رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حوار بين "أنعام" والمراجع القانوني – تطور العلاقة

منذ ظهرت شركة "أنعام" على الساحة الاقتصادية ومنذ تلك الأيام التي كان التداول يتم عن طريق مكاتب العقار ومع تطور السوق المالية وظهور تداول شبكة البنوك، ثم إنشاء السوق المالية والتداول الإلكتروني منذ ذلك الحين وشركة أنعام مثار للجدل وقوائمها المالية السنوية لا تخلو من تحفظات المراجعين. منذ كانت شركة أنعام تسمى "مواشي" ثم "مواشي مكيرش"، وبرغم التغيرات القانونية والشكلية والهيكلية ما زالت هذه الشركة تتوج قوائمها المالية بتحفظ من المراجع.
بداية ما معنى تقرير المراجع القانوني على القوائم المالية؟ القوائم المالية تنقل لنا معلومات في شكل أرقام مالية أعدتها إدارة الشركة لتخبر العالم ماذا تمتلك الشركة وما عليها وكم ربحت وأين استثمرت وعلى العالم الاستثماري أن يقيم مستقبل الشركة ويحكم على أداء الإدارة بناء على هذه المعلومات. بالطبع فإن القضية بهذا الشكل تصبح مجرد (ادعاءات) من الإدارة تطلب منا أن نصدقها وهي بالطبع لن تشهد على نفسها بسوء. فإدارة الشركة تسلمت من المساهمين مبالغ طائلة وتدعي أنها استثمرتها في الأصول والمخزون والتصنيع وخلافه من أوجه نشاط الشركة وأنها تحصلت على إيرادات مقدراها كذا وصرفت كذا وأن هذا الأمر صحيح لا تشوبه شائبة وأن الإدارة لم تسرق تلك الأموال ولم تبددها ولم تكذب أو تزور في الأرقام بغية البقاء في نعيم أموال المساهمين والمطلوب أن نكافئها وندعها تعمل بهدوء. والآن هل علينا أن نصدق ذلك لمجرد أن رئيس مجلس الإدارة رجل مهم جدا ومؤثر وثري جدا، حيث إنه لن ينقص من نفسه وينظر إلى هذه الأموال أم علينا أن نتحقق من صدق ذلك. أن نتأكد أن الأصول موجودة فعلا ومقدرة بشكل صحيح (عادل) وأن الإيرادات مقدرة بشكل (عادل) والمصروفات كذلك وأنها تعكس ما تم فعلا بلا تضخيم أو تخفيض متعمد أو غير متعمد. عمليا من المستحيل أن نقوم بذلك سواء بشكل فردي أو جماعي ولهذا نوكل المراجع القانوني للقيام بذلك على أساس أنه شخص مؤهل مهني خبير مدرب ومستقل لا يمكن أن تؤثر الإدارة في قراره. يقوم بفحص القوائم المالية والتأكد أنها تعكس الواقع بشكل (عادل) ومن ثم يصدر حكمه (الشخصي والمهني) في شكل رسالة لكل من يقرأ القوائم المالية هذه الرسالة تسمى التقرير.
التقرير ذو تصميم معياري كي يقدم رسالة معيارية عن عدالة القوائم المالية هذا التصميم "يجب" ألا يختلف من مراجع إلى آخر في الدولة نفسها لأنه – في شكل التقرير النظيف غير المتحفظ - يكفي مجرد النظر إليه دون قراءة محتوياته ليعطي الإشارة المطلوبة أن القوائم المالية عادلة وأنه ليس عليها ملاحظات جديرة بالذكر. وفي حال انحرف التقرير – في شكله - عن الوضع المعياري النظيف فإن مجرد النظرة إليه أيضا تعطي الرسالة المطلوبة وعلى مستخدم القوائم المالية التأني وقراءة تحفظات المراجع أو لفت الانتباه الذي سيورده.
تميزت تقارير المراجعين الذين تتابعوا على شركة أنعام بإصدار التقرير المتحفظ وهو التقرير الذي يورد فيه المراجع تحفظه على بعض المعلومات الواردة في القوائم المالية أو عدم ورودها لذلك فهو يخلي مسؤوليته بذكرها. وفي التقرير الأخير لشركة أنعام ذكر المراجع عددا من التحفظات وكذلك لفت انتباه. حيث أشار المراجع إلى تحفظه لعدم تجنيب مخصصات يرى ضرورة احتسابها وهي إن احتسبت ستخفض الأرباح وهو ما لا ترغبه الإدارة، كما ذكر وجود أراض مثبتة لم يتحقق من ملكيتها التامة للشركة. بالتأكيد فإن هذه التحفظات ظهرت بعد نقاشات جادة بين المرجع والشركة، حيث يطلب منها في العادة أن تعيد عرض القوائم المالية لتعكس وجهة نظره بينما تصر إدارة الشركة على إعلان القوائم المالية من وجهة نظرها وبلا تعديل. وبما أن القوائم المالية مسؤولية الإدارة فإنه لن يبقى أمام المراجع لثبات وجهة نظرة وإخلاء مسؤوليته إلا التحفظ الذي يورده في التقرير وهي تحفظات جديرة بالنظر بشكل متأن لأثر هذه المبالغ في صافي الربح وكذلك قيمة الأصول.
كما قلت أعلاه فإن هذه التحفظات ليست جديدة على "أنعام" ومراجعيها ولكن الأمر المهم في التقرير المالي الأخير هو رد الشركة على تحفظات المراجع ضمن التقرير المالي. فقد خصصت إدارة الشركة فقرة خاصة ضمن تقرير مجلس الإدارة أشارت فيها إلى هذه التحفظات وإلى أسباب اختلاف وجهات النظر بينهما، كما إنها أشارت وهو أمر مهم إلى أنها حلت بعض هذه التحفظات – وهو اعتراف ضمني بأهميتها. الحقيقية أن ذلك يحسب لإدارة الشركة ويحسب لمراجعها. فهناك إشارات واضحة جدا إلى أن المراجع قد عمل باستقلالية جيدة انعسكت على تقريره وبرغم أن الشركة ترى أن مبرراتها قوية ومقنعة للسوق المالية ولذلك نشرت ردها إلا أن المراجع استمر في طريقه وإعلان تحفظاته دون تردد أو تأثر قد يحل باستقلاله الذهني. كما أن وصول مثل هذا الحوار إلى السوق المالية وإعلانه بهذه الطريقة ميزة مهمة للسوق وللشركة وفيه إشارة إلى تحسن الوعي نحو أهمية وتأثير تقرير المراجع وخاصة بعد أن تسببت مثل هذه التقرير في تعليق تداول شركة بيشة وأنعام أيضا بل لم تزل شركة أنعام تعاني حتى الآن من جراء تعليقات مراجع الحسابات. إن ظهور هيئة السوق المالية على الساحة وأخذها في الحسبان تقرير المراجع وتحفظاته أوجد سوقا أكثر وعيا بهذه المهنة ودورها في حماية الاقتصاد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي