولا يرغب في مواجهة ذبذبة أسعار السلعة وهبوطها فيلجأ لسوق المشتقات ويثبت السعر وينتج، وفي بلادنا يمكن أن نربط المورد لمنتج في مناقصة ويرغب في تثبيت سعر العملة حتى لا يتعرض لخسائر غير منظورة أو المقاول الذي يرغب في تثبيت سعر الحديد والأسمنت مثلا، والمنطق نفسه يمكن أن ينطبق على المدير في البنك أو مدير المحفظة الذي يرغب في الحصول على الربح الموزع ويثبت سعر السهم مثلا (حيث يشتري السهم مع خيار بيع وشراء). وبالتالي ينظر الكثير إلى لمشتقات المالية على أنها أداة تحوط يتم بيع المخاطر فيها مقابل ثمن مالي في عصرنا الحالي.
ولعل السؤال الأول الذي يخطر ببالنا من يستخدمها؟ وهل هناك ضرر يحدث من إساءة استغلالها؟ وما حجم مخاطرها مقارنة بغيرها من الأدوات الاستثمارية؟ والإجابة دوما في عالمنا هناك جوانب سلبية وإيجابية في كل الأمور، والإنسان باختياره يستخدم الأداة فتضره أو تخلق له النفع فالسكين أداة يمكن أن تنفع البشرية ويمكن أن تضرها باختيار البشر، وبالتالي الحديث عند تقديم الجديد نركز على السلبيات وننسى دوما الإيجابيات وللأسف الإنسان يحاسب غيره على أخطائه وإساءة استخدامه وعلى قراره الخاطئ.
البيع على المكشوف أداة وجدت ليستطيع المستثمر توفير السيولة في وقت انخفاض وهبوط السوق وبالتالي يكون هناك تداول عند ارتفاع السعر وتداول بنفس المعيار عند هبوطه، ولعل الأيام الماضية وعدم توافر السيولة اللازمة للسوق تعطينا ربما فسحة من التبرير حول أهمية توافر أدوات تمنح السوق العمق اللازم له، ولكن يجب الحذر من قبل المستثمر حتى لا يقع في مشاكل وعادة ما تكون باختياره.
ويربط البعض بين قضية أزمة الرهن العقاري وبين المشتقات المالية كمثال سيء، وهنا نسمي الأشياء دون تحديد مسبباتها، فالرهن العقاري كأزمة نشأ عن غش وتدليس في تكوين وتصكيك رهونات لا تعكس واقع حقيقي تم إضافة نوع من التأمين عليها حتى يتم تداولها، ومع اكتشاف حقيقة الرهونات وعدم قدرة آخذيها على السداد في ظل الارتفاع غير الواقعي للأسعار حدث الهبوط والإفلاس في الرهونات وبالتالي في صكوكها وفي التأمين وجر معه المشتقات المالية، وبالتالي يكون السبب الأساسي ليس أدوات التحوط ولكن المنتجات الأساسية.
ختاما يجب على المستثمر أن يحدد سبب الاستخدام ولا يجر قراره السلبي في حجب منفعة على الغير، ويجب أن يدرك المستثمر أن استخدام هذه الأدوات بغرض الكسب السريع ممكن ولكن الخسارة والإفلاس وخراب البيوت ممكن هنا في حالة تغير وضع السوق. فيجب الحذر والاحترافية في التعامل مع هذه الأدوات حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه للمستثمرين.