أخلاقيات العمل في المؤسسات المالية الإسلامية
تعد أخلاقيات المهنة لمختلف الأعمال أمرا مهما اليوم وأصبح المنظرون لأي علم يبحثون في أخلاقيات العمل لذلك العلم لأن سائر العلوم إذا لم يكن لها أخلاقيات فإنها قد تستغل استغلالا سيئا وقد يؤدي ذلك لأن يتحول العلم من نعمة إلى نقمة على صاحبه والمجتمع، ولذلك نجد أن كثيرا من الجامعات في العلم تهتم بتدريس أخلاقيات المهنة للعلم الذي تقدمه سواء كان ذلك علم الطب أو الحاسب الآلي أو العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم، إذ إن استغلال المتخصص هذا العلم ليسيء استخدام ما تعلم ليمارس أمورا تضر بالمجتمع، أمر غير مقبول.
وهذه الأمور التي يمكن أن تكون ضارة بالمجتمع قد لا يكون بالضرورة هناك قدرة على منع تلك الممارسات سواء من خلال الأنظمة والتشريعات أو من خلال معرفة المؤسسات الحكومية بهذه المحاكمة ومحاسبة من أساء استخدام العلم. وذلك لأنه في كثير من الحالات تكون المسألة تعتمد على ثقة المجتمع بهذا المتخصص وأنه يراعي المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها كل إنسان يعمل في هذا المجال.
ولذلك كان لا بد من وجود وازع داخلي يكون أداة توجيه وتنبيه للمتخصص في أي علم من العلوم كي لا يسيء استخدامه، ومن تلك العلوم والتخصصات علوم الاقتصاد والمالية الإسلامية، والتي تشهد اليوم توسعا كبيرا على مستوى العالم وانفتاحا كبيرا عليها لم يكن مشهودا من قبل خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية فإضافة إلى الثقة التي أصبحت تتزايد بإمكانية تطبيق المبادئ الشرعية على الاقتصاد العالمي، نجد أن هناك فرصة في إقناع الكثير من المؤسسات المالية في العالم بأهمية الاستفادة من المبادئ التي قامت عليها أحكام المعاملات التجارية في الشريعة الإسلامية.
ولذلك كان لابد من وجود أخلاقيات متفق عليها أو على أغلبها بين العلماء في هذا المجال وتكون متطلبا لكل من يريد أن يعمل في هذا المجال كي لا يساء استخدام المعاملات المتوافقة مع الشريعة بشكل يكون فيه استغلال للمسلم خصوصا مع استخدام لفظ الإسلام للدلالة على تلك المؤسسات التي تقدم هذه المعاملات.
فنجد مثلا أن الكثير من العلماء يجيزون نوعا من المعاملات المتوافقة مع الشريعة ضمن دراسة مفصلة وبشروط محددة، فتؤخذ هذه الفتوى بشكل سطحي وتعمم على الكثير من فروع هذه المؤسسة وتطبق مباشرة ولعله لعدم إدراك الكثير من الموظفين بتفاصيل هذه المعاملة قد يخطئ في تطبيقها فتتحول من كونها معاملة شرعية اتفق أعضاء الهيئة الشرعية أو أغلبهم على جوازها ونتيجة لسوء التطبيق نجد أن الموظف تسبب في أن تكون معاملة غير مشروعة.
فتجد على سبيل المثال أن في بعض المعاملات مثل التورق المنظم أو ما يسمى بالتورق المصرفي – وإن كان هناك كثير من العلماء لا يرى جواز التعامل به شرعا – أن بعض الموظفين ليس لديه تفاصيل كافية عن الأسلوب الذي ينبغي أن يكون عليه إجراء هذه المعاملة كي تكون مشروعة مثل أن يذكر تفاصيل كاملة عن السلعة ووصفها للمشتري ويفضل بطبيعة الحال أن يريه عينة منها خصوصا أن كثيرا من عملاء البنوك لا يعرف كثيرا عن المعادن التي تعرضها تلك المؤسسات وتفاصيل كيفية بيعها له وشرائها منه والتوكيل الذي يتم والالتزامات التي على العميل والبنك في حال تعثر إتمام هذه المعاملة وأن تكون هذه الالتزامات تتم بطريقة عادلة.
وهنا ليس من المناسب الخوض في تفاصيل جمع المعاملات ما دام أنه من الممكن الاستفادة من المبدأ، كما أن من المهم دائما التركيز على المبادئ التي ينبغي أن يكون عليها هذا العلم، وذلك من خلال التعريف بمفاهيم مثل الربا والغرر والجهالة وغيرها من المسائل المنثورة في كتب الفقهاء وأن تكون هذه المعلومات متطلبا ومتاحة بشكل ميسر لكل من لديه رغبة في الدخول إلى هذا القطاع والعمل فيه إذ إن العمل في المؤسسات المالية الإسلامية أو التي تقدم معاملات متوافقة مع الشريعة لا بد أن يعكس المسمى، وهذا لا يعني أن نفترض دائما أن هذه المؤسسات غير ربحية - وإن كان ينبغي أن تهتم بمسؤولياتها تجاه المجتمع المسلم - إلا أنه لا بد من الأخذ في الحسبان جانب ثقة المجتمع بأن هذه المؤسسة التزمت بواجباتها تجاه مسمى تلك المؤسسة.
هذا وإن كان هناك مسؤولية تقع على العلماء المتخصصين في هذا المجال، ورجال الأعمال الذين يستثمرون فيه والأخلاقيات مطلوبة أيضا في عملهم، فالأمر أيضا لا يستثني كل موظف يباشر العقود التي تتم بشكل يومي مع المستفيدين من المعاملات وأن يتأكد من أنها تتم بالشكل الصحيح الموافق للشريعة.