لنتهيأ للانطلاق نحو الجودة عبر بوابة المؤشرات العالمية 3
استكمالا وإنهاء لما بدئ الحديث فيه, يمكن القول إن دراساتنا مازالت إما أنها ضعيفة وإما قاصرة عن معالجة عدم أو فهم قلة توافر الموارد البشرية المتخصصة، وكيفية تناول المشكلة باحترافية مهنية كاملة. أحد الأمثلة هو ما سرى في المجتمع أن تعيين الممارس الصحي في القطاع الصحي مرهون بحصوله على البكالوريوس كأقل مؤهل يمكن أن يتقدم به الفرد للعمل, ومبرر وجوب ذلك لاشتراطات منظمة الصحة العالمية التي استوجبت رفع مستوى الأداء وتطوير المهنة (بالذات في مجال التمريض). طبعا هذا جعل الحراك في الوزارات المعنية تستعجل تنفيذ القرار أو التوجيه أو خلافه متناقلين الخبر أو التوجه أو الأمر أو القرار دون التمحيص في أساسيات ذلك التوجه، وما رؤى دول العالم فيه. الموضوع برمته يحتاج إلى إعادة نظر، وسأخصص له مقالة علمية تثقيفية لاحقا توضح بعض الملابسات وما المقترح اتباعه في هذه الظروف، إلا أن الواجب قوله الآن إننا لا نريد أن ننتهي بموظفين يجلسون على الكراسي لأنهم رؤساء أقسام ولا يوجد مَن يؤدي العمل لأنه لا يوجد من يحملون أقل من هذا المستوى سوى القوى العاملة في قطاع "الصيانة والنظافة" ومَن لا شأن له بالصحة! وعندها أين نحن من المؤشرات والمعايير والأرقام الدولية عددا وتأهيلا وتخصصا وأداءً وتنظيم إجراء؟
على صعيد آخر، فإن تحوير اسم مؤسسة للتعليم والتدريب واقتصارها على التدريب فقط قد يحتاج إلى عدة سنوات لتقييم أهدافه منطوقا وأداء، خصوصا أن كلمة واحدة تفصل بين الانضمام إلى جهاز كبير أو البقاء في فلك البحث عن التطوير. هذه المؤسسة قضت قرابة 30 عاما تخرج كوادر لم يكن ينقصها سوى تحري جودة الأداء, وتعديل آلية الإدارة، وتطوير مفهوم البرامج وتحديث المناهج التعليمية المهنية لتحقيق الأهداف مهما كانت ثقيلة. في هذه المسألة قد تختلف الآراء، ولكن هناك قواعد ننطلق منها فإذا أردنا للمؤسسة أن تبادر بالتدريب وتقوم بالأبحاث في تطوير برامج التدريب في الوقت نفسه فما مؤهل المدرب وما مؤهل واضعي البرامج ومقيميها ومَن الباحث؟ وهل في هذه الحالة سيعتبر المدربون أعضاء هيئة تدريس أم أنهم أعضاء هيئة تدريب؟ أما خريجوها فماذا سيعتبرون؟ خريجي تعليم عال فيقعوا في مؤشر خريجي التعليم العالي أم يستحدث لهم مؤشر جديد؟ كنت أتمنى (رؤية شخصية جدا) أن يتم التطبيق تدريجيا لتحديد أهم العوائق والعراقيل والخروج بماهية المتطلبات لاجتياز مرحلة البحث عن الهوية، ثم من بعد ذلك صياغة لوائح تنفيذية تقنن ما يبرز خلال فترة التنفيذ التجريبية ليكون التعميم وتعديل الاسم أو تحوير الأهداف أو رسم الاستراتيجية ووضع الخطط التنفيذية تنبئ كل عام بمحصلة العام التالي والأعوام الخمسة التالية وهكذا. هذا سيجعلنا عبر هذه السنوات نحدد مؤشراتنا ونختار ما يمكن ان نقارن به ما اختير كمؤشرات عالمية في هذا المجال.
أمامنا الآن بيانات في التعليم ومخرجاته لا بد من الاستفادة منها، ونواجه يوميا تحديثا للبيانات الصحية ولا بد من تحليلها, كما أن التجارة باتت مسؤولة عما توافر من معلومات خلال هذه النهضة التنموية حول الفرد وأنماط شرائه واستهلاكه والمستثمرين في تنوع أنشطتهم ومن يوظفون كقوى عاملة. من جهة أخرى، فالإعلام سيكون عليه السعي لرصد المفارقات المرئية والمستشعرة المكتوبة والمسموعة لإعانة المسؤولين على أداء مهامهم فهم مثقلون بأعباء لا حصر لها ويحتاجون، إضافة إلى منسوبي إداراتهم، أن يقوم الإعلام بنقل الواقع الحقيقي لهم، إضافة إلى نشر اللوائح والنظم للتوعية والتثقيف. لذلك من وجهة نظري الدراسات المقبلة ليست لمدينة الملك عبد العزيز أو هذه الجامعة أو تلك, وليست لهذا المركز أو ذاك هي في الواقع لكل الوزارات والهيئات المدنية ذات العلاقة لتجيب عن تساؤلات الجميع حول معنى الأرقام إذا توافر كذا طبيب وكذا فني لكل ألف سرير أو ألف فرد من السكان, ولماذا اختيرت هذه الأرقام؟ ثم هل هذا يعني أن هناك علاقة بالقوى العاملة في المجالات الأخرى مثل الزراعة أو الصناعة وإلى أي مدى؟ وأخيرا كيف نصل بتقديم الخدمة (أي خدمة) في المناطق المختلفة بتوازن وحسب أهم مميزاتها؟
نحن نتمنى أن نصل إلى المؤشرات العالمية من خلال مقومات محلية وعبر تخطي العوائق الداخلية النفسية والإجرائية ذات الطابع الخدمي. هذا يتطلب أيضا توحيد بعض الإجراءات أو تقريبها لتكون متوازية في المستوى والمحتوى، خصوصا في شؤون التعليم، فالمفارقات التي تسجلها دول العالم في مخرجات التعليم، وبالذات المهني، تكاد تجعل التفوق دائما غربيا, فلماذا يحدث هذا وفي واقع الأمر نحن بلغنا القمر ورفعنا العلم في القطب الجنوبي وسجلنا أفضل المقاييس بخبرة أبناء هذا الوطن الشامخ في أرقى المحافل الدولية، وتقدمت كل ذلك قيادة حكيمة وضعتنا من ضمن أفضل 20 دولة في العالم؟ نحن نحتاج الآن إلى مَن يعرف كيف يقيم هذا المنتج وتلك المخرجات وهذا البرنامج وتلك الأساليب وهذه المهارة وملاءمتها لتلك الحالة أو الظرف، لأننا سنقوم بتبرير وشرح المؤشرات المحلية ومقارنتها بالعالمية بعد صدور الخطة الخمسية التاسعة، وسيكون التخطيط للخطة الخمسية العاشرة فخرا للجميع بإذن الله, والله المستعان.