الحلقة المفقودة .. من عقد التنمية السياحية
نستطيع القول إن السياحة في السعودية قد وضعت قدمها على الطريق الصحيح بعد أن اكتملت الأنظمة واللوائح والتعليمات الخاصة بتنظيم هذا المجال الحيوي والمهم .. وتسلمت الهيئة العامة للسياحة والآثار المسؤولية الكاملة للإشراف على قطاعات الفنادق الإيواء السياحي، والسفر والسياحة، والآثار، والمبادرات المهمة للنهوض بهذه الصناعة لتتبوأ المكانة الاقتصادية المأمولة لها، والتي كانت هي أحد أهم البواعث التي جعلت الدولة تتجه لتأسيسها والتطلع لها على أنها رافد للاقتصاد الوطني، وما قدمته الهيئة من مشاريع اقتصادية متنوعة من تنظيم القطاعات الرئيسة اللازمة لتأسيس السياحة، وأضافت إليها مبادرات غير مسبوقة للاستفادة من المقومات المتاحة في بلد بحجم المملكة يتربع على كنوز ثقافية وحضارية وبيئية، مثل مشروع القرى التراثية، وتهيئة المواقع الأثرية، والأخذ بيد مؤسسات الخدمات السياحية لتعمل على توفير النجاح للسياحة بالرقي بالخدمات التي افتقدناها زمناً طويلاً. وبقي من عقد السياحة الذي ألبسها إياه الأمير سلطان بن سلمان .. حلقة غالية ومهمة وهي توفير التمويل الميسر الذي حظيت به قطاعات أخرى مثل الصناعة والزراعة والعقار، التي واكب تأسيسها إيجاد الدولة صناديق متخصصة لتقديم القروض الميسرة جداً لمشروعات تلك القطاعات، وهو ما أسهم في نمو الصناعة وقيام المصانع في مختلف المناطق، وازدهار الزراعة – حتى أصيبت أخيراً بنكسة تحاول النهوض منها بالاستثمار الخارجي الذي لم تتضح جدواه ومدى ضمان الاستفادة منه حتى الآن -، وشيدت المباني التجارية والسكنية بتمويل ميسر من الدولة .. بينما ظلت المشروعات السياحية لا تجد التمويل المناسب، والمصحوب بالتشجيع، وظلت تعتمد كلياً على استثمارات القطاع الخاص الذي يتردد في التوسع ويكتفي بما هو مضمون مثل إنشاء الفنادق في المدن الرئيسة، ولا شيء غيرها. ولضمان مستقبل سياحي يتسم بالنوعية العالية والتنوع في الخدمات لابد لوزارة المالية بالتنسيق مع الهيئة التفكير في إيجاد قناة التمويل الميسر مثل إنشاء صندوق للتنمية السياحية على غرار الصناديق الأخرى، وتجاوز القروض الصغيرة التي تأتي عن طريق بنك التسليف أو بعض الصناديق العامة التي يتقاسم الاهتمام بها قطاعات متعددة وليست السياحة وحدها. وقد يقول قائل إن السياحة ترف لا يقارن بالقطاعات الأخرى .. لكن الواقع يقول عكس ذلك فمن شأن هذا القطاع توفير آلاف الوظائف للمواطنين، كما أن من شأنه إيجاد فرص استثمارية مناسبة لفئات عدة من المجتمع، حيث إن معظم مؤسساته من المشاريع الصغيرة والمتوسطة وهي المؤمن الأكبر للأيدي العاملة والمجال الأعرض لإتاحة الفرص الاستثمارية المناسبة لشرائح متباينة من المواطنين. كما أن هذا القطاع يتصف بميزة قدرته على إحداث النمو والاستقرار الاقتصادي في مناطق غابت عن خريطة المشاريع التنموية الأخرى، ذلك أن السياحة تصل إلى مناطق قد لا تكون الزراعة أو الصناعة أو التعدين مرتعاً خصباً لها، إلى جانب ما يشكله تنوع الاستثمارات السياحية من فرصة للمحافظة على السيولة المحلية من النزيف نحو الخارج، إذا ما توافر للسائح المحلي فرصة تغنيه عن قضاء جميع إجازاته خارج البلاد، وذلك من شأنه المحافظة على آلاف الملايين من الريالات التي تصدر سنوياً خارج البلاد. وبذلك فالمسألة لم تعد ترفا وإنما ضرورة لراحة المواطن ولقوة الاقتصاد الوطني.
وأخيراً: لعل ما يعكس تردد رجال الأعمال في التوسع الاستثماري السياحي في ظل غياب التمويل هو ضعف حضورهم في ملتقى السفر والاستثمار السياحي المنعقد في الرياض هذه الأيام والذي شهد حضوراً رسمياً .. عكس اهتمام الدولة بهذا القطاع. وناقش قضايا السياحة المختلفة ضمن ورش عمل تناولت كل الجوانب ما عدا التمويل الميسر الذي هو موضوع هذا المقال.